الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والادب في أسبوع :

Share

. هذا رأيي ، وعلي تبعته وحدي . . المعاهد الدينية - أبناء الأزهريين - يقظة الضمير

المعاهد الدينية

يري الشيخ المحترم عبد المجيد العبد ان سياسة التوسع في إنشاء " المعاهد الدينية " لا تقوم على أساس منطقي يدعو إلي الاطمئنان والرضا ؛ لأن من شأنها ان تنشئ في الأمة طبقة ذات حقوق لا يتهيأ للدولة وللشعب أن يفيد بها ، ولذلك يشير بأن تكتفي الحكومة بمعهد واحد من المعاهد الدينية ، وتحول المعاهد الآخر إلى معاهد صناعية تقوم بحاجة البلد فيما تدعو إليه الحاجة . .

وقد أجاب رفعة رئيس الحكومة عن هذا السؤال - أو عن هذا الاقتراح - بما اجاب ، فجلي رأيه واوضح برهانه ، وانتهي امر السائل والمجيب نهايته ، وانطوي الاقتراح . .

ولست أعرض هنا لشئ مما دار من النقاش حول هذا الموضوع في مجلس شيوخنا ، ولكن طائفة من الخواطر قد ابتعثها في نفسي هذا الموضوع يفرض علي حق العلم وحق التاريخ إن أعرض لها . .

إن هذه المعاهد الدينية التي عرض لها الشيخ المحترم في حديثه كانت ولم تزل عنوانا لمصر يدل عليها ويحدد مكانتها بين امم الإسلام والعربية ؛ لأنها فروع الجامع الأزهر الذي طبع مصر العربية بطابعه منذ كان إلى اليوم ، ولا يزال أثرا باقيا تغطي ظلاله على ما كان من آثار الفرعونية في أبي الهول والأهرام ، ومعابد الوثنية في الأقصر وأسوان

ذلك هو الأزهر وروافده التي تسميها المعاهد الدينية ؛ فهل غابت هذه الحقيقة عن فطنة الشيخ المحترم حين رأي ما رأي واقترح ما اقترح ؟ . .

وإني لأعلم أن جماعة قد أساءوا الظن بالشيخ ورأيه ، ولست أتهمه أو أظن به ، فلعلني وإياه  على رأي سواء في هذه القضية وإن لم يغب عني شيء مما قدمت من الحديث عن مكانة الأزهر والمعاهد الدينية ؛ بل إنه ليخيل إلي أن من واجبى ان  أؤيده فيما ذهب إليه كله أو بعضه ؛ فهذا الجامع الأزهر لم ينشأ يوم أنشئ ليكون معهدا " دينيا " يتفرد بلونه عن معاهد التعليم ، إذ كان العلم كله يوم انشئ الأزهر هو الدين ؛ ولا أنشئ ليكون مدرسة مدنية تعد طلابها لوظائف الدولة كما يريده بعض القائمين عليه اليوم ؛ وإنما أنشئ على منهج علمي خاص يوائم حاجات الناس في شئون الدين وفي شئون الحياة ، طبقا لمقتضيات عصره ؛ وإنما حياتنا اليوم غير ما كانت الحياة في ذلك العصر ، وموازيننا العلمية غير ما كانت الموازين ثمة ؛ فلم يكن بد من التوافق بين المتخالفين ؛ فإما أن تعود الأمة إلي مثل ما كانت في ما ضيها ويبقي الأزهر حيث كان ، وإما أن يتجدد الأزهر ؛ أما بقاؤه حيث هو اليوم والأمة حيث هي فشذوذ وخطل وغفلة . .

ما الأزهر اليوم وما المعاهد الدينية ؟ أهي معاهد لتخريج " رجال الدين " ؟ إن الإسلام لينكر ذلك ؛ فما يعترف الإسلام في حقيقته بشيء مما يسمي عند غيرنا رجال الدين " وإنما يفرض الإسلام على كل مسلم ان يعرف دينه كما يعرف دنياه ، وأن يتزود لآخرته ولعيشه جميعا ، وألا يتخذ وسيلة من الأشياء أو وسيلة من الناس بينه وبين خالقه ؛ فاين مكان " رجل الدين " من هذه الحقائق ؟ . "

. أم هي معاهد " مدنية " تعد خريجيها لاكتساب العيش والتأهل للحياة المدنية ؟ إنها حينئذ تخضع لقانون

" الإحصاء والحاجة ، حتى لا تنشئ نوعا من البطالة يفرض على الشعب والدولة والحياة الاجتماعية فروضا لاقبل للوفاء بها !

لقد انتهجنا في حياتنا المدنية نهجا كان له أثره في معاهد التعليم العام وفي برامجه ، ولست أزعم أن هذا المنهج يمضي بنا إلي غاية واضحة ، ولكني أعني أنه شئ واقع لا سبيل إلى إنكاره ؛ فأين مكان الأزهر من الامة في هذه السبيل ؟ وهل يصلح الآزهر في وضعه الحاضر إلا أن يكون معهدا عاليا للتخصص في المباحث الدينية العليا ، للتفقه ، أو المهنة ؟ . .

أما التفقه في الدين فهو فريضة على كل ذي دين ، فليس ينبغي أن يكون ذلك في الآزهر وحده ، وإنما حق الشعب ان ييسر له - بل ان يفرض عليه - ان يعرف دينه العرفان الحق في كل معهد من معاهد التعليم العام ، لا في المعاهد الدينية وحدها . وأما التخصص للمهنة فإنه ينافي التوسع إلا على مقدار الحاجة ودواعي الطلب ؛ ذلك وجه المشكلة فيما ارى ، ولعله وجه المشكلة كذلك فيما رآه ذلك الشيخ المحترم .

أبناء الازهريين :

ويسوقني الحديث من المعاهد الدينية إلي حديث يتصل بسببه ؛ ذلك أن الكبار من شيوخ الآزهر لا يعلمون أبناءهم في الأزهر :

سليم البشري ، وابو الفضل الجيزاوي ، والظواهري ، واللبان ، والفحام ، والمراغي : اين تعلم كل أبناء أولئك السادة وغيرهم من شيوخ الأزهر ؟ في الآزهر والمعاهد الدينية ؟ لا ؟ فلماذا ؟ أتصح هذه حجة لمن يزعم أن شيوخ الازهر لا يؤمنون برسالة الأزهر ؟ . . لست أقولها ! إذن فلماذا ؟

أرأيت رجلا من الناس راضيا بحظه من الحياة رضا

الإيمان حتي لو خير ما اختار إلا عمله ؟ . . الصانع  ، والزارع ، والتاجر ، والفنان . المعلم ، والمهندس ، والطبيب ، والضابط . الطفل ، والشاب ، والمكتهل الفتاة ، والمرأة : سل كل واحد من هؤلاء وأولئك : كيف هو في عمله ، وماذا يختار لو خير لنفسه او لولده ؟ سله تجده منكرا لحظه  ، ساخطا مما يلقاه  في حياته ؛ فما أري ذلك إلا من هذا ؛ فليس شيوخ الأزهر وحدهم هم الذين يتنكرون لمعهدهم وينكرون اثره ويبتعدون ببنيهم عن مثل حالهم ؛ ولكنها طبيعة النفس الإنسانية

أم تراني لم أصب الحقيقة كلها ولم أحسن الدفاع ؟ . . اقسمت لو كان لي اختيار في تنشئة ولدي ألا أجعله معلما ؛ فكم ذقت من الوان الالم في مهنة التعليم ؛ ومع ذلك فما أكثر من يتمني أن يكون . .

يقظة الضمير

في أنباء " الأهرام " أن قرويا من " كفر الشيخ " بعث إليها بضعة وعشرين قرشا تنفقها في وجه من وجوه البر ، لأنه ركب القطار مرة من القاهرة إلى كفر الشيخ بغير اجرة ، فلم يرض صميره إلا أن يتبرع بمثل أجرة السفر لوجه من وجوه البر . .

وقد اثني محرر الأهرام على عمل ذلك القروي ، ودعا إلى إنشاء صندوق سماه ) صندوق يقظة الضمير يتلقي امثال هذه العطايا من كل متحرج عن إثم أو شبهة في مال تطهيرا لنفسه . وقال : إن امثال هذا الصندوق في كثير من بلاد أوربا !

ومحرر الأهرام مشكور علي ما فكر ، ولا أحسبه ذكر " أوربا " في هذا الشأن إلا ليزيد حجته قوة عند طائفة من القراء لا تري الرأي جديرا بالاعتبار إلا ان يكون من واردات أوربا !

فهأنذا أروي لصديقي محرر الأهرام رأي الإسلام في ذلك ، ولعلى لا انزل به عن قيمته حين انسبه إلي الإسلام !

قالوا : ومن ارتكب خطيئة أو قارف معصية أو واقع منكرا أو أكل حراما ثم اراد أن يتطهر ويخرج من ذنبه فله احكام فأما إن كان ذنبه يتعلق بحق من حقوق الله فالله قابل توبته ومطهره من خطيئته وكاتبه في الصالحين ؛ وأما إن كان ذنبه يتعلق بحق من حقوق العباد كالسرقة والغصب فلا تقبل توبته إلا أن يرد إلي كل ذي حق حقه غير منقوص ولا مضار

قالوا : فإذا كان صاحب هذا الحق بحيث لا يمكن أن يرد إليه حقه ؛ كأن مات ، أو خفي أثره ، أو كان غير معروف على التحديد ، وجب أن يودعه " في بيت مال المسلمين " لينفق منه فيما يعود علي عامتهم بالخير ، أو يبذله في وجه من وجوه البر والإحسان ، وإن توبته مع ذلك تظل معلقة برحمة الله !

قلت : وهذه الأوقاف الكثيرة المحبوسة على وجوه البر هي لون من ألوان التوبة كان يلتمس بها كثير من الواقفين أسباب الزلفى إلى الله تحرجا من خطيئة أو إثم فلو أن أحدا راح يحصى هذه الأوقاف ويتتبع حياة واقفيها لرأي أكثرهم إن لم يكن كلهم من الأمراء وذوي السلطة الذين أطغتهم الحياة فترة ما وزينت لهم جمع المال بما يملكون من وسائل السلطان فلما تابت إليهم نفوسهم وقاموا إلي الحق والي خشية الله نزلوا عن بعض ما يملكون وحبسوه على البر والنفع العام لتقبل توبتهم حين لم يتهيأ لهم أن يعرفوا على التحديد أصحاب الحق فيما اغتصبوا وسلبوا من المال . ومنهم المتحرج الورع الذي اشتبه عليه بعض أمره وخشي أن يكون فيما أكل حرام يقف بينه وبين الله يوم الحساب ، فحبس هذه الحبوس يدرأ بها الشبهات ويتطهر مما قد يكون علق به من حقوق العباد .

وليس ثمة تفسير إلا ذلك لما قد يبدو من التناقض في تاريخ بعض عقلاء التاريخ حين يقرأ القارئ العجلان أن فلانا منهم كان غاصبا طامعا شرها سفاكا يسرق الكعكة من يد اليتيم ، فلما دنا أجله بذل وتصدق وحبس الأوقاف ورتب الصدقات الجارية . .

ليس من سبب إلا ذلك وإن بدا لبعض الناظرين في التاريخ أنه تناقض أو عللوه بأنه الرغبة في الشهرة وذيوع الصيت وبقاء الذكري . .

هي " يقظة الضمير " كما يفرضها الإسلام بواجباتها على كل مسلم ، وكما تشهد اثارها في التاريخ وفي هذه المنشآت الخيرية الباقية بأسماء أصحابها على مر القرون وتتابع الزمان .

أتراني أسأت أم أحسنت حين رددت الحقيقة إلى أهلها وخلعت عن رأسها القيمة المستعارة لتبدو في صورتها الحقة عربية مسلمة ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية