الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 196 الرجوع إلى "الثقافة"

الصحافة والادب في أسبوع :

Share

هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي

صحيفتي

لم اقرا شيئا من الصحف في هذا الأسبوع ، أو لعلي قرأت ؟ فلست أعرف على التحقيق اين الحد الفاصل بين النفي والإثبات في هذا الباب ، إنني لاتصفح احيانا عشرات من الصحف ، وعشرات من المقالات ، ثم أطوي صفحاتها والقيها جانبا وليس في نفسى منها شيء . كأنني لم اقرأ شيئا مما قرأت . أذلك الفراغ في نفس أم في الصحيفة التي أقرأ . .

ومع ذلك فإني ليخيل إلي أحيانا أني قرأت شيئا ، وما قرأت ! وأن في نفسي معاني جمة ، وما حصلت

معنى من كتاب ولا صحيفة ! ويعجبني أحيانا ما حصلت من معان لم أقرأها ، واتمني لو أنها كانت صفحات مقروءة حقا ، لأعود إليها فأقرأها ثانية وثالثة ، فلا يتهيأ لي أن أعود ولا تتهيئأ لي . .

وإني إلي كل ذلك ليلذني أحيانا أن أكتب شيئا في نفسى ، ثم لا أعرف ماذا أكتب ، وإن نفسي لتفيض بمعان وخواطر تضيق بها صفحات ،

ولقد تلح على الفكرة الواحدة حتى ما أمل النظر فيها والحديث عنها وتشقيق معانيها باللسان والقلم ؛ ثم تعزب عني .

أذلك حالي وحدي ، أورثتني إياه الحياة الراتبة التي أحيا ، والوحدة الصامتة التي تضرب على أذني ، والوحشة الساكنة في محراب أيامي . . أم هي حياة الناس جميعا تتجاذبهم موجات متعاقبة بين السكون والضجة ، وبين

الكفاح والرضا ، وبين الطموح والاستسلام ؟

أرأيت إلي عابر السبيل بمد خطوه ويقصر ويسرع ويبطئ ، ويقد السير فترة ويستريح فترة ؟ كم منظرا صافح عينيه في طريقه وما رأي ؟ وكم صورا ارتسمت في صفحة أمانيه وما شهدتها عيناه ؟ .

ويل لي وويل لكل عابر سبيل لا يري من صحيفة الطريق إلا ما يري من صحيفة نفسه

هذه صحيفتي التي قرأت في هذا الأسبوع

صحيفة بلا عنوان ، وإن معانيها لتتزاحم ، وإن صورها لتتشكل في فنون وألوان ، وإن حوادثها لتصطرع في داخل النفس اصطراع الجبابرة بلا رفق ولا أناة !

وخلوت إلي نفسى ذات مساء احاول ان اجتلي من اسرارها واعرف خبرها ؛ وتفتحت لي منها صفحات فرحت أقرأ

أين أنت بانفس مما كنت ؟ وأين حاضرك من ماضيك ؛ واين يقع منك خيال المستقبل البعيد ؟

الماضي . وقلبت صفحات من الكتاب طويت بها أعواما من العمر في ذمة التاريخ ، وبدت لي في المرآة صورة ، إنها صورة شاب كنته مند سنين ؛ هذه الابتسامة على شفتيه ، هذا البريق في نظرته ، هذه الآمانى تترقرق اضواؤها في جبينة ، هذه الوحدة . إنه وحيد منذ كان ، ولكنه سعيد بوحدته

ماذا كنت يومئذ وماذا كانت دنياي ؟ وأين كان مني خيال المستقبل (

بالي من الذكري ! . . ليتني أقصرت في الأماني ولكن طيفا كان يتخايل لعيني في يقظتي وفي احلامي يهيئ لي سبيل كل ممتنع ؛ وكانت لي أمنية . .

كانت مني علي مد النظر وبيني وبينها استار وحجب ؛  لم تكن تراني ولم أكن أراها ، ويمضي عام   وعام

لا نلتقي وجها لوجه ، ولا تهمس شفة لشفة ، ولا يسأل سائل ولا يجيب مجيب ؛ ولكنها منى وانا منها كان لنا في كل يوم لقاء وموعدا - وتنفذ روح إلي روح من خلال الاستار والحجب لتؤكد عهدا واؤكد عهدا ، والأيام تمضي ، والقدر ينسا الاجل ويبعد المعاد كلما آن اوانه وأنا على الطريق أتخطي عقبة بعد عقبة بلا وني ولا كلال ، لأن معي على الطريق رفيقا من أحلامي . . والمستقبل المرموق يتراءى لعيني على مقربة ، يوم تكون وأكون ، ويوم تجمعنا دار وتظلنا خميلة ، وثمة طفل يدرج إلينا وهو يهتف في ابتسامة راضية : أبي أمي ؟

لم تكن تلقاني ولم أكن ألقاها ؛ ولكن صورة واحدة كانت تتمثل لها حلما وتتمثل لي . . وصوتا واحدا يهتف بها في خلوتها ويهتف بي . . وكانت وكنت في بقيتها وبقيتي زوجا لزوج ، ادخرها لأيامي وتدخرني ، فلم أكن أراها ، ولم تكن تراني . .

وكان لنا دار لم يبنها بناء ، وحديقة لم يغرسها بستاني ، وطفل لم تلده امه ، وتاريخ لم يلده الزمان بعد لأن ذلك كله في أحلامها وفي أحلامي . .

وقالت لي ولم تنبس بنت شفة ؛ كن كما أريد ان تكون لافاخر بك لذاتي ؟ فكنت ! . وقلت لها ولم ينطق لساني : كوني كما أريد ان تكوني لاصارع بك أيامي ؛ فكانت

وكنت وكانت ، ولم أكن أراها ، ولم تكن تراني لأنني كنت أدخرها لأيامي وتدخرني ؛ وقنعت وقنعت من سعادة المحبين بالانتظار والأمل .

كم عاما مضي قبل أن يحين ميعاد اللقاء !

ما كان أطولها سنين شب فيها غلام المني وأيفع يا ليتها امتدت فلم يلتق

وتجسم الحلم الذي طال بضع عشرة سنة فصار حقيقة ، والتقينا . .

وقلت لها وقالت لي . .

ماذا قلت وماذا قالت ؟

لالا ، لا أريد أن أذكر لقد كان ذلك كله وهما من  الوهم لقد ذهبت فلا سبيل إليها بعد ، وتبددت الحقيقة التي بت احلم بها بضع عشرة سنة فليس في يدي منها إلا ذلك الحلم ؛ ولكنه حلم مديد ، مديد إلى آخر الدهر لا يقظه منه إلا يقظة الآخرة . الا ليت بعض الحقائق كانت أحلاما

سأطوي هذه الصفحات من تاريخ أيامي فلا أذكرها ؛ لست أطيق أن أتصور أن ذلك الحلم الذي عشت به ما عشت من سابق ايامي قد استيقظ يوما ثم عاد فأطبق جفنيه ؟ .

سأحاول ما عشت أن أخدع نفس بأن شيئا مما كان بين فترتي هذا الحلم المديد قد كان حقيقة )  لا لا ؛ إنها قسوة ؛ إنه حلم واحد بدأ يوم بدأ وبيننا استار وحجب وسيمتد ما يمتد وبيننا جندل وصفائح :

ولكنني لا استطيع ! لا استطيع

هذه الدار قد بناها البناء وإني لأن لألمس أحجارها ؛ وهذه الحديقة قد غرسها البستاني وإني لأشم ازهارها ؛ وهذا طفل يهتف وعلي شفتيه أبتسامة راضية : أبي ! فأين أين من يسمع ما يهتف به؛ الطفل الضاحك ؟ .

ولكني لست هنا وحدي وهذه الدار ليست لي وحدي ؛ وهذه الجميلة ليس مجلسى فيها وحدي ؛ وهذا الطفل لا ينادينى وحدي . .

إني لم اتخيل قط في يقظة ولا حلم أن أكون هنا وحدي ؛ فلست وحدي وإن بدوت كذلك للناس ؛ لست وحدي ومعي صحيفة هذا الماضي !

إني لأري هنا شيئا ، وإنني لأسمع هنا همسا ،

وإني لاشم هنا عطرا ، فإذا ضرب النوم علي جفني فإنني واجد في المنام تعبير رؤيا اليقظة ليست الحقيقة ما تبصره عيناي الساعة ؛ إن الحقيقة ما تبصره عيناي في الأحلام ؟

الحقيقة ؟   الأحلام ؟ . . أين الحد الفاصل بين شئ وشيء هنا ؟ ما اليقظة وما النوم ؟ ما السر وما الجهر ؟ . . ما الموت وما الحياة ؟ . هل هي إلا اسماء والحقيقة واحدة    ولكن الإنسان لا يدري

إلي كم يمتد بي هذا الحلم السعيد ؟ . اننى لأخشى اليقظة كما استيقظت مرة منذ سنوات ،ثم   ثم كان ما كان . .

هذه صحيفة ماضي ، وهذه صحيفة حاضري ؛ فمن لي بما سيكون ؟

لست أخشى الغيب واني لموقن بآخرته ، ولكن هذا الطفل وهاتين الصغيرتين

بلى إني لأخشي . سيكبر هؤلاء الصغار يوما فيسألوني ولا أطيق الجواب ؛ لأنني لا أطيق أن أوقظ أحلامي علي الحقيقة التي أحاول أن أنسي

آه يابني ! من لي بمن يضع في نفوسكم منذ اليوم ذلك المعني الذي في نفسى ، وينقل لكم إحساسي ، ويصور في عقولكم أحلامي ؟ . .

إنكم يابني كل ما بقي في عيني من حقيقة تلك الحياة التي كانت ؛ فمن لي بمن يجمع قلوبكم على هوي نفسي وظمأ روحي وحنين وجداني ، إليها . .

هأنذا أراكم يا بني وها أنتم أولاء تروني ، وإن اواصر كثيرة تربط بينكم وبيني فتخفق قلوبكم لمرآي ويخفق قلبي  ولكن شيئا عظيما يا بني يبعد قلبا من قلب ، هو انكم لا تعرفون من كانت لقد كان لكم ام ايها الصغار

اشترك في نشرتنا البريدية