الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 221الرجوع إلى "الثقافة"

الصحاف والأدب في أسبوع :، . هذا رأي ، وعلي تبعته وحدي . .،

Share

مدرسة شوقي - بناتي ! - آداب اجتماعية !

مدرسة شوقي . .

قضيت شطرا من الليل أسمر مع " شوقي في ديوانه . لقد ذهب شوقي الشاعر إلي ربه منذ عشر سنين ، ولكن قلبه ما زال حيا ينبض بأفراحه واحزانه ووساوس نفسه في هذه الصفحات المقروءة التي خلفها من بعده حديثا يروي وخبرا يؤثر لقد كان شوقي شاعر هذه الأمة ، وما زال مكانه - على مر السنين - خاليا لم يقتعد ذروته بعد شاعر من شعراء الجيل على ما افتن الشعراء بعده في مذاهب القول واستحدثوا من فنون الشعر . . .

. . وانتهيت من الديوان عند قصيدته على لسان " المطربة " في الجزء الأول ، تتحدث بأمانها إلى سعد زغلول وزير المعارف يوم كان ، تطلب إليه ان ينشيء ، مدرسة لبنيها في هذه الضاحية ، وكان شوقي يومئذ يسكنها ، وصغاره يطلبون العلم في مدارس القاهرة ، يقلهم إليها القطار كل يوم في الغدو والرواح ؛ وبلغت من القصيدة قوله :

بني يا سعد كزغب القطا          لا نقص الله لهم من عداد

إن فاتك النسل فأكرم بهم       ورب نسل بالندي يستفاد

أخشى عليهم من أذى رائح      يجمعهم في الفجر والعصر غاد (1)

صغيره   يسلبني    راحتي       ويمنع الجفن لذيذ الرقاد !

صغيره

يعقوب من ذئب بكي مشفقا        فكيف أنياب الحديد الحداد ؟

فانظر رعاك الله في حاجهم         فنظرة منك تنيل المراد . .

وقد استجاب " سعد " لنداء " شوقي " فكانت مدرسة الزيتون ولا تزال ، وإنني لأمر عليها غادبا ورائحا وانظر المئات من أبناء الضاحية غادين إليها أو رائحين عنها يتأبطون كتبهم او يحملون حقائهم ، فاذكر شوقي وبنيه والآلاف من " زغب القطا " الذين خرجتهم هذه المدرسة منذ كانت وما تزال تبذل المعونة لتخريج الآلاف من إخوتهم ومن بنيهم ، ومن حفدتهم ايضا ؛ فهل من هؤلاء جميعا من يذكر شوقي !

لقد اقترح البرلمان في الدورة الماضية تخليد ذكري شوقي بتمثال يقام له في " الأوبرا " ؛ أفلم يكن اجدر أن يكون الاقتراح تسمية هذه المدرسة باسم شوقي ، وان تكون لها جائزة سنوية باسمه بكتئب لها سكان هذه الضاحية الممتدة من " القبة " إلي " عين شمس " فالمرج ، فالخانكا ، ويمنحها الفائز الأول أو الفائزون الأوائل في اللغة العربية من خريحي المدرسة ؟ . .

وددت ولكن

بناتي

. . ولكني لم أبدأ هذا الحديث لأكتب عن " مدرسة شوقي " أو " جائزة شوقي " ؛ فإن لذلك اوانا آخر لعله أكثر مناسبة ، ولكن منظرا رأيته ذات صباح من الأسبوع الماضي فلم أنسه منذ رأيته ، ولا يزال وجه ابنتي الصغيرتين يذكرني إياه كلما هممت أن أنسي . .

. . كان المطر ينهمر كما تنصب الدلاء فلا تكاد دار في المدينة أن تعصم من فيها من أذي السيل ؛ وكان البرد يلفح الوجوه فما تفرق بين لسعته وحر النار ، وكان

الضحى وما يزال ظل الليل على وجه السماء ، فلولا حساب الحاسب لجهل الناس انهم في النهار . .

ووقفت ساعة أؤامر نفسي قبل أن أجد العزم على الخروج من داري بالمطرية في ذلك اليوم العابس ، ثم اقتحمت الطريق تحت السيل المنهمر ، ووجهت وجهي نحو " المحطة " ولم يكن ثمة غيري وغير قليل مثلي يقصدون " الديوان " او يطلبون العيش ؛ ولكن ما هذا الذي أري علي مبعدة ؟ إنها فتاة لم تعد الطفولة ، وإنها لتحمل بيدبها مظلة وحقيبة وتسند إلى جدار ؛ ماخطب هذه المسكينة وما حاجتها ؟ . .

هلا ! سميحة ! ما خرج بك الساعة يا بنية وكيف رضي أبوك ؟ . . ونظرت إليها وقد ابتلت مبدعتها حتى ما تمنع عن صدرها رطوبة الماء ، فعرفت أين تقصد ؟ . . إنها في هذا المكان بين الرياح الأربع في المطر الدافق تنتظر سيارة المدرسة تحملها إلي " مصر الجديدة " وأين " المطرية " من مصر الجديدة ؟ ولكن هكذا ارادت وزارة المعارف لبنات هذه الضاحية ، وماذا يصنعن وليس ثمة مدرسة أقرب إليهن من مدرسة العباسية أو مصر الجديدة ؟

قلت : فلماذا يا أبنتي لم تلزمي اليوم دارك أو تنتظري السيارة وراء زجاج النافذة من دار أبيك ؟

قالت الصغيرة الغارقة في ثيابها : اليوم " اختبار الفترة " وما أريد أن يفوتني ، ثم إن سائق السيارة لايمر بدور التلميذات دارا دارا ، وإنما علينا ان ننتظره في هذه " المحطة " من الطريق العام ؟

قلت : حتي في هذا اليوم !

وهبت رويحة تسقي المطر في وجهي حتى لم أكد ارمي ، فاستدرت ومضيت بالصغيرة علي رغمها إلى دار ابيها والأرض تجاذبني الخطأ مشي المقيد . .

. . لم أنس هذا المنظر منذ رأيته ، ولا زال وجه ابنتي يذكرني إياء كلما هممت أن أنسى ؛ وهأنذا أقرأ

الساعة ابيات شوقي وما كان اثرها فآسف اشد الأسف لأن شوق لم يكن له يومئذ بنيات ؛ إذن لسكان المطرية اليوم " مدرسة بنات " فلا تتجشم " سميحة " بنت صديقي ذلك المشوار كل يوم إلي مصر الجديدة ولا تنتجشمه ابنتاي في غد

ومع ذلك فماذا كانت ضاحية المطرية منذ ثلث قرن يوم انشأ سعد زعلول مدرسة الزيتون ليتعلم فيها بنوها وبنو شوقي وماذا هي اليوم ؟ . . إن سكان هذه الضاحية ليبلقون اليوم عشرة امثال ما كانوا يومئذ أو يزيدون ، أفليس من حقهم أن يكتبوا اليوم لنجيب الهلالي يقولون :

بناتنا يا نجيب

وما يزال لشوقي دار في المطرية تحمل اسمه في أفواء الشيوخ من السكان ؛ افليس من الوفاء لذكري شوقي ان تتخذها دارا لمدرسة حتى يتصل ماضيها في العلم بحاضرها ويتجدد اسم شوقي فيطرية على أفواء الشبان والشابات

إن لم يكن ذلك حق بناتنا في العلم فإنه حق الوفاء

آداب اجتماعية

في جريدة ما من جرائد الأسبوع قرأت الإعلانين الآتيين :

" زار معالي وزير . . بمستشفي حضرة الشيخ فلان ، شقيق الشيخ فلان عضو مجلس مديرية الجيزة ، والشيخ فلان من أعيان أطفيح "

" أقيمت أمس حفلة رائعة ، ابتهاجا يزفاف الأنسة النبيلة فلانة ، كريمة الوجبه فلان ؟ وشرف الاحتفال كبار موظفي المديرية ، وأعضاء الشيوخ والنواب ، وقنصل انجلترا ، و . . وتناول الجميع أفخر الأطعمة وانصرفوا يلهجون بكرم الداعين " .

والجريدة - قطعا - لم تنشر ما نشرت تطوعا لوجه الشيخ المريض وشقيقية ، والوجيه فلان وابنته

الآنسة " النبيلة " ولكنه " إعلان مأجور " يساوي كذا من الجنيهات بحساب الأسطر والكلمات يدفعها كاتبه أو طالبه والمنتقع بإذاعته ؛ فأي هؤلاء المذكورين " أعلاه " طالبه وكاتبه والمنتفع بإذاعته ؟ وما منفعته وجدواه ؟

. . لو كنت أنا الوزير المذكور في ذاك الإعلان لامتنعت منذ اليوم عن زيارة مريض في داره ، أو في المستشفى ، تصونا وكرامة ؛ ولانكرت ان تكون لي صلة بالشيخ فلان عضو مجلس المديرية ، والشيخ فلان عين الأعيان ؛ حذر أن يكون المقصود من هذا الإعلان الرذل هو اكتساب الجاه والسمعة على حساب المرض ، أو علي حساب المجاملة ؛ ومن يدري ؟ لعل قارئا من ذوي الحاجات أن يقرأه فيتوهم وهما ويحسب حسابا ويأمل أملا . . ثم لا تنقضي له حاجة ، أو لعل حاجته أن تنقضي عفوا بلا شفاعة ولا وسيلة ، وبقي في نفس الواهم وهمه وتشيع في السوق قالة سوء

. ولو كنت مدعوا في حفلة زفاف تلك الآنسة " النبيلة لجعلت هذا الأعلان سببا إلى رفض كل دعوة إلي مأدية من بعد ، ولو كانت لزفاف بنت اخي ، فليس أسمج ولا أثقل ممن يدعوني إلي طعام ثم يمن علي في جريدة ذائعة بما قدم إلي من " أفخر الأطعمة " مثنيا علي نفسه ، منوها بكرمه وفضيلته

ماذا يعرف " الوجيه " فلان ، وشقيق المريض فلان ، من ادابنا الاجتماعية ؟ . . ولكني اريد ان اعرف قبلا ما هي آدابنا الاجتماعية ؟ . . أفي جملة أعمالنا الخاصة والعامة ما يصح أن نسميه آدابا اجتماعية ؟ . .

هأنذا عائد من عملي في " الديوان " منذ لحظات ، لا اكاد احمل رأسي من فرط الجهد ، وها هي ذي الخادم تعد لي الطعام وإني لأستعجلها به مما بي من جوع ؛ ولكن ماذا أسمع ؟ هذا جرس الباب يدق ، وإن رجلا

بالباب . . إنه زائر ضقت به في الديوان يتابع خطاي إلي الدار ينتهز الفراغ والخلوة . .

. قالت له الخادم : سيدي علي الطعام !

وقال الزائر : قولي له : لا عليه فلن أشاركه في الطعام وإنما أريد لقاءه

قالت : فهل تعود بعد ساعة ؟ إن سيدي متعب

قال : وأنا متعب مثله فما أطبق أن أذهب وأعود !

ثم مضي ليلقاني بالديوان في غد فيتهمني بسوء الأدب فهذا رجل يزعم أنه يعرف الآداب الاجتماعية .

وهذا آخر قصد إلي أمس يطلب شفاعي لحاجة من حاجاته ، قلت له : ) صديقي ، حسبتك أو شق صلة مني بولي هذا الأمر !

قال : بلي ، ولكنها حاجة صغيرة فلا أريد أن أسعي إليه من أجلها !

فخجلت وانصرفت عنه كأن لم أسمع ، فنهض مغضبا وهو يقول : أنت أناني !

إنه يزعم كصاحبه الأول أنه يعرف الآداب الاجتماعية ألم يطلع القارئ ذات مرة على بطاقة دعوة بالنص الآتي :

" يتشرف فلان بدعونكم لمنزله . . وسيشرف الاحتفال كثير من ذوي الشخصيات البارزة  "

أي مدعو يعتد بنفسه يحبب هذه الدعوة ؟

وهل قرأت مرة في أخبار الوفيات من بعض الصحف مثل الاعلان الآتي :

" فاننا أن تذكر في نعي فلان باشا امس انه قريب زوج أخت فلان الموظف بمصلحة التنظيم ! " .

إن في صفحة الوفيات من بعض الجرائد لصورة تنطق وحدها بمقدار فهم الناس في هذا البلد لمعني الآداب الاجتماعية ، وإن فيها وحدها التكذيب الصريح لو تهيأ لأحد أن يزعم أن لهذا البلد آدابا اجتماعية :

اشترك في نشرتنا البريدية