الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

الصحراء في المساحة الجغرافية الإفريقية

Share

دعت جمعية طلبة شمال افريقيا المسلمين ، بفرنسا الاستاذ ببار جورج (Pierre George) من معهد الجغرافية بباريس . لالقاء محاضرة بمأوى تامر فى التاسع والعشرين من جانفى ١٩٥٧ ، هذا عنوانها : " الصحراء فى المساحة الجغرافية الافريقية "؛ فلبى الاستاذ ب . ج . طلبها بكل ارتياح . ولا شك ان كلا منا يعرف عطف الاستاذ ب . ج . على قضية المغرب العربي ، وما يبذله في سبيلها من مساعدة نشيطة نافعة . ونظرا لاهمية الموضوع في الظروف الراهنة ، رأينا نقله لقراء " الفكر "

الصحراء خلاء ؛ هذه حقيقة حفظناها جميعا عندما كنا شبانا ، مهما كانت البقعة التى تلقينا فيها تعلمنا ، بعالم البحر الابيض المتوسط.

الصحراء ، حسب مدلولها ، منطقة غير صالحة لحياة الانسان ، لانجد فيها الا سكانا منتشرين هنا وهناك ، يعيشون عيشة خاصة يقضونها فى الواحات أو فى المنتجعات . ومعنى الصحراء هذا ، داخل فى جملة من ميادين الجغرافه الطبيعية التي لها اتصال بالمناخ وانواع النباتات وحياة المواشى ، إلا أنه معنى ناتج ، بصورة خاصة ، عما لاحظاه من جدت هذه الارض التى لا تصلح لنمط من الحياة عاشت عليه الانسانية بحث الشهر قرونا طويلة : أعني الاقتصاد الفلاحى . غير أن مفهوم الصحراء يتغير إذا نحن انتقلنا من ميدان الاقتصاد الفلاحى الى ميدان الاقتصاد الصناعى .

توجد انواع كثيرة اخرى من الصحاري في العالم ، يختلف مناخها برودة وحرارة ، صلحت اراضيها عندما تجاوزت مرحلة الاقتصاد الفلاح الى مرحلة الاقتصاد الصناعى ، وبرز مشكل استثمار الموارد المعدنية الصحراوية ، ولقد وجب يومئذ توفير وسائل الاقامة والعمل للسكان الذين يحتاج اليهم لحشد هذه الثروات في البيئة الطبيعية الصحراوية ، من انشاء مراكز للاقامة وتنظيم طرق

التزويد بالمياه والمواد الغذائية . ولا شك أن الاقتصاد الصناعي فى منطقة صحاوية ذات ثروات صناعية دفينة ، لا يلبث ان يرتبط بالاقتصاد الفلاح الذى يزدهر فى منطقة اخرى استقر بها السكان بعد ؛ فهذا الترابط بين الجهات المتاخمة البعضها بعض يقضية المنطق البسيط .

الا ان المشكلة لا تخلو من تعقيد : فاستثمار جهة صحراوية يتطلب تحقيق شروط فنية واقتصادية ومالية ، ولا شك اننا ، فى تلك الفترة الانتقالية التى قد تطول وقد تقصر ، نكون فى حاجة ماسة الى انواع اخرى من الاعانات الاقتصادية غير التعاون البسيط بين جهة صحراوية وجهات اخرى مجاورة لها ، اذا ما اعتبرنا ان هذه الجهات المجاورة هي ايضا فى حاجة الى اعانة فنية او اعانة اقتصادية لاستغلال الارض التابعة لها جغرافيا وتاريخيا .

القضية معقدة اذن . . . لم وكيف تبدو لنا الصحراء اليوم جهة زاخرة بطاقة صناعية عظيمة ؟ لنلاحظ ان المسألة لها علاقة - قبل كل شئ - بالتركيب الجيولوجي للصحراء، وبوضعية هذه الاراضى الصحراوية الشاسعة ، المتشابهة جغرافيا ، الكائنة وسط هذه الرقعة المقفرة المترامية الاطراف والممتدة فيما بين المغرب العربي ، والمناطق الاستوائية التابعة لافريقيا السوداء . وقلب الصحراء مكون فعلا من " درع " وهو كلمة تدل على منطقة ذات صخور قديمة جدا متولدة من عناصر بلورية محشوة بمواد مختلفة ومن جملة عناصر أخرى يرجع تاريخها ، حسب علماء الارض ، الى " ماقبل العهد الكمبرى"

ولعل اثبات هذه التفاصيل يبدو عبثا فى محاضرة نريد ان تكون عرضا عاما لشؤون الصحراء - ان نحن لم نعتمدها للقيام ببعض المقارنات ؛ وفعلا ، أين توجد مناطق اخرى خلال العالم تستحق ان تسمى " دروعا " ؟ فى شمال الكندا ، وفى الابرادور والجهات المحيطة بخليج هودسون (Hudson) وسيبيريا الوسطى ، وافريقيا الجنوبية ، والبرازيل ؛ ولا ننسى ايضا " الدرع " السكندنافي .

ويمكن أن ندمج " عتبة كازاك (Kazakh) التى تفصل سيبيريا الغربية عن المنخفض العربى الكاسبينى ، في هذا النوع نفسه من التركيب الجيولوجى والاحوال الجيولوجية ، ولنلاحظ ان هذه الجهات جميعها غنية بثروات معدنية في

نسبة مرتفعة : ذلك ان كل المناطق المشتملة على " الدروع " تنتج مختلف المعادن الخام ، من حديد ونحاس )كالكاتنقا بافريقيا الوسطى ، وكازكستان بسيبيريا ، والكندا ) ؛ وكذلك تكمن المعادن غير الحديدية فى هذه الجهات كلها ، وتوجد فى غالبها ... مختلف مراكز الاورانيوم .

يمكن ان نفرض اذن - بادىء بدء - ان الصحراء التى تنتسب الى جملة المناطق الجيولوجية الغنية بمختلف المعادن ، لا بد ان تكون هى ايضا ذات ثروات معدنية .

ولكن كيف يقع الاتصال بين الجهات الصحراوية القديمة وبين الجهات المتاخمة ، وخاصة بينها وبين المغرب ؛ ينشأ ذلك بفضل المناطق التى يسميها الجيولوجي مناطق الهبوط والانخفاض . ومثل هذه المناطق صالحة لتجمع الثاقل النفطي ؛ وكفى بالجهة التى تصل المنبسط السوري العربى وشاطىء فارس دليلا على ما نقول : فهي بصورة مضبوطة المنطقة الشاسعة لمراكز النفط بالشرق الاوسط الرابطة بين الدرع البرازيلي ، وسلسلة جبال الاند (Andes) : وهنا توجد منطقة آكر (Acre) ومنطقة قيابورى Guapore حيث يقدر البرازيليون ان لهم ثروات نفطية هامة .

لذا يمكننا ان نقول انه من الممكن جدا وجود سمط نفطية بالمنطقة الرابطة بين المغرب والصحراء ، لما لهذه المنطقة من ضروب التشابه بالمنطقة العراقية ومنطقة الخليج الفارسي . . وما لبثنا ان تجاوزنا فى غضون السنين الاخيرة ، مرحلة الافتراضات الى مرحلة وصلنا فيها الى جملة من القرارات اليقينية - ليست القضية الآن مجرد افتراض وجود الثروات المعدنية او آبار النفط ، بل نحن على يقين من وجود هذه المراكز إلا اننا لا نعلم بعد مدى امتدادها ومحتواها المضبوط .

١ - ثروات الطاقة المحركة

نحن نعلم ان حجر العثرة لبرامج التصنيع بافريقيا الشمالية ، منشؤه النقص النسبي فى موارد القوى المحركة ، والفحم ، واللينيت والنفط . فهل تقدر الصحراء على ان تحقق امل بلاد شمال افريقيا هذه التى لا تملك ما يكفيها من موارد الطاقة المحركة ، فتسد حاجتها بان تمنحها الفحم والنفط ؟ لقد كان الغالب على الظن ، مدة طويلة ، ان ثروات النفط ضئيلة جدا ، فاذا

هى تبدو اليوم على جانب من الاهمية ؛ وبفضل عمليات التنقيب حصلت لنا فعلا دراية اوسع بثروات " الحوض الفحمى " في كولمب بيشار حيث يقدر اليوم احتياطي الفحم (les reserves) - والتنقيبات لم تنته بعد ! - بما يناهز مائة مليون طن فى ثلاثة مراكز ممكنة الاستثمار هي : حوض كينادزه وهو بصدد الاستثمار منذ زمن طويل ، ومركز سقاله وكسيكسو ، ومركز ميزريف ؛ واقتلاع هذا الفحم سهل على انه اسهل فى جهة كيكسو منه فى حوض كينادزه التقليدى ، واذا ما سهل الوصول الى اقتلاع طبقات يقارب سمكها ٧٥ صم ؛ فمن المظنون تحقيق وسائل فى العمل تشبه الوسائل المستعملة فى أحواض الفحم بشمال غربي اروبا ؛ ومن ناحية اخرى ، نلاحظ ان لهذا الفحم من اختلاف الانواع ما يجعله يوفر المراكز توليد الكهرباء ، وأخرى تصلح وقودا فى مراكز صناعة الحديد .

وإذا كانت مائة مليون طن من الفحم لا تعتبر ، حتى الآن ، طاقة عظيمة الاهمية ، وإن كانت لا يستهان بها ، فإنه يبدو ان كميات البترول اعظم واهم ؛ وعمليات التنقيب عن النفط لا تزال حديثة عهد نسبيا - . ولا سبيل ، فى هذا المضمار ، الى قرار يقيني عن إمكان استثمار احدى الآبار إلا اذا ذهبنا شوطا فى استثمارها بعد . وكلما قمنا بفتح آبار جديدة قرب الابار السابقة المنتجة ، قوى شعورنا بإمكانيات الاستثمار الحقيقية وبعامة الثروات الكامنة فى بطن الارض .

أما عملية الفحص عن النفط فتشتمل على ثلاث مراحل : اولا : مرحلة التعرف على المناطق الطيعة لعملية الفحص ؛ ثانيا : مرحلة البحث عن التركيب الباطني للارض وعن كمية الكربون المائى الممكنة الوجود ، بفضل ما يمدنا به علم طبيعة الارض من وسائل التنقيب ؛ والى هنا ، فإنا لم نصل الا لبعض الادلة والتقريبات .

ولم نظفر باليقين الا عند انتقالنا الى المرحلة الثالثة ، اعنى مرحلة فتح لآبار . ولقد بلغنا الآن هذه المرحلة . اما النتائج فكانت متفاوتة ؛ وهذا امر عادى اذ مازلنا فى الطور الاول من التنقيب .

لقد لوحظت في منطقة بريان (Berriane) علامات تشير الى وجود الغاز ، كما امكن الوصول الى الغاز فى جهة الغوليا (El-Golea ) وتحديد مركز للغاز الطبيعي بجنوب عين صالح ) جبل برغا . عين بزان ، . . ( ومما يدل على ان عين صالح مركز على جانب من الاهمية ، انه قورن بمركز لاك (Lacq) بالجنوب

الاكتاني (Le midi aquitain) . اما النفط فقد اكتشف بكميات هامة في منطقتين جغرافيتين متباينتين : بحاسى مسعود فى جنوب ورقلة ، وادجل وتيقنتورين قرب الحدود الليبية ؛ واحتياطي النفط بأحسن حاصل اذ قدرت الكمية الدفينة فى حاسى مسعود بمليار طن ، وكمية ادجل بما يتراوح بين المائة والثلاثمائة طن .

ومشاكل استعمال النفط والغاز الطبيعى تختلف شديد الاختلاف . فالنفط - على الاطلاق - أحسن طاقة محركة تستخرج من مراكز الانتاج ( بواسطة انابيب تمتد حتى مواني التصدير ) لفائدة الاقتصاد الصناعى الذى يستهلك كميات وافرة من مواد الوقود السائلة كالنفط المكرر ، وزيت النفط ، والزيوت المعدنية اما الغاز فهو ، على عكس ذلك ، لا يروج فى السوق العالمية ؟ لذلك يترك عندما لا توجد منشآت صناعية قادرة على استهلاكه فى نفس القارة التى تنتجه او يحرق في مكانه بدون ان تحصل منه اية فائدة اقتصادية ، ويقع ذلك عندما يستخرج والنفط في زمن واحد . وانه ليبدو مفروغا منه ، فى الظروف الراهنة التى يجتازها الاقتصاد الشمال إفريقي والصحراوى ، ان النفط كفيل بان يكون مادة يمكن ادخالها فى السوق التجارى ، وذات اهمية عظمى فى تنمية المدخول الجهوي وتغذية رؤوس الاموال ، في حين أن الغاز الطبيعى احسن طاقة محركة تستعمل في عين المنطقة المنتجة .

ان المناخ الصحراوى يبدو مناهضا لاحياء الصحراء في جملتها ، وهو في الحقيقة يقوم حاجزا دون استثمارها فلاحيا إلا ان هذا المناخ اكتسى اليوم صبغة جديدة لاننا اتجهنا اتجاها قويا نحو استعمال الطاقة الشمسية ؛ واعدت بعد اجهز لهذا الغرض ، تدل على اهمية النتائج الممكن تحقيقها ..: فى الولايات المتحدة ، وآسيا الوسطى بالاتحاد السوفياتى ، وفى منطقة تاشكنت (Tachkent) على الخصوص . ثم وقع الانتقال تدريجبا من المرحلة التجريبية الى المرحلة الاقتصادية : فمنشآت تاشكنت تربط المواصلات فى جزء من الشبكة الجهوية لطاقة القوى المحركة . يمكن إذن ان نعتبر ان إدخال اساليب كبت الطاقة الشمسية - بجانب ما يوجد من موارد للطاقة التقليدية ، أى الفحم والنفط ، من شأنه ان يحيل الصحراء ميدانا كبير الاهمية من حيث الطاقة المحركة .

- وبقيت اخيرا افتراضات تقريبية فى وجود المستعدنات الذرية ومستعدنات الاورانيوم بالمناطق الصحراوية التى يرجع تاريخ تكوينها الى الحقب الجيولوجية الاولى .

إلا ان الطاقة ليست شيئا يذكر ، ولا شك ، ان لم يكن لدينا مواد اولية تعينا على استعمالها لانشاء معدات تفيد الانسان ، وتعين على تجهيز البلدان التى هى فى حاجة الى ان تنتقل من مرحلة النمو الضعيف الى مرحلة الازدهار الاقتصادى . وهنا نقول فى يقين ان الصحراء لها ايضا مكامن من المواد المعدنية الخام .

٢ - المواد المعدنية الخام

للصحراء ثروات من مستعدنات الحديد تختلف كمياتها حسب الجهات ، على حد معلوماتنا فى الظروف الراهنة ؛ الا ان الامل عظيم فى هذا المضمار : ذلك انه عندما وقع الشروع فى تخطيط جزء من قطعة الارض التى ستمد عليها السكة الحديدية الرابطة بين عالم البحر الابيض المتوسط ونيجيريا ، امكن التعرف فى هذه الجهة التى ركمت اراضيها على ما يقرب من عشرة مكامن صغيرة ، ما من شك فى انها قليلة الاهمية - لان التنقيب لم يتخط جانبى السكة - ولكنها مع ذلك تعد بضع مائة الف طن من المعدن...

اما اهم المكامن المعدنية المعروفة فهي : مكمن مقيس قرب تاووز ، وله احتياطي معدنى يقدر بما يقارب مليونى طن ، ومكمن جبل او قناط ، واحتياطية يتراوح بين الثلاثين والخمسة والثلاثين طنن ، وخصوصا مكمن عظيم بفرعة جبيلات ، على بعد مائة وعشرين كيلو مترا من جنوبى شرق تندوف ؟ وتقدر ثروته بما لا يقل عن ثلاثة مليارات طن من المعادن . غير ان المكمن الذي يستوجب عناية اكبر اقل اهمية من المكامن السابقة الذكر ، ولكنه يمتاز بسهولة المدخل ؛ وهو مكمن ادجل فور فورو (Idjill-Fort Gouraud) وقدرت ثرواته بما يناهز مائة مليون طن من المستعدن الذى يشبه مستعدنات " الدروع القديمة " ( المستعدن السويدى ) اذ نسبة المعدن الخالص فيه تتراوح بين ٦٥ و ٦٩ % ، وهكذا يكون فى درجة مستعدنات لا بونيا (La Laponie) .

ولقد وقع التعرف على النحاس ، الى حد الان ، بجهة بوعرفة وجهة أكجوجت بموريتانيا ؛ ويمكن تقدير الاحتياطى بما يتراوح بين الستمائة الف والثمانمائة ألف طن من المعدن الخالص الكامن فى المستعدن ؛ بيد ان الارقام هنا لا تفيدنا الا بصورة تقريبية نظرا لضعف عمليات التنقيب الناشىء عن شدة المصاعب الطبيعية ، اذ احوال المناخ سيئة هناك .

وعثر على الرصاص كذلك بمفيس ومسلولة ، واشير الى عدد من مكامن المنفنيز فى قطارة ، بجنوب كولمب بيشار . والبحث لا يزال متواصلا فى جبل هقار عن مكامن معدنية اخرى ، وخاصة عن معادن الامتزاج والمعادن النادرة .

٣ - تنظيم الاستثمار

أعظم حركة للتنقيب المنجمي " شركة الابحاث للتجهيز المنجمي والصناعى " ( س - ا - ب - ا - م - ى ) ؛ وهى شركة خاصة ، أو بصورة ادق هى مجموعة شركات خاصة ، ومجلسها الادارى يتركب من نواب عن " البيشيناى " (Pechiney) " ومقطع الجديد وجبل جريسة و " ديوان العتاد الكهربائي الثقيل " وفرقة الاشغال العمومية - روفينهورست وهمبار " (Humbert) " والحجرة النقابية لصناعة الحديد الفرنسية " ، و " بنورويا " (Pennoroya) " وبنك باريس وهولاندة " " والامنيوم الشمال افريقي " . وتليها شركة اخرى ، وهى " الجمعية الاورفريقية للمناجم والصناعة " فيها نواب عن بلاد كثيرة كألمانيا وبلجيكا ، وسويسرا ، وهولاندا ، وعناصر أخرى شتى ...

اما حديد موريتانا ، فقد عهد باقتلاعه لشركة " ميفيرما " (miferma : mines de fer de mauritanie ) والاسهم فيها توزع بين " الديوان المنجمي لفرنسا ما وراء البحار " وهو منظمة دولية و " مصانع الفولاذ بلنقفي " (Iongwy) و " شركة البحرية وهوميكور " (Home'court) و " مصاهر الحديد بيمبى (POMPEY) و " مصاهر الحديد بسولن " (Saulnes) وشركة " شاتيون وكمنتري " (CHATILLON ET COMMENTRY) وفرقة أوزينور (USINOR) و " مقطع الحديد " و " الشركة المنجمية بكوناكرى " (KONAKAY) وهذه الشركات لها من راس المال نسبة ٥١ % ؛ والبقية موزعة بين فوربيشر - ليد (Forbisher Led) و " الشركة البريطانية للحديد والفولاة ".

ونحاس موريتانيا ؛ نصفه راجع إلى الدولة الفرنسية ، والنصف الآخر الى بنورويا وبنك باريس وهولندا .

والنفط ؟ تستثمره شركات " قومية " كشركة " س - ن - ريبال " (S.N.Repal) أي ( الشركة القومية للنقيب عن النفط واستثماره بالجزائر ) ، و " الشركة الفرنسية لنفط الجزائر " ولها راس مال وقرتة لها " الشركة الفرنسية للنفط " وشركتان أخريان خاصتان : ( ك - و - ف - ى - ر - ا - ب ) و ( ف - ي - ن - ا - ر - ا - ب - ) و " شركة نفط الجزائر " ، وهى على نسبتها اللطيفة هذه ، لها رأس مال موزع بنسبة ٦٥ % على " رويال دوتش شال "

و ٢٤ % على " الادارة المستقلة للنفط " و ١١ % على " ديوان التنقيبات النفطية " وشركتى ( ف - ى - ن - ا - ر - ا - ب ) و ( ك - و - ف - ى - ر - ا - ب ).

اما " شركة التنقيبات عن نفط الصحراء واستثماره فقد عثرت ، في الاراضى المرخص لها البحث فيها ، على مكمن للغاز الطبيعى بعين صالح ، وممن نفط بادجل ؛ وراس مالها موزع بنسبة ٦٥ % على شركات فرنسية مختلفة ، وبنسبة ٣٥ % على شركة " رويال دوتش شال " .

تلك هى العناصر الاولى التى يتركب منها باطن الارض " الاورفريقية " بالصحراء

٤ - المشاكل -

ازاء هذه الحالة الواقعة ، كيف تبدو أهم المشاكل الفنية والاقتصادية والسياسية ؟ مما لا ريب فيه - بادىء بدء ، ان استغلال الثروات الصحراوية لا يمكن ان يتحقق بدون ان يطرا تغيير على الحالة الراهنة من حيث توزيع السكان بالنصف الشمالي من افريقيا .

يقطن بالصحراء ( فى معناها الجغرافى ) مليونان من السكان انشأوا لانفسهم اقتصادا كيفوه بنظام حياتهم - سواء اكانت حياة الواحات ام حياة المنتجعات ؟ الا انهم ليسوا قادرين على ان يكونوا هم انفسهم السواعد اللازمة لاستثمار الموارد الصحراوية المشكل الاول اذن يرتكز على النظر فى الاحوال التى بمقتضاها تمكن دعوة سكان المناطق المجاورة للصحراء قصد المشاركة فى احياء هذه الثروات .

المشكل الثاني : مشكل الماء . وهو متعلق بالميدان الفنى ؛ ان صح ان الصحراء منطقة لا تتمتع بأقل نصيب من الماء ، فقد اصبح من المتأكد على مستغلى الثروات الصناعية أن يجدوا حلا لمشكل الماء مهما صعبت الوسائل ، ولو بانشاء قنوات تجلب الماء من الجنوب الى الشمال . لقد قال قوم عن تحويل جزء من مياه نيجيريا عبر الصحراء لا يصال الماء الى شمال موريتانيا على الاقل ؛ وهذا رأي لا يخلو من وجاهة ولكنه بعيد عن التحقيق الآن . ويبدو انه توجد امور ممكنة ، سهلة التحقيق فى العاجل . نحن نعلم ان السماء قليلا ما تمطر فى مناطق الجنوب بالجزائر والمغرب وتونس . على ان هذه الجهات لا تخلو من امطار عارضة شديدة ينفذ اهم جزء منها - مثلما يقع ذلك فى جميع الجهات بالحدود القاحلة - الى اعماق تربة خوارة متحولة ، حتى يصل الى سمط المياه الساكنة تحت الارض ، المتفاوتة العمق ، والتي يمكن التفكير فى استعادتها والترود منها .

انما جوهر المشكلة فى التعرف من بين السمط التى اكتشفناها ، على المياه المعدنية ، اعنى المياه التى تجمعت فى بطن الارض خلال حقب حيولوجية طويلة

سبقت العصر الحديث ، وعلى مقدار المياه المتجدده كل عام ؛ وهذا القول يصح . كذلك فيما يتعلق بمنطقة هقار التى هى ايضا منطقة يكثر فيها التقطر . لا شك ان الاقبال على التزود من المياه المعدنية فى دون تامل يحل المشكلة العاجلة ، ولكن قد يفسد البرامج الاجلة . علينا اذن ان نتبين ما هو رأس مال لا يتجدد فلا نبذره ، مما هو مورد منظم التجديد سنة بعد سنة ، نرى الان ان المشكلة ذات صبغة فنية : بل لها صيغة مالية ايضا ، اد يجب تحقيق اعمال حسام كى تتسنى استعادة المياه الكامنة فى بطن الارض .

المشكل الثالث : مشكل المواصلات . ان مختلف مراكز الطاقة او المعادن بالصحراء تفصلها عن بعضها بعض ، مسافات طويلة احيانا ؛ وهذه المسافات تكتسي صبغة خاصة بسبب وجودها بجهة خالية ، اذ المساحة التى يجب اجتيازها والواقعة بين منطقتين لهما اهمية صناعية ، ارض مقفرة لا من السكان وحسب ، بل من كل أثر للتعامل والتجارة ايضا . فمقدار الاهتمام الذى نعيره لايجاد وسائل النقل يجب ان يكون مساويا لاهمية الموارد المستثمرة بكل جهة . ولا يكون هذا الاهتمام متساويا فى جميع الميادين اذا ما قدرناه حسب نقل المنتوجات الخام نحو مواني التصدير قصد توجيهها الى بلاد صناعية واقعة بقارة اخرى او بالعكس من ذلك ، اذا كانت المشكلة معتبرة مشكلة علاقات تربط مختلف المناطق لتنظيم حركة اقتصادية شمال افريقية فى اوسع معاني التجهيز للنصف الشمالي من قارة شمال افريقيا .

وتوجد مشكلة ، على علماء الاقتصاد الشبان ان يجابهوها فى نطاق الجغرافيا الاقتصادية للقارة الافريقية ، وهي مشكلة تنظيم المساحة الاقتصادية بضم الطاقة الموجودة فى الصحراء إلى جملة من الامور لا تزال البلاد فى حاجة اليها ، حتى ظلت الميزانية الاقتصادية بتونس والمغرب والجزائر فى عجز مستمر . الا ان هذا لا يعني إلغاء النظر فى إنشاء مناطق مترابطة متشابهة بالجهة التى يمكن ان نسميها : السفح الجنوبي للصحراء ، اعني التى لها اتصال بنيجيريا والسودان .

فافريقيا الشمالية ، - وبالناحية الاخرى من الصحراء - افريقيا السوداء ، في حاجة الى الموارد الصحراوية ، والي الطاقة الصحراوية ، وهما ، مع ذلك قادرتان على توفير اليد العاملة اللازمة لاستثمار هذه الموارد ، وهما قادرتان على انتاج محصولات هامة لاقتصادهما الخاص ولاستهلاكهما الخاص ومحصولات اخرى تبيعانها فى الاسواق الاقتصادية الخارجية . فكل بلد منظم الاقتصاد يسعى في بيع منتوجاته الوطنية المتقنة ، فيجني منها اكثر ربح ممكن ، كي يتمكن بما يجمعه من الزيادة فى القيمة من تحصيل رؤوس الاموال اللازمة لشراء آلات الاستثمار

وتجهيز البلاد . توجد اذن امكانيات لا يستخف بها لتطوير الاقتصاد ، امكانيات لا تناقض البتة - اذا نظرنا فيها نظرا موضوعيا ، ربط علاقات اقتصادية مع دول اجنبية لا شك اليوم ان الفكرة الامبريالية والفكرة " الاورفريقية " هما امران تجاوزتهما الاحداث على السواء . الا ان مشكلا اساسيا لا يزال يشغل بال جيل كامل : الا وهو مشكل الاعانة الفنية ومشكل التعاون الاقتصادى . ذلك ان برامج الاعانة الفنية والاقتصادية كثيرا ما تخفى - فى حيز التطبيق - نوايا الاستيلاء على الثروات ورغبة فى الظفر بالارباح - وهذا ما يزيد المشكلة ظلمة ! لاجرم ان الطريقة التى يستثمر بمقتضاها نفط الشرق الاوسط تؤيد هذا القول ، ولننظر فى الاشياء كما تبدو لنا اليوم ! فكبار الدول المنتجة لالات التجهيز وللفنيين ، عدا فرنسا وانقلترا او المانيا - وهي دول رأينا ان لها مطامع فى ثروات الصحراء - هي الولايات المتحدة التى ركزت بعد قدمها بالبلاد العربية ، وخاصة بالشرق الاوسط . ولنلاحظ ان المانيا من بين البلاد التى ذكرنا - لا تخلو من جسارة مدهشة ايضا ...

يمكن ان ننظر الى المشكلة من وجهين : الوجه الاول يتعلق باختيارنا بلدا من بين البلاد الامبريالية ) وهذا ما يسمى فى اللغة العادية " سياسة ابدال الدابة " والاحسن ان نقول " سياسة ابدال الفارس "

والوجه الثاني يتعلق بالبحث عن تحديد جملة من الاتفاقيات

على اسس المساواة بين طرفين متعاقدين : صاحب الثروة الخام ، ومستخرج تلك الثروة ان كان قادرا على الاتيان بوسائل الاستثمار . وهذا الوجه اقرب الى روح العدل والتعقل ، وهو الذي يكفل امكانيات اثبت

للنمو الاقتصادى والاجتماعي ، بعيدا عن كل خضوع وكل استيلاء على الثروات فالتاريخ وضع أسس الجدال وافسد حدوده ايضا . واذا صح ان رجل الامس شيد تاريخ الامس ، فرجل اليوم في امكانه ايضا ان يشيد تاريخ الغد .

اشترك في نشرتنا البريدية