الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 211 الرجوع إلى "الثقافة"

الصديق ابو بكر، و، عبقرية عمر

Share

نهضة مباركة أن يتجه كبار أدبائنا إلي عظماء الإسلام يحللون شخصياتهم ، ويجلون نواحي عظمتهم ، ويعرضون اعمالهم المجيدة عرضا جديدا جذابا يستهوي القارئ إلي مداومة القراءة ، ويبعث في نفسه رغبة التأسي ، ويشعره بان له من قومه من يفخر بعظمتهم ويعتز بالإنتساب إليهم . كذلك فعل الدكتور محمد حسين هيكل فيما كتبه من " حياة محمد " و في منزل الوحي " و الصديق إبى بكر " وكذلك فعل الأستاذ العقاد في كتابيه " عبقرية محمد " وعبقرية عمر

وكان جميلا منهما هذا التحول بعد أن كتب الأول في " جان جاك روسو " وما إليه ، وكتب الثاني في " جوته " وما إليه ؛ فالنفس اكثر ولوعا برجال قومها ومعرفة سر عظمتهم ومناحي عبقريتهم ، تشعر بأن الحديث عنهم حديث عنها ، والكلام في نبوغهم إعزاز لها وبعث لحياتها . والأمم في نهضتها أحوج ما تكون إلي عرض النماذج ، وتقديم المثل ولأن الأوروبيين قد وجدوا من علمائهم وادبهم من يشيد بعظمائهم ويستقصي نواحي مجدهم ، بل قد دعتهم العصبية احيانا ان يتزيدوا في نواحي هذه العظمة ، ويعملوا الخيال في تبرير العيب وتكميل النقص تحميدا للنفس ، وإثارة لطلب الكمال أما نحن فقد كان بيننا وبين عظمائنا سدود وحواجز حالت بين شبابنا وجمهورنا والاستفادة منهم ، ذلك ان مؤرخينا القدماء وأدباءنا الاسلاف ادوا ما يجب عليهم لزمانهم ، فعرضوا التاريخ عرضا يتفق وذوقهم واسلوبهم ، ولكل عصر اسلوبه وذوقه فلما وصلنا إلي عصرنا راينا ثروتهم التي خلفوها

لنا لا ينتفع بها إلا الخاصة ، ومن صبر طويلا علي ممارسة صعابها وحل مشكلاتها ، فكان لابد لنا من ادباء ومؤرخين ذوي عينين ، عين تدرك القديم وتفهم اسراره وخفاياه ، وعين تدرك روح العصر وحاجة أهله إلى تقديم هذه الثروة في اسلوب يتعشقه ، وعرض يستسيغه ، ولغة يفهمها ، وتحليل يتذوقه .

وهذا ما فعله أدباؤنا جزاهم الله خيرا

ولعل هذه الحركة تستمر وتستمر حتي لا يكون عظيم في الإسلام إلا وله كتاب أو كتب تحلل شخصه ، وتظهر مجده ، وتضيء حياته ، وتصدر حكمها فيما له وعليه .

من أجل هذا نستقبل هذين الكتابين بالسرور والإعجاب لتحقيقهما هذه الفكرة من جهة ، ولقيمتهما التاريخية والأدبية من جهة أخري .

كلا المؤلفين أديب وسياسي وصحفى ، وبهذه الصفات الثلاث تتجلي مظاهر الكتابين ، فثقافتهما السياسية . وممارستها للسياسة عملا جعلهما يدركان إدراكا صحيحا مواقف من يترجمان له في حروبه ومناوراته السياسية وتحليل موقفه ، ووجهة نظره ، والتعرض لوجهة نظر خصومه ، والوقوف موقف الحكم بينهما ، ومناقشة المسألة مناقشة برلمانية ؛ ومرائهما الصحفي جعل اسلوبهما يجري في تدفق ، وقلمهما يسير في يسر ، وهما يبسطان المسألة بسطا سهلا جذابا يلذ القاري وينسيه نفسه ؛ وأدبهم جعلهما يكملان من خيالهما ما اغفله التاريخ ، ويدركان تمام الإدراك نقص حلقات السلسلة ، فيسمحان لأنفسهم  بخلقها مستأنسين بمنطق الحوادث ، وشيء آخر هام في عملهما الأدبى وهو مهارتهما في تحويل التاريخ إلي شبه قصص له لدنه ومتعته وسحره .

في كل هذا يتفق المؤلفان ، وربما اختلفا بعد في طرق معالحة ما يعرضان له ؛ فالدكتور هيكل تتلون طريقته في كثير من الأحيان بلون المؤرخ ، فيعرض للروايات المختلفة في الموضوع ، وما حكاه المؤرخون من الأنظار المختلفة ،

كما فعل في بيعة علي لأبي بكر ، وكما فعل في حروب الردة ، ويدعوه ذلك إلي الإسهاب في بعض التفاصيل ؛ أما الاستاذ العقاد فينحو غير هذا النحو ، بدرس الروايات المختلفة في السر ، ويدرسها لنفسه لا للقارئ ، ويطمئن في نفسه إلي رأي ، ثم يستعمل قلمه في هذا الرأي بعرضه وتحليله ويحتج له ، ولا يشرك القارئ معه في دراسته ، ولا في استعراض التفاصيل ، شأنه شأن الاديب ، ينظر إلي المنظر من طيارة ويصوره ايضا من طيارة ؛ والدكتور هيكل نظر إليه من أرضه في أرضه فيلمه ويجسه ، ويدور حوله وينفذ فيه ليراه في أوضاعه المختلفة

إن أخذ شيء على الدكتور هيكل في هذا الباب فهو أنه أحيانا يستعرض الروايات المختلفة ، ثم لا يناقشها ليظهر ضعف بعض وصحة بعض حسبما تدل عليه البيئات وظروف الأحوال ، كما فعل عند الكلام في بيعة على لابي بكر ، عرض الأقوال المختلفة ولم يبد فيها رايا ، وكان يستحسن أن يكون ، وعرض بعض الروايات في حروب الردة ، ثم قال : " وسواء صح هذا او لم يصح " إلي مثل ذلك . والحق أنه أحيانا أخري يقف موقف القاضي فيناقشن ويرجح ويحكم . وإن أخذ على طريقة الاستاد العقاد شئ فهو أنه يفرض رأيه علي القارئ لأنه لم يعرض غيره ، ولأنه درس المقدمات لنفسه وفي نفسه ولم يعرض على القارئ : إلا نتائجه .

لون ( هيكل ) كتابته بلون العلم فهو يصف الشجرة جذورها وساقها واغصانها وزهرتها ؛ وصبغ العقاد كتابه بصبغة الفنان لا يري من شجرة الورد الجميلة إلا وردتها الجميلة ولهذا ذكر ( هيكل) مراجعه لأن هذا عمل المؤرخ ، ولم يثبتها العقاد لأنه عمل الأديب .

فهيكل يساير أبا بكر من ابويه وصباه وإسلامه ، ويتتبع حياته خطوة خطوة في بيعته ، واعماله في خلافته عملا عملا إلي مرضه ووفاته .

والعقاد يري في " عمر " أعلاما بارزة يتخيرها ويركز عليها كلامه ، ويطلق فيها قلمه ، ويعقلها ويجذبها ، ولا يتركها حتى يصفي حسابه معها ، فلا تهمه تفاصيل فتوح عمر ، ولكن يهمة نظرة عامة في عمر والدولة الإسلامية ، وهكذا . ولكل شيخ طريقته ، ولكل طريقة مزاياها

قد يكون في كل من الكتابين هفوات قليلة جري بها القلم سهوا ؛ ففي كتاب الصديق أبي بكر مثلا ص ١٩ " ان زيد بن ثابت مولى رسول الله الذي اشترته خديجة " وهو سهو ظاهر ، فزيد بن ثابت انصاري خزجي لم يجر عليه رق ، كتب الوحي لرسول الله ، ومولى رسول الله هو زيد بن حارثة الذي كان يدعي زيد بن محمد حتي نزلت آية " ادعوهم لآبائهم .

وفي كتاب " عبقرية عمر " ص ٣١٩ أن الأنصار يقولون إنهم احق بالخلافة من المهاجرين لانهم كثرة . ولأنهم جميعا من قريش ، والانصار أوس وخرزج ، وكلاهما من أصل يمنى وليسوا قرشين ولا مضربين ( ٦) ، وهي فلتات بعثرة القلم أشبه .

بقيت مسألة هامة كثيرا ما اختلفت وجهة نظر الكتاب فيها ، وهي ان العظيم مهما عظم له خطات ، وإلا ما كان إنسانا ، والعصمة لله وحده فهل واجب المترجم له أن يعرض لكل ذلك في تفصيل ، فيذكر كل ماله ويشيد بذكره ، ويذكر خطأته وينقدها ، ويعلم بذلك درسا في نواحي مجده ، ودرسا آخر في مواضع خطئه ) أو واجبته فقط تجلية نواحي العظمة ، والتأويل والدفاع الدائم عن نواحي الخطأ ؟ أنا أري أن الرأي الأول أوجب ، متأسيا بأبي بكر وعمر أنفسهما ، والمؤلفان الفاضلان إلي الرأي الثاني أميل

وعلى الجملة ، فالكتابان يعدان بابا طريفا في الأدب العربي ، نرجو ان يظل مفتوحا للمؤلفين ، ولمن يسير علي نهجهما ، حتى ينال كل عظيم في الإسلام حظه ويعرف قومه مجده .

اشترك في نشرتنا البريدية