الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 196 الرجوع إلى "الثقافة"

الصديق المعلق

Share

كان لي زميل في أيام الدراسة له ولع عجيب ) بالتعليق على كل ما يمر تحت نظره من الأمور ، وليس بدعا ان يكون للإنسان رأي في كل ما يسمع وما يري . ولكن صاحبنا هذا يمتاز من كل من عداه بأنه لا يتحفظ ولا يتحرج في إبداء آرائه ، فهو يقذف بها كيفما اتفق . لا يهمه في ذلك اين تقع ، ولا من تصيب .

أذكر أني في تلك الأيام كنت أميل إلي التصوير وكنت أقضي كل أوقات فراغي في الرسم والتلوين فاجتمع لي من ذلك آخر الأمر عدة لوحات جمعتها في مجموعة واحدة كانت موضع اغتزازي وعنايتي . وترامى حديث هذه المجموعة إلي سمع صديقي هذا ، فبعث إلي يوما في طلبها " ليمتع بها انظاره كما كتب لي في رسالته التي حملها إلي خادمه ، فأخذتها في زهو ظاهر وسلمتها إلي الخادم وأوصيته أن يردها إلي عقب فراغ سيده من " إمتاع انظاره بها " - وعلمته كيف يرفعها وكيف يضعها ، وحذرته حتى من الذباب أن يقف فوقها ، ثم شيعته وانا أجد في تكرار وصاياي عليه حتى غاب عن ناظري . ولبثت بعد ذلك انتظر عودة هذه المجموعة في قلق ظاهر ، ولكن انتظاري لم يطل . فقد جاءني الخادم وهو يحتضن الصور على الطريقة التي لقنته إياها فاطمأن قلبي ، وتلقنتها من يديه كما تسترد الأم وليدها من يد الضيف الذي حمله ليقبله ، وبي مثل ما يخامر الأم في أمثال هذه المواقف من الزهو والمباهاة

وانصرف الخادم ، وبدا لي أن استعرض لوحاتي مرة اخري غير الألف مرة التي سبق لي ان استعرضتها فيها ، فما كدت أكشف عن اللوحة الأولى حتى برد الدم في عروقي ، وأحسست بصفير مخنوق ينبعث من أذني ؟ ذلك بأني رأيت في صدر الصورة سطرا طويلا كتبه بالحبر

هذا الصديق " اللدود ( ! يقول لي فيه :

) أحسنت يا صديقي الكريم ، وإني معجب بحذقك ومبشرك بمستقبل باهر ( .

وكانت هذه الصورة لمنظر من مناظر الريف ، تشرف فوقه سماء جميلة زينتها بعض السحب الخفيفة البيضاء ؛ فلوثت كلمات هذا التقريظ اللعين سمائي ، واخترقت حروفها سحبي ، ووقعت إمضاء الصديق تحت سرب من الطيور كان في جانب الصورة فشوهها ، إذ لم يكن يدور في خلدي ان ارسم هذه الطيور وهي تزرق ولكن هكذا أرادها هذا الصديق الكريم - لا غفر الله له -

وأسرعت إلي بقية الصور أتفقدها ، فإذا ) الخاسر ( قد طرزها كلها بتعليقاته الثرثارة ، بعد أن اختار لكلا تعليق أبرز مكان من الصورة فأفسدها من حيث يدري ولا يدري . .

وشاء الله ان تكون هذه الفعلة آخر عهدي بالتصوير فإني لم أمسك ) الفرشة ( بعد ذلك اليوم قط ، وكان كل عزائي اني خيبت آمال هذا الصديق في ذلك " المستقبل الباهر الذي بعث يبشرني علي صفحات لوحاتي !

وانقضت على ذلك سنون ، خرجنا فيها من مدارسنا وانتظمنا في سلك الحياة ، ثم شاء الحظ أن يجمع بيني وبين هذا الصديق مرة اخري ؛ فإذا شهوة التعليق قد استفحلت معه ، وانتقلت أداتها من يده إلي لسانه . فهو لا يري إنسانا في الطريق إلا وله ملحوظة عليه ، فهذا السيد يشبه ) أم قويق ( ، وهذه السيدة تشبه ) أبو قردان ( ، وهكذا ، فهو يدخل فيما يعنيه وفيما لا يعنيه ؛ بل هو إلي دخول هذا الباب الأخير أدنى وأميل

وأذكر انه صادقني في الشهر الماضي في قطار المترو " ، فجلس إلي جانبي ، ومر بنا القطار في طريقه إلى مصر الجديدة بميدان باب الحديد ، فتكاثر الباعة حولنا على

عادتهم في هذا المكان ، وهم أخلاط عجيبة حقا ، فمن بائع الورد إلي بائع ) رباط الحذاء ( ومن بائع ) الشكولاته ( إلي بائع ) نظارات الشمس والهواء ( ، ولست أحصصيهم إن حاولت عدهم ، ولكنهم طوائف أشتاتا والسلام . وزاد عليهم في ذلك اليوم المشهود أن كان بينهم بائع يحمل فوق رأسه شمامة كبيرة ، ويحمل فوق كفيه شمامتين أخريين ، ثم هو يشد على وسطه حزاما عريضا ليتخذ منه قاعدة تصلح لحمل ) أزرار ( اخري أودعها بين جسمه وجلبابه . ولم تمنع هذه الحمولة الثقيلة صاحبها من أن ينافس غيره من خفاف الباعة في التهافت على نوافذ القطار وأبوابه ، والتعرض لكل صاعد ونازل يعرض عليه بضاعته ، ويغريه بحملها عنه . وكان ذلك مجالا أي مجال تحركت فيه نزوة صديقي إلي التعليق ، فأطلق نفسه علي سجيتها ، وراح يعرض بسخافة هذا البائع الذي خيل له وهمه أن رجلا عاقلا يقبل على نفسه أن يشتري شمامة لا تزن أقل من عشرة أرطال ليحملها في هذا الحر المضني من مدينة إلي مدينة أخرى ، مع أن عشرات الباعة لا يفتأون يطرقون على السكان أبوابهم في " مصر الجديدة " ليعرضوا عليهم شمامهم وقثاءهم وبطيخهم أيضا

وكان الهدف صالحا للتعليق الطويل ، فلم يقنع صاحبنا بهذه الملاحظة العابرة ، ولكنه أخذ بيدي فيها ويعيد ، ثم استرسل من التعريض بالباعة إلي التعريض بالمشترين قائلا : ومن العجيب انك تجد من الناس من يشجع مثل هذا البائع السخيف على الاستمرار في حماقته بأن يشتري منه ، كأنما هو مقبل على صحراء جرداء لا علي مدينة عامرة زاخرة . وظل يجتر إلي جانبي هذا المعنى طول الطريق حتى دخلنا ضاحيتنا

وكان يجلس تجاهنا في القطار رجل وقور ، لاحظت عليه التبرم بكلام صديقي . وقد حاولت مرارا ان أسر إلى صديقي بملاحظتي هذه ، ولكن ثرثرته لم تهيء لي فرصة

الكلام ، كما أن عين جارنا الوقور كانت ترمقنا من حين إلي حين ، فلم أشأ أن أظهره علي ما يجول في نفسي ، وهكذا قضيت الطريق كله وأنا في ضيق من هذا المأزق الذي جلست فيه بين جاري وصدي . . وأخيرا انتهت رحلة الصحراء ووقف بنا القطار في محطته الأولى ، وتهيأ جارنا للنزول ، فتنفست الصعداء ، وحمدت الله علي قرب الخلاص من هذا الحرج الذي ظللت أكابده ما بين " ميدان باب الحديد " و " محطة روكسي " . ولكن ما راعني وأنا أرقب حركات جاري وهو يهم بالقيام إلا أن آراه ينحي فوق المقعد الذي كان يجلس فيه ويسحب من تحته بطيخة هائلة من النوع المعروف * بالنمس قدرت طولها في نفس إذ ذاك بأنها لا تقل عن ٧٥ ستتيمترا ، فكأنما خرج علي أنا وصديقي من تحت ذلك المقعد عفريت من الجن شخصت له أبصارنا وأذهلنا عما كنا فيه من الحديث ؛ فأدركت سر تململ جارنا وقلقه من حديث صديقي ، ولست أحاول أن أصف ما استولي علي في تلك اللحظة من الارتباك ولكنى اكتفى بأن اقول إن صديقي نفسه بهت لهول المفاجأة ، وظل شاخص البصر مفتوح الفم حتي تواري " النمس وصاحبه ، وبلعتهما زحمة الطريق . .

زارني هذا الصديق منذ أيام ، فوجد على مكتبي كتاب " بيجماليون " الذي اخرجه أخيرالاستاذ توفيق الحكيم ، فرأي أن يستعيره مني ، فلم اضمن به عليه . ونسيت آني كنت آليت لا أعطي هذا الرجل شيئا من عندي ابدا بعد الذي صنعه في صوري ، ولم اذكر ذلك إلا عند ما رد إلي كتابي ، فإذا بهوامشه تحمل عشرات وعشرات من تعليقاته المعهودة . ولما كان بعض هذه التعليقات مما يستحق النظر ، فإني أستأذن صديقنا الأستاذ الحكيم في الإشارة إلي بعضها في الكلمة الآتية إن شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية