الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 630الرجوع إلى "الثقافة"

الصراط المستقيم, الصراط المستقيم

Share

"اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ، ولا الضالين (من سورة الفاتحة)

لقد آن للإنسانية أن تغير الطريق الخاطئ الذي سارت فيه منذ خلقها الله حتى اليوم ، وتتخذ طريقا آخر غيره .

إن التناحر على كنوز الوجود الخارج عن الإنسان . وإضاعة الأعمار سدي في هذا التناحر هو الطريق الذي سار فيه الناس إلا قليلا منذ كان آدم حتى اليوم ؛ فما ظهرت الإنسانية بمغنم من المغانم إلا بعد أن ضيعت من قواها وفضائلها ثمنا لهذا المغنم الناقه ما يكافئه ألف ألف مرة .

وذلك هو السفه في شر صوره ، والإجرام في شر صوره .

وكأين من دماء سفكنا ، وأرواح أزهقنا ، وصلات فرقنا ، وأحقاد غرسنا ، وآلام حملنا ونحملنا ، من أجل مغنم يسير غنمناه وفلما انتفعنا به . ولو راجعنا أنفسنا متدبرين . وقدرنا ما غنمنا حق قدره - لما وجدناه  حقيقا بقطرة عرق واحدة يرشح بها الجسم في الكد من أجله .

قيمة كل امرئ ما يملك ولا يملك المرء إلا نفسه ، ولا غنى له إلا بما تعي نفسه .

إنما أفقر العقراء امرؤ خسر نفسه . ولو ملك السموات والأرض .

وأغني الأغنياء إنسان كانت له نفس عظيمة فكسها ، ولو صفرت يداء مما يسد جوعته .

لقد آن الأوان للتبشير بدين جديد ، والسير في طريق جديد .

ان ان يبشر بين القطعان البشرية الضائعة المندفعة في طريقها الخاطئ بأن الدين الصحيح هو أن يؤمن كل إنسان بذاته ، وأن الطريق الصحيح هو أن يعمل كل إنسان على تحقيق ذاته .

فإن بواعث الإيمان إذا جاشت في نفس الإنسان جاشت معها كل بواعث الشعور وبواعث الفكر وبواعث الحركة وسائر بواعث الحياة . وأحس الإنسان بالصلات التى تربطه بأسرته وقومه وبني جنسه السابقين واللاحقين من البشر ، وبما حوله من عوالم ، وبما وراء هذه العوالم من أسرار خفية سرمدية

ومن احس بهذه الصلات عن طريق الإيمان أحس بكل حقوقه عليها . وكل واجباتها عليه ، بل احس بأن كل واجب حقا ، وكل حق واجب ، لأن مصدر الحقوق والواجبات نفسه هو لا شئ خارج عنه ، فإذا أدى واجبا لم يحس فيه بمعنى التسخير والإكراه ، بل أحس فيه لذة اللعب ومتعة الرياضة الفضائله

فالطريق الصحيح هو أن يعمل الإنسان على تحقيق ذاته .

والطريق الصحيح هو " الأنانية الكاملة " .

والأفة كل الآفة أننا لسنا " أنانيين" والدواء أنجع الدواء ان نكون مسرفين كل الإسراف في " الأنانية " .

الإنسان فرد في أسرة ، والأسرة وحدة في المجتمع البشري ماضيه ومستقبله . والصلات بيننا وبين هذا الكوكب الذي نعيش عليه صلات قائمة وثيقة ، لا سبيل إلى انكارها ، ولا مهرب منها حتى بالموت ، والصلات بين هذا الكوكب والمجموعة الشمسية قائمة وثيقة لو ضعفت قليلا لتمزق كوكبنا شر ممزق ، والكون كله منظمة واحدة ، يرتبط فيها كل كوكب بكل كوكب ، ومن وراء ذلك كله القوي القاهرة المهيمنة على هذه المنظمة من الأزل إلى الأبد .

وما في الوجود ظاهره وخافية قوة إلا في الإنسان ملكا

معدة لاستجابة آثارها استجابة قوية أو ضعيفة على قدر احتمال الإنسان وطاقته وحاجته ، من حيث هو كائن قائم بذاته . ومن حيث هو كائن على صلات وثيقة بغيره من الكائنات في هذا الوجود " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " .

فخطأ من الوجهة النظرية أن يحصر الإنسان همومه في ذاته مبتورا عن كل من حوله وما حوله ، لانه من حيث الواقع غير مبتور عن غيره من الكائنات ، وهو لو أراد أن يتر نفسه منها لاستحال عليه ذلك ، وكما قال المعري:

وَهَل يَأبَقُ الإِنسانُ مِن مُلكِ رَبِّهِ          فَيَخرُجَ مِن أَرضٍ لَهُ وَسَماءِ

ولو استطاع ذلك الحال لخسر نفسه حين يخسره الكون ، إذ أن قوامه متوقف على مكانه من هذا الكون .

فالأنانية التي تحصر همومها في ذاتها وتغلق ما بينها وبين غيرها أنانية بتراء عقيمة ، وموقفها من الوجهة النظرية خطأ ، لأنها تنكر أمورا واقعة لا فكاك لها منها يحال من الأحوال حتى من حيث التوهم بله الأمر الواقع

وهذا الخطأ من الوجهة النظرية تقابله الخطيئة من الوجهة الخلفية ؛ فالأنانية التي تتصرف حبال الكون كأنه شئ خارج عنها معاد لها ، ولا تحس مجوء بالألفة والولاء ، ولا تري له واجبا عليها يقابل حقها عليه ، ولا صلة لها به إلا باحتجانه وضمه إليها وإدخاله فيها وتسخيره لمصلحتها ، وهي محتجرة عنه - هذه الأنانية أنانية بتراء عقيمة ، وهي تجني بهذا الانطواء ، على نفسها قبل أن تجنني على غيرها ، لأن قوتها على هذا النحو ضئيلة إلى جانب قوي الكون ، وتصرفاتها مخالفة لنواميس الكون ، وهي خليفة أن تتحطم عند أول صدام حقيقي بينها وبين غيرها

وهي مهما تبلغ من القوة لن تستطيع احتجان الكون وإدخاله في فلكها ، وتسخيره لمصلحتها وحدها في انطوائها على ذاتها . وهي بذلك تخسر نفسها ، ويخسرها الكون ، فتصرفها على هذا النحو ضرب من الانتحار من ناحية وعدوان على غيرها من ناحية اخرى .

هذه الأنانية البتراء إذا خطأ من الوجهة النظرية خطيئة من الوجهة الخلقية ، وهي فوق ذلك أنانية ناقصة نافهة عقيمة ، لأنها معطلة الإدراك للواقع ومعطلة الإحساس بالواجب ، فلا خير فيها لنفسها ، ولا خير فيها لغيرها .

والآنانية التي تقصدها وتدعو إليها هي الأنانية الكاملة المدركة للواقع ، الشاعرة بالواجب .

وما دام الإنسان كائنا بين كائنات متصلة به أوثق الاتصال ، ولا كبنونة له ولا تحقيق لذاته إلا بالصلات الوثيقة التي تربطه بغيره من الكائنات . فكل تفكير من أجله يهمل فيه حساب هذه الصلات ، بعد خطأ من الوجهة النظرية ، وبعد خطيئة من الوجهة الخلقية

والأنانية الكاملة وهي تعي نفسها تدرك هذه الصلات بينها وبين غيرها من الكائنات ونشعر بكل واجباتها ، ولا يتحقق وعيها ذاتها منفصلا عن هذا الإدراك وهذا الشعور ، فلا تحس بغيرها كأنه منفصل عنها ، فتعمل على التسلط عليه وتسخيره ، بل تحمي به على أنها عضو في بنيته الحية ، وأن مصلحتها مرتبطة بمصلحته ، وأن كل أذى يصيبه بصبها معه ، ومن ثم تشعر له بالألفة والأنس والولاء ، وتعاشره معاشرة الآباء والإخوة والأزواج ، وتمنحه حبها وتبذل له قراها في فرح وأريحية ، وإذا أسفت فلن تأسف إلا علي أنها لم تعط مزيدا من الحب والقوة تبذله له كما يقتضيها الواجب الذي تشعر به أقوى الشعور .

وهذان النوعان من الأنانية لا يتفقان إلا في الاسم، وهما بعد ذلك تقبضان يختلفان كل الاختلاف .

وَقَد يَتَقارَبُ الوَصفانِ جِدّاً           وَمَوصوفاهُما مُتَباعِدانِ

والأنانية الكاملة لا تتحقق إلا عن طريق الإيمان بالذات ، ولن نجبش كل البواعث الحيوية التي طمرها الله في السرائر الإنسانية حتى تستحيثها بواعث الإيمان . ولن تستجيش بواعث الإيمان إلا عقيدة ذات تكاليف تزلزل السريرة زلزالها ، فتخرج أثقالها ، وتحدث أخبارها ، ويومئذ تؤمن بنفسها وتؤمن خلال هذا الإيمان بالوجود كله عن وعي أو عن غير وعي ، لأنها من الوجود ، بل هي الوجود . ويومئذ لا يكون همها إلا أن تعد ذاتها ، فتستصغر كل كنوز الأرض والسماء، وترتفع ان تشغلها عن عبادتها ذاتها أى متعة أخري من متع الحياة إلا ما به قوام بدنها في أضيق الحدود وعلى أبسط صورة .

في القرآن الكريم : " والعصر ، إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق . وتواصوا بالصبر " .

(البقية على صفحة ٢٠)

بقية المنشور على صفحة ١٥

"ونفس وما سواها ، فالهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها" .

"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت  لغد، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون; ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الفاسقون . لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة ، أصحاب الجنة هم الفائزون"

وشر الكفر هو خسران النفس كما أشار القرآن في آية أخرى ، ولولا ذلك لم يكن في الكفر شر .

كما أن عقوبة نسيان الله نسيان النفس كما أشار القرآن هنا ، وليس وراء ذلك عقوبة .

إن الأنانية الكاملة هي ترياق هذه الشرور التى تضج منها الإنسانية ، وتكاد تمسخ معناها مسخا .

والأنانيات الكاملة تختلف في مناياها ونزعاتها كل لاختلاف ، ولكنها لا تختلف على كنوز الدنيا أيما اختلاف .

وهي مع اختلافها في مهاياها ونزعاتها يحكم قطرتها السليمة تتكامل وتتجه نحو هدف واحد ، وتعمل في طريق واحد كما تؤدي الانغام الموسيقية المختلفة الصادرة من آلات مختلفة بأيدي عازفين مختلفين لحنا موسيقيا واحدا .

فالخلاف هنا كالخلاف هناك أمر لازم مستحب ، لأن نقصان نعمه واحدة محل بأداء اللحن ، منفر للأسماع ، ونقصان أنانية كاملة واحدة حد للامتياز الإنساني عن النمو والتحرر والتنوع ، لأنه ما دام ناميا متحررا فهو على حسب ناموسه الفطري لا بد أن يتنوع ، فالتنوع أو التنبؤ نتيجة لازمة للنمو والتحرر .

والأنانية الكاملة مشغولة بعبادة نفسها واستخراج كنوزها وتقديمها منحة للوجود عن كل ما هو خارج عنها أو هي ذاهلة بتحقيق ذاتها عما عداها ، ولا يعنيها أن تأخذ بل أن تعطى ، لأنها غنية بنفسها لا فقيرة ، ولذة الغني أن يعطي ، وحاجة الفقير أن يأخذ ، وهي لإحساسها بغناها وإحساسها بواجبها معا في وقت واحد تعطى مكرهة كمختاره أو مختارة كمكرهة ، لأن تحقيق الذات لا يتم إلا بالإعطاء إنما الغني غني النفس ، ولا غني للنفس إلا بمواهبها العاملة .

وإنما الفقر فقر النفس ، ولا فقر لنفس إلا بخلائها من المواهب الذاتية ، أو بتعطلها عن العمل .

ولا تتحقق الذات إلا بأمرين : أحدهما إيمان تطمئن به إلى مكانها في الوجود ، ويشعرها بالصلات الوثيقة التى تربطها به لتأنس إليه ، وتشعر فيه بالالفة والولاء له ، وفي ذلك اشعار لها بواجباتها نحو نفسها ونحو الوجود ، وابتعاث لها على القيام بواجباتها نحو نفسها ونحوه . وكبح لها عن عمل ما يتنافي مع هذا الولاء الواجب الذي نشعر " فائضا من داخلها وليس مفروضا عليها من خارجها . ولا فائدة لكسب إنساني صحيح أو زائف إلا إشعار صاحبه بالثقة بنفسه ، سواء أملك علما أم ادبا أم جاها أم مالا أم أولادا أم نحو ذلك:

وثانيهما عمل مناسب لمواهبها تتمرس بتجاريه حتى تنضج وتستوي  وتمتد غاية وسعها امتدادا صحيحا . لأن النمرس بالتجارب ومزاولة الأعمال سبيل لا مفر منه لتفتح الواهب وتوطيدها ومعرفة نوعها واتجاهها وتمييز ما يصلح لها وما لا يصلح من الأعمال ، والوقوف على ما يجدر به وما لا يجدر من أوجه النشاط .

ركنا الحياة الصحيحة إذا هما هذان الأمران : الإيمان والعمل الصالح .

فإذا فقدت الحياة أحد هذين الركنين كانت حياة مختلفة،  وإذا فقدتهما فقدت كل قيمتها وأثرها .

وأما حياة إنسانية اجتمع لها هذان الركنان فهي حياة طيبة ايا كان دينها ومذهبها وعملها ونزعتها . في القرآن الكريم "  إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى  والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ، فلهم  اجرهم عند ربهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة ٦٢)

"والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، لهم فيها أزواج مطهرة ، وندخلهم ظلا ظليلا (النساء ٥٧)

" الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبي لهم وحسن مآب " (الرعد ٢٩)

"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً  طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل ٩٧)

" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ، خالدين فيها لا يبغون عنها حولا " (الكهف ١٠٧-١٠٨)

"إن الذين امنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا" (مريم ٩٦)

"فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ  لِسَعْيِهِ ، وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ" (الأنبياء ٩٤ )

" ليجزي الذين امنوا وعملوا الصالحات من فضله ، إنه لا يحب الكافرين " (الروم ٤٥)

إن الذين امنوا وعملوا الصالحات، أولئك هم خير البرية (البينة٧)

" ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ، فلا يخاف  ظلما ولا هضما " (طه ١١٢)

ولا امتياز للإنسان على غيره من الكائنات بالعقل تجرد التعقل ، بل باستعداده لهذه الحياة الطبية التى يتوافر لها هذان الركنان الإيمان والعمل الصالح ، وما كلفه الله هذه الحياة إلا وقد هيأ له بواعثها وعدتها، وهذا ما لم يمنحه كائن إلا الإنسان .

" إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها الإنسان ، إنه كان ظلوما جهولا"

إن المنعم الحق هو الذي يكشف لنا مكامن الثروة في نفوسنا .

وإن الهادي الحق هو الذي يثير قوي الهداية فينا .

وما كان عمل للمصلحين أكرم من كشف الثروة النفسية ، وإدارة قوي الهداية في السريرة عن طريق الإيمان والعمل الصالح .

وعن هذا الطريق تكمل الأنانية ، والانانية الكاملة للمتها فيما تعطى عن حب وفرح ، وهي لا ترجو نوايا ولا تخاف عقابا، لأن جنتها منطوية في ذاتها ، ونارها في الفسوق عن ذاتها ، وليس لها وراء ذلك جنة ترغب ولا نار ترهب .

وتلك ذروة الأنانية ، وسبيلها هو الصراط المستقيم .

اشترك في نشرتنا البريدية