لا شك فى أن الطيارة عامل على جانب عظيم من الأهمية فى تقرير مصير الحرب ، ومن ثم كانت جديرة بكل عناية ودرس . والطيارات الحربية على أنواع مختلفة ، ولكل نوع منها خصائصه .
فهناك أولا قاذفات القنابل التى عليها تقع مهمة تحطيم قوى العدو ، سواء فى الميدان أو فى القواعد البرية أو البحرية ؛ فهى تنقض على الجيوش فتوقع فى صفوفها الذعر والخلل ، وتقصد إلى مواضع الذخيرة فتصوب
قنابلها نحوها لتنسفها نسفا ؛ ثم تراها تغير على بلاد العدو فتتلمس مصانعه الكبرى للذخائر وغيرها من أدوات الحرب ، ومرا كزه الصناعية المهمة الأخرى ، فتنقض عليها محاولة هدمها وتخريبها ، أو على الأقل تعطيلها وجعلها غير صالحة للمضى فى تأدية وظيفتها .
وكذلك تقوم أنواع من قاذفات القنابل بالبحث عن فريستها فى البحار على صورة بارجة حربية أو باخرة ضخمة ، تحمل المؤن والذخائر ، أو تنقل الجنود والمهمات ،
فتصوب الطوربيد نحوها لتغرقها فى اليم وتلحق بالعدو خسارة فادحة (١) .
وهناك ثانيا الطيارات المحاربة أو المقاتلة أو المطاردة ، وهى التى عليها يقع عبء التصدى لقاذفات القنابل التى يرسلها العدو ، فتحول دون تمكنها من مهاجمة أهدافها ، كما أنها تقوم بحماية قاذفات القنابل التابعة لبلادها من كل اعتداء يقوم به العدو ، ولا سيما من مثيلاتها طائرات المحاربة أو المطاردة التى يرسلها العدو للفتك بقاذفات القنابل المغيرة على بلاده .
فهذا النوع إذا يقوم بحماية قاذفات القنابل وتمهيد الطريق أمامها لتتمكن من تحقيق أغراضها ؛ وذلك بالحيلولة بينها وبين ما يرسله إليها العدو من طائرات تطاردها ، كما أنها تنبرى كما قدمنا لقاذفات القنابل المغيرة على بلادها فتصدها عما تريد أن توقعه بها من تحطيم وتدمير وتخريب .
وهناك ثالثا طيارات الاستكشاف ، وعليها يقع العبء الأ كبر فى إرشاد النوعين السابقين ؛ فهى تقوم بتعيين مواقع العدو ، وأخذ صور فتغرافية تكشف عن تلك المواقع بالدقة ، كما أنها تكشف كذلك عن حركات العدو وخططه الحربية ، وأمكنة حشد جنوده ، وتوزيع طائراته ، وتخزين مؤنه ووقوده وذخائره ، وتمد القيادة العليا بجميع هذه البيانات وأمثالها ، لتبنى القرارات التى تتخذها هذه القيادة بشأن الخطط الحربية على أسس صحيحة ولأغراض معينة ؛ فكأن هذا النوع من الطيارات بمثابة عين تخترق الحجب وتبصر ما أخفاه العدو ، وتعود فتقص أخبار مشاهدتها على رؤسائها ، وتمد أركان الحرب بتلك المعلومات القيمة التى جمعتها .
ولكل نوع من هذه الطيارات خصائص يمتاز بها تتفق مع الأغراض التى وضعت من أجلها ، وإن كان على
كل منها أن يقوم أيضا إذا اضطرته الظروف بما هو من صميم عمل نوع آخر غير نوعه ؛ فقاذفة القنابل مثلا قد تضطر أحيانا إلى المحاربة دفاعا عن نفسها ، كما أنه قد يعهد أحيانا إلى الطائرة المحاربة أو طائرة الاستكشاف بإلقاء بعض القنابل إذا دعت الحال . * * *
والصراع الهائل القائم الآن فى ميادين القتال يتوقف النجاح فيه على تفوق طيارات فريق على نظيراتها من طيارات الفريق الآخر ؛ وهذا التفوق يتوقف على تصميم الطيارة ، وما يؤهلها له هذا التصميم من القيام بجليل الأعمال ؛ وذلك من صميم عمل المصانع التى تقوم بإنشاء الطيارات والمحركات .
وفى كل بلد من البلاد قد وقف جمهور كبير من العلماء وكبار المهندسين أنفسهم على التجريب والبحث بغية الوصول إلى التحسين فى خصائص طيارات ذلك البلد حتى تتفوق على نظيراتها فى البلاد الأخرى . ومن أهم عوامل التفوق : الزيادة فى السرعة والقدرة على المناورة بحيث يسهل انحراف الطيارة يمينا أو يسارا ، وصعودا أو هبوطا ، وتقلبا على الجانبين . فمن الأهمية بمكان عظيم أن يقل بقدر الامكان نصف قطر الدوائر التى تدور فيها الطائرة لتصير أسرع وأكثر مقدرة على الانقضاض على مؤخرة الطيارة التى تحاربها ، فتكون أسبق إلى الفتك بها ؛ وكذلك من عوامل التفوق ازدياد عدد المدافع فى الطيارة وتحسين مواقع وضعها وإحكام إطلاقها لتسديد مرماها ، وهكذا .
وهاك مثلا يوضح الصراع فى سبيل التفوق : فحين نشبت الحرب وأخذت الطيارات المحاربة الانجليزية تنافس الطيارات المحاربة الألمانية توصلت البحوث الانكليزية إلى مخلوط من الوقود زادت بواسطته النهاية العليا لسرعة طياراتها المحاربة بمقدار يتراوح بين ٥% و ٧% ، فارتفعت مثلا هذه النهاية العليا لسرعة سيت فير ( قاذفة
النار ) من ٣٦٢ إلى ٣٨٧ ميلا فى الساعة ، وبذلك تغلبت كثيرا على نظيرتها الألمانية مسر شميت ١١٠ التى ظلت سرعتها النهائية نحو ٣٦٥ ميلا فى الساعة . أما المحاربة الأنجليزية هريكين فارتفعت نهايتها العليا
للسرعة من ٣٣٠ إلى ٣٤٥ ميلا فى الساعة ، وبذلك اقتربت كثيرا من نظيرتها مسر شميت ١٠٩ ، التى ظلت سرعتها النهائية نحو ٣٥٤ ميلا فى الساعة . وتحسينات كهذه وإن كانت ضئيلة المقدار لها أثر كبير فى سير الحرب وكسب المواقع الحربية . ولو أن الألمان استطاعوا أن يغزوا انجلترا بعدد كبير من طياراتهم الجديدة هابتكيل ١١٣ لتغير وجه الحرب على الأرجح ، وذلك لأن هذه المحاربة الجديدة وصلت أقصى سرعة لها إلى ٤٠٠ ميل فى الساعة ، ومن حسن حظ انجلترا أن لم يتدفق هذا النوع مغيرا على أجوائها . ولا شك فى أنه عندما يأتى اليوم الذى يحدث فيه هذا التدفق ، فإن انجلترا سيكون عندها ما تقاومه به من الأنواع الجديدة التى لا تزال خصائصها سرا من الأسرار الحربية .
ولما انهارت فرنسا ووطدت ألمانيا أقدامها تجاه انجلترا ، تبين لهذه أن موقفها من الحرب قد تغير ، وأن مثل هذه الطيارات المحاربة الصغيرة لن تنفعها فى أكثر من الدفاع عن البلاد ضد الغارات الألمانية . أما الدفاع عن قاذفات القنابل الأنجليزية التى تروم الإغارة على ألمانيا ، وحراسة تلك القاذفات فى رحلاتها الطويلة ، فيحتاج إلى نوع آخر من الطيارات المحاربة ، وذلك لأن القيام بهذه المهمة يحتاج إلى قطع مسافات بعيدة المدى فى الذهاب والاياب ، وإلى محاربة الطيارات الألمانية التى ستنقض بغير شك على قاذفات القنابل الأنجليزية محاربة قد يطول مداها وتشتد وطأتها .
وتلك العمليات كلها تستغرق زمنا طويلا ، وتستهلك قدرا كبيرا من الوقود ، وتستنفد مقدارا هائلا من
الذخائر . فالطيارات التى ستقوم بها يجب أن تكون أقوى وأكبر بكثير من الطيارات المحاربة الصغيرة المشار إليها سابقا ، حتى تستطيع حمل مثل تلك المقادير العظيمة اللازمة من الوقود والذخيرة ، ويستتبع تضخم الحجم وازدياد مساحة الأجنحة تعدد المحركات للحصول على القوة الحصانية الضرورية ؛ هذا كله علاوة على الاحتفاظ بقدر الامكان بأكبر قسط من مزايا المحاربات الصغيرة ، من حيث السرعة والقدرة على إحسان المناورة الخ .
لما تبين لإنجلترا ذلك شمرت عن ساعدها ، وأخذ رجال العلم والصناعة فيها يعصرون قرائحهم ، ويجهدون عقولهم ، حتى توصلوا إلى هذا النوع المطلوب من الطيارة المحاربة البعيدة المدى . ولا تزال خصائص بعض هذه الطيارات الجديدة التى أعدت لتلك الأغراض سرا من الأسرار الحربية ، وإن عرف بعضها معرفة سطحية . ***
ولقد دفعت الحرب تقدم الطيارة الحربية بقوة فى اتجاهين عاجلين نتيجة لحاجات ملحة : أما الاتجاه الأول فهو التلهف على زيادة السرعة زيادة لا تقف عند حد ؛ فالواقع أنه لا يكاد أحد المتصارعين يخطو بسرعة طائراته خطوة إلى الإمام حتى يظهر أن خصمه قد خطا مثله فى نفس الطريق خطوة مشابهة ؛ ولذلك يجد نفسه مضطرا إلى أن يعيد الكرة باحثا عن وسيلة تحقق له غرضه ، وتبلغه مشتهاه من رفع النهايات العليا لسرعة طائراته مرة أخرى ؛ وهكذا دواليك .
وأما الاتجاه الثانى فهو البحث عن الوسائل التى بها يمكن الاستدلال على الطائرات المغيرة فى أثناء الليل ، والحيلولة بينها وبين تحقيق أغراضها . ومما يؤسف له أن الخطوات التى اتخذت فى هذا الاتجاه الثانى لا يمكن إذاعتها ، وهى خطوات على جانب عظيم من الدقة العلمية .
وأما التنافس فى رفع سرعة الطيارات فهو على أشده ؛ وذلك لأن تحقيق الهجوم النهارى لقاذفات القنابل على
بلاد الأعداء لا يمكن أن يتم إلا بواسطة قاذفات القنابل السريعة ؛ فالغارت الجوية لا يمكن أن تزداد حدتها وتطول مدتها وتدق رمايتها لكى تصبح خطرا حقيقيا ، ولكى تلعب دورا حاسما ، إلا إذا وقعت فى رائعة النهار ، بدلا من التسلل فى ظلام الليل ، والتخبط على غير هدى خبط عشواء . وكل الدلائل تشير إلى أن المانيا قد اعتنقت هذا المبدأ وآمنت به ، وإلى أن بريطانيا قد أقنعتها الحوادث والتجارب بصحته .
إذا تقرر هذا تبين أيضا أن أقصى العلو الذى يتسنى للطائرات أن ترتفع إليه له أهمية عظمى ؛ وقد أعار الألمان هذا الأمر ما هو جدير به من اهتمام ، وأعانهم على تحقيق أغراضهم من هذه الناحية ما درجوا عليه منذ زمن بعيد ومضوا فيه بعزم وتصميم أكيد ، وهو العمل بكل الوسائل على تقدم أجهزة حقن البترول إلى المحركات حقنا مباشرا ، والوصول بهذه العملية إلى درجة الكمال بدلا من الاعتماد على مد المحركات بالمخلوط العادى من البنزين والهواء عن طريق الكربراتور .
أما انجلترا فانها تواجه المعضلة من زاوية أخرى ، وتتوقع نتائج لا تقل فى جودتها وعظمتها عما وصل إليه الألمان من طريقهم . على أن الأمر الذى يجب أن نسلم به نحن جميعا هو أن سلاح الطيران الذى يستطيع أن يضمن لطياراته الوصول إلى أقصى علو (أو سقف هوائى) يزيد فى الارتفاع على السقف الهوائى الذى وصلت إليه طيارات خصومه بمقدار نحو ألفى قدم ، هذا السلاح الذى يتميز على خصمه هذا التميز يكون قد فاز فوزا فيما له آثار قد تكون حاسمة .
وأهم عامل فى تحديد هذا السقف الهوائى (أو أقصى علو يمكن أن تصل إليه الطيارات) هو قوة المحرك . ونحن نعلم أننا كلما توغلنا فى الطبقات الهوائية العليا ألقينا الهواء قد صار متخلخلا ، وكلما ازددنا ارتفاعا ازداد الهواء تخلخلا ، ومن ثم يتناقص مقدار الرفع الذي تستمده
الطائرة من الهواء (١) وبذلك تصير قيمة الرفع عند أية سرعة من السرع فى العلو الذى وصلنا إليه أقل من مقدار الرفع المناظر لهذه السرعة عند سطح البحر .
كذلك يحدث فى نفس الوقت أن هذا الهواء المتخلخل لا يسعف عملية الاحتراق فى المحرك كما ينبغى ، وينتج عن ذلك أنه فى الوقت الذى تحتاج فيه إلى زيادة السرعة لتحسين قوة الرفع المستمدة من الهواء تقل القوة التى يمدنا بها المحرك ، تلك القوة التى لا غنى لنا عن زيادتها لتحقيق الزيادة فى السرعة . ولا سبيل لتحقيق ذلك إلا بإيجاد وسيلة رخيصة ، إلى حد معقول ، نستطيع بها دفع مقادير كبيرة من الهواء المتخلخل إلى محركاتنا .
وإذا تتبعنا النواحى التى لها أعظم الأهمية فى تحديد خصائص الطيارات تبين لنا أن الطيارة البريطانية قد استطاعت إلى الآن أن تتفوق قليلا على الطيارة الألمانية بحيث أمكن رجحان كفة البريطانيين (مما يدل عليه عدم نجاح الحملة الجوية الألمانية على انجلترا) ، وكانت إحدى النتائج الهامة لذلك أن لم تتعرض الروح المعنوية للطيارين البريطانيين إلى أية هزة تضعفها من تلك الهزات التى كانت تحدث لو أن هؤلاء الطيارين شعروا بأنهم مضطرون إلى استخدام أجهزة دون التى يستخدمها العدو .
وعما قريب سينزل إلى ميدان الحرب الجوية أنواع جديدة من الطيارات فى الجانبين المتحاربين ، وهذه الطيارات الجديدة يحتفظ كل فريق تمام الاحتفاظ بأسرارها وتفاصيلها . ولاشك أن هذه التفاصيل للأجهزة الجديدة لن تتسرب إلى الجمهور وتنشر بينه إلا ببطء شديد ، على الرغم من أن أسماء بعض هذه الطيارات الجديدة وقليلا من خصائصها قد عرفت بالفعل . فطيارة الطربيد والمحاربة
بمحركها الجديد فلتشر لابد وأن تزيد سرعتها على ٤٠٠ ميل فى الساعة ؛ ولن تقصر عنها بكثير من هذه الناحية سبت فاير رقم ٣ المعدلة ، وقاذفة القنابل سترلنج الكبيرة ذات المحركات الأربعة هى وطيارة الاستكشاف بوتا ، وقاذفة الطربيد المعروفة بنفس الأسم (بوتا) تمثل نواحى أخرى من جهود بريطانيا فى سبيل الحصول على التفوق فى المناورات . وهناك طيارات أحدث من هذه يجب أن يظل أمرها مكتوما فى الوقت الحاضر .
والخلاصة أن الجانبين المتحاربين يبذلان أقصى جهد للتفوق فى السرعة قبل كل شىء ؛ فقد أظهرت المعارك
الجوية أن الذى يستطيع الانسياب بسرعة أكبر من سرعة منافسه نهارا يتمتع بأحسن الفرص للوصول إلى أهدافه ، بل إنه فى الليل أيضا يتمتع الجانب السريع بفرصة الافلات من مدافع خصمه ، ومن طياراته المحاربة التى تعترضه . ولما كانت قاذفة القنابل ، لا المحاربة ، هى التى تستطيع أن تكسب الحرب الجوية ، فعلى تقدمها يتوقف إحراز قصب السبق . والفوز - لا شك - فى هذا الصراع العنيف سيكون من نصيب من تفوقت قاذفة قنابله على قاذفة قنابل عدوه .
