الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677الرجوع إلى "الثقافة"

الصراع بين الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، هل هو صراع مبادئ وعقائد أو صراع مصالح ومطامع ؟

Share

يرى بعض المفكرين السياسيين أن الأساس النظرى السياسى الذى تقوم عليه حكومة الاتحاد السوفيتى هو " نظرية الدولة العضوية " والدولة بموجب هذه النظرية أجل شأناً من الفرد ، والأفراد ليسوا عندها أكثر من آلات ووسائل لتوطيد الدولة وإعلان شأنها والمحافظة على كيانها ، وأعمال هؤلاء الأفراد وأخلاقهم ومواهبهم ومكانهم لا تقاس إلا بهذا المقياس ، فحياة الأفراد وقف على خدمة الدولة ؛ وتذهب هذه النظرية إلى أن رعايا الدولة ليس عليهم أى التزامات أدبية لدولة أخرى من الدول ، والكثير من الأساليب السياسية التى تتبعها حكومة السوفيت تثبت صحة أحدها بهذه النظرية ، فهى تبدى استخفافاً ملحوظاً بحياة الأفراد ، وتظهر قسوة فى اقتضاء مطالب الدولة وصيانة مصالحها ؛ ويرى البحاثة السياسى الستر ولدون - فى كتابه عن الدولة والآداب - أنه ليس هناك فرق بين الأفكار النازية عن الدولة والأفكار الشيوعية ، فإنا وضعا لفظة " روسيا " فوق الجميع بدلاً من لفظة " ألمانيا " وجدنا نفس الأفكار والأهداف .

ولكن الواقع أن الدولة فى ألمانيا النازية لم تكن غاية فى نفسها ، وإنما كانت الدولة وسيلة لتحقيق سيادة الشعب الألمانى ، وكانت النظرية الغالبة على التفكير الألمانى هى فكرة " الشعب السيد " وكان هتلر يعد نفسه قبل كل شئ زعيم الشعب الألمانى فى كل مكان ثم بعد ذلك رئيساً للحكومة الألمانية .

ولا نزاع فى أن هناك شبهاً بين الحكومة النازية والحكومة السوفيتية ، مثل الاكتفاء بالحزب الواحد وإقصاء الأحزاب الأخرى والقضاء عليها . وفرض الرقابة الشديدة على الصحف والمطبوعات . والاستعانة بالجواسيس وبث العيون والأرصاد والعناية البالغة بالدعوة وللقيام بحركات التطهير من الحين إلي الحين . وهذا أمر طبيعى ، فإن هتلر

نفسه كان يقتبس من روسيا السوفيتية ويقلدها . ولكن هناك فرقاً جوهرياً فى نفس الغاية التى كانت ترمى الحكومة النازية إلى تحقيقها ؛ فى ألمانيا كان الهدف المنشود هو توحيد الشعب الألمانى وتمكينه من السيطرة على العالم ؛ أما الحكومة السوفيتية فليس لها مثل هذا الهدف ، ولا نزاع فى أن الروسيين قد اضطروا فى أثناء الحرب الكبرى الثانية إلى أن يحركوا العاطفة القومية والنزعة الوطنية ليردوا غارة النازبين على بلادهم ؛ ولكن زعماء الشعب الروسى بوجه عام لم يلعب برؤوسهم هذا الهوس العجيب والغرور السخيف الذى كان يغرى الألمان بادعاء انهم الشعب الذى خلق ليسود العالم ويستعلي على جميع الشعوب والأقوام . والروسيون يشعرون بقوميتهم ، ولكنهم مع ذلك لا يدعون قصر المزايا والمحاسن على انفسهم ، ولا يزعمون أنهم منبع الحضارة ومصدر الثقافة وقادة الرقى والاستنارة ، وهى الآراء التى طالما تعلق بها الألمان وحاولوا إثباتها بالشواهد التاريخية والأدلة العلمية .

وليست الدولة كذلك فى روسيا غاية فى نفسها ، فما هى غايتها إذاً ؟ ربما كان الجواب الواضح عن ذلك هو ان غاية الدولة فى روسيا هي توطيد النظام الشيوعى . ولنفرض أن هذا هو الجواب الصحيح ، فهل يهدم النظام الشيوعى السلام كما هددته نظرية النفوق الشعبى وطلب المجال الحيوى التى قال بها النازيون والفاشيون ؟

الواقع أن الشيوعية فى جوهرها نظرية اقتصادية ترعى إلى السيطرة على وسائل الإنتاج ، وهى بهذه المثابة ليست من النظريات التى تدعو إلى العدوان وإثارة الحروب الدولية . على أنه يمكن أن يكون هناك أمران يحملانها تميل إلى العدوان . وهما أن تتخذ الدولة الشيوعية عقيدة دينية وتعدها رسالة من الرسالات المقدسة ، وحاول إخضاع العالم لقبولها ، وفى هذه الحالة لا تكون الشيوعية هى المسئولة عن ذلك ، وإنما

المسئولية تقع على الدولة التى اتخذتها وسيلة للعدوان والديانة المسيحية مثلاً ليست بطبيعتها نزاعة إلى إثارة الحروب ، بل هى على النقيض من ذلك ، فهى تدعو إلى السلام ، ولكن حينما تعمد دولة من الدول إلى نشرها بالقوة والإرهاب فحينذاك تقع الحروب الصليبية وفى الأيام الأولى من حياة الاتحاد السوفيتى كانت هناك علامات تنذر باتخاذ الشيوعية وسيلة لإثارة الحرب ونشر المذهب بالقوة والعدوان .

والمعروف أن الخلاف الذى وقع بين تروتسكى واستالين كان سببه إصرار تروتسكى على أن تكون الشيوعية مقدمة لثورة عالمية ، أما استالين فكان من القائلين بالاشتراكية فى الدولة الواحدة . وقد قامت حركات التطهير لتأييد الأخذ بهذه الفكرة ، ولكن إذا فرضنا أن استالين يهدف إلى الثورة العالمية بعد تثبت أركان الشيوعية فى روسيا فإنه فى هذه الحالة لا يكون المبدأ الشيوعى هو المسئول عن ذلك وإنما المستئول عن ذلك السياسة التى آثر اتباعها حكام روسيا .

وهناك سبيل آخر قد يتخذ الشيوعيون لتسويغ الاعتداء ، وذلك أن من الأشياء التى تلجأ إليها بعض الحكومات للخلاص من متاعبها الداخلية وعجزها عن معالجة مشكلاتها تحويل التفات الرأى العام إلى الغزو الخارجى لتهدأ ثورته وتأمن غضبه ؛ وإذا كان الأمر كذلك فى روسيا فإن حكومة السوفيت فى هذه الحالة تتخذ الشيوعية وسيلة من الوسائل السياسية لبسط النفوذ ؛ وقد يظن الشيوعيون أن الشيوعية فى دولة مفردة مهددة بالهجوم والاعتداء من الدول الرأسمالية المحيطة بها ، وفى هذه الحالة تعمل الحكومة الروسية على مساعدة الأحزاب الشيوعية فى الخارج وإقامة حكومات موالية لها ، وتوسع حدودها لتنفى من نفسها المخاوف وتنفى هجوم الأعداء ؛ وظواهر الأحوال تدل على أن الحكومة الروسية قد أقامت فى بولندة ورومانيا حكومتين مواليتين لها وستعترض هاتان الدولتان طريق كل من يريد مهاجمة روسيا وتكوان بمثابة حدود أمامية لها .

ولكن هذا كله لا يدل على أن الفكرة الشيوعية تنطوى على العدوان وتطلب التوسع وبسط النفوذ ، وإنما يدل على ان الحكرمة الشيوعية تتخذها وسيلة لذلك التوسع أو ذلك العدوان أو طلب تأمين موقفها وحماية نفسها . والعقيدة الدينية الغالية على الكتلة الغربية هى الديانة

المسيحية ، والفكرة السياسية السائدة فى الغرب هى الفكرة الدمقراطية ، فهل بين الشيوعية والمسيحية عداء مستحكم وخلاف شديد يستدعى نشوب الحرب وإراقة الدماء ؟ حقيقة أن الشيوعية الماركسية كانت فى بادىء أمرها تناصب المسيحية العداء ، وكانت هناك أسباب تاريخية تستوجب ذلك فى روسيا بوجه خاص . فقد كانت العلاقات وثيقة بين الحكومة القيصرية وبين الكنيسة ، وذلك لأن الكنيسة كانت تؤيد الحكومة التى تمثل المحافظة ومقاومة التجديد ،

وكان لابد للشيوعية فى هذه الحالة من مقاومة الكنيسة وتقويض نفوذها ، ولكن أهداف الشيوعية لا تنافى المسيحية ، فالسيطرة على المصانع وتوحيد الملكية والإشراف العام على الإنتاج والأخذ من كل إنسان حسب قدرته وإعطاء كل إنسان حسب حاجته ليس فيه شئ ضد المسيحية ، بل لعله أقرب إلى جوهرها ، لمقاومة الشيوعية إذاً للمسيحية بعد فى حكم الحوادث العرضية التى تنشأ من ملابسات الظروف لا من الأسباب الداخلية القومية

وقد يقال إن الشيوعية عقيدة مادية محضة تتطلب الولاء التام والإيمان العاصف المستغرق الذى لا يقبل وجود أى عقيدة اخرى فى طريقه . ولكننا إذا تدبرنا الأمر وجدنا أن الملابسات التاريخية كان لها أثر فى ظهور الشيوعية بهذا المظهر ، فقد تأثر ماركس زعيم الشيوعية فى تكوين مذهبه بفلسفة هجل وأسلوبه الديكلنيكى فى التفكير والمادية السائدة فى عصره ، ومن شأن العقائد الثورية فى طليعة أمرها أن تتطلب الولاء التام المستغرق والأيمان الثائر العاصف ، ولذا كانت الشيوعية تتطلب من أنصارها أن يكونوا شيوعيين قبل كل شئ ، وشيوعيين ليس غير ، ولكن الشيوعيين قد تسلموا مقاليد الدولة وتسلموا مقاعد الحكم ، وبذلك أصبحوا فى غير حاجة ماسة إلى مثل هذا التعصب الشديد الضيق ؛ وحينما يصبح إيمان الإنسان هو الأمر الواقع فليس من المعقول أن يظل الإنسان مسرفاً فى التعصب له ومن ثم تضعف قوة الشيوعية كعقيدة دينية تستلزم إقصاء العقائد الأخرى وتقل حدتها وهذا هو ما حدث فى روسيا .

والمسيحية التى تدين بها الكتلة الغربية فى جوهرها ديانة مسالمة ، وعقيدة روحية خالصة ، وحينها تنزل إلى المعترك

( البقية على الصفحة التالية )

السياسى والصراع العملى يهبط مستواها الروحى ؛ فالاستعانة بها علي محاربة الشيوعية من الأمور التى تدعو إلى الشك وتثير التعجب ، وفضلاً عن ذلك فإن الكتلة الغربية لا تستطيع أن تجاهر باستصراخها المسيحية فى محاربة الشيوعية فى الوقت الذى تعمل فيه على ضم الأتراك وحكومات الشرق الأوسط للوقوف فى صفها والانضواء تحت رايتها فى محاربة الشيوعية ، فإن الدين الغالب على أكثر سكان هذه المنطقة هو الدين الإسلامى .

ولننظر الآن فى العقيدة الدمقراطية : فهل بينها وبين النظام الشيوعى من الخلاف الشديد ما يسوغ وقوع الحرب والالتجاء إلى القوة والعنف ؟ إن الدمقراطية لم تخرج عن كونها صورة من صور الحكم ، وصور الحكم لا تصلح لاتخاذها ديانة تثير الحماسة وتسعر نيران الحرب ، والشيوعيون أنفسهم من القائلين بالدمقراطية ؛ والواقع أن أكثر السمات التى تعدها من خصائص الدمقراطية إنما هى وسائل لتحقيق أهداف ، فى طليعتها إظهار إرادة الشعب ؛ فالتصويت العام

والانتخاب ونظام تعدد الأحزاب وترجيح الأغلبية كل ذلك وسيلة من وسائل الدمقراطية . والدمقراطية نفسها تدعو إلى الاعتدال وعدم التدخل فى شئون الغير ، فهى غير صالحة للتحريض على الحرب وإثارة البغضاء بين الأمم .

والذى يستخلص من ذلك أن الصراع بين الكتلتين ليس صراع عقائد وأفكار ولا تصادم مثل عليا مختلفة ، وإنما هو صراع سياسى خالص وخلاف على بسط السلطان وتوسيع النفوذ ، وكونه كذلك قد يبشر بالأمل فى انقشاع السحب السودا الثقيلة وصفاء الجو ، فليس أخطر من الخلاف الذى يثيره اختلاف المذاهب والعقائد وصراع المثل العليا المتعارضة ، ووراء هذا الخلاف المنذر الواضح فى الأفق السياسى الرغبة فى تغطية الإخفاق فى معالجة الأحوال الداخلية وتحويل الأنظار إلى العدوان الخارجى والعمل على كسب الأسواق والحصول على الخامات ، وما أخلفنا أن نقف من هذا الخلاف على "اللحاف"؛كما يقولون موقف المحايد ، لأننا فى الواقع لا ناقة لنا فيه ولا جمل .

اشترك في نشرتنا البريدية