الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 49الرجوع إلى "الثقافة"

الصـراع الاقتصادى، ابرز مظاهر الحرب الحالية، لمحرر " الثقافة " السياسى

Share

امتاز الأسبوع المنصرم باشتداد حوادث الاعتداء البحرية التى نظمتها ألمانيا ، أولا بواسطة الغواصات ، ثم بواسطة الألغام المائية ، وغرقت من جرائها طائفة كبيرة من السفن ، ينتمى كثير منها لدول محايدة .

وهذه الحوادث أو الاعتداءات البحرية تكاد تكون ابرز ما فى الحرب القائمة بين الفريقين المتحاربين من

مظاهر النضال والعنف ؛ فالهدوء الذى يسود الميدان الغربى لا تكاد تقطعه سوى بعض الحوادث والمصادمات التافهة ، ونشاط الحرب الجوية يقتصر من الجانبين على حملات استكشافية صغيرة .

ولكن البحر يكاد يكون منذ نشوب الحرب وحده ميدان النضال الحقيقى بين ألمانيا وبين انكلترا وفرنسا ،

وفى البحر وحده تقع ، منذ نشوب الحرب ، أعنف الحوادث ، التى ترتبت عليها خسائر تذكر فى السفن وفى الأرواح .

على أن هذا الاعتداء البحرى الذى تشهره ألمانيا بوسائل واساليب تنافى كل قانون وعرف دولى ، ويصيب شرها المحاربين والمحايدين على السواء ، ليس إلا مظهرا من مظاهر الحرب الحقيقية التى تضطرم بين الفريقين ، والتى تستغرق فى الواقع كل جهودهما فيما وراء ميادين القتال .

تلك هى الحرب الاقتصادية ، التى ترمي إلى تحطيم موارد الخصم ، واستنفاد قواه ؛ والحرب الحاضرة ليست فى الواقع حرب المواقع العسكرية الضخمة مثلما كانت الحرب الكبرى ، بل هى قبل كل شئ حرب إنهاك وإفناء للقوى والموارد القومية ؛ ونية كل من الفريقين تتجه فيها اولا إلى تحطيم موارد خصمه ، وإرغامه على استهلاكها ، وحرمانه من وسائل تجديدها أو تنميتها ، حتى تنفد وتفنى ، ويصبح عاجزا عن متابعة الحرب .

ولما كانت ألمانيا ، بموقعها الجغرافى ، وظروفها الاقتصادية ، وضعف مواردها من المواد الأولية ، هى من الناحية الاقتصادية فى مركز أضعف بكثير من مركز انكلترا وفرنسا ، اللتين تسيطران على أملاك ومستعمرات شاسعة ، وعلى كميات هائلة من المواد الأولية ، فان الحرب الاقتصادية التى تشهرها عليها الدولتان الحليفتان تعتبر من أهم وأخطر وجوه الصراع بين الفريقين المتحاربين .

ويمكن أن نجمل عناصر هذه الحرب الاقتصادية فى كلمة واحدة : هى " الحصار " الذى ضربته بريطانيا العظمى وفرنسا منذ نشوب الحرب على ألمانيا ، والذى مكنته لهما قواتهما البحرية الزاخرة ، وسيادتهما على الطرق البحرية ؛ فألمانيا فى الواقع تجد نفسها منذ نشوب الحرب محصورة من ناحية البحر ، والمواصلات البحرية فى نطاق حديدى

لا يتسنى لها اختراقه ، ويحول بينها وبين أن تتلقى بطريق البحر ( ما عدا بحر البلطيق ) ما كانت تتلقاه من المواد الغذائية والأولية .

- ٢ -       ويتكون هذا الحصار الذي تفرضه انكلترا وفرنسا على ألمانيا  من عنصرين  أساسيين : أولهما قطع المواد الواردة إلى ألمانيا ، والثانى سحق الصادرات الألمانية .

فأما العنصر الأول ، فقد لبث وحده قوام الحصار منذ نشوب الحرب حتى أواخر نوفمبر . وذلك أن بريطانيا العظمى وفرنسا أعلنت كل منهما يومئذ قائمة بالمواد الأولية وغيرها ما تعتبره من المواد المهربة ، مما قد يفيد في زيادة قوى العدو أو تحسين تموينه ، وترى منع تصديره إلي ألمانيا ، وفرض الأسطولان الانكليزى والفرنسى حق التفتيش على جميع السفن المحايدة المتجهة إلى ألمانيا أو إلى البلاد الساحلية المجاورة لها مثل هولنده وبلحييكا ودول الشمال ؛ وصودرت بهذه الوسيلة كميات عظيمة من المواد الأولية التى كانت مصدرة إلى ألمانيا ، واعتبرت غنايم حربية ، أما السفن التجارية الألمانية ، فقد استحال عليها بالطبع منذ نشوب الحرب أن تظهر فى عرض البحار ، ولجأ معظمها إلى الموانئ المحايدة وأغرقت أو أسرت السفن التى اجترأت أن تغادر مراسيها .

وأما العنصر الثانى ، وهو العمل على سحق الصادرات الألمانية ، فهو رد إنكلترا وفرنسا على حملة الألغام الألمانية الأخيرة ، وما ترتب عليها من فتك بالسفن والأرواح ؛ ويتخلص فى أن الحكومتين البريطانية والفرنسية قررتا أن تعتبرا كل المواد والبضائع المصدرة من ألمانيا إلى البلاد المحايدة مهربات يجب ضبطها ، مها كانت جنسية السفن التى تقوم بحملها ، وتنفيذ هذا القرار معناه القضاء التام على تجارة ألمانيا الخارجية فيما وراء البحار ؛ وخطورة

الآثار الاقتصادية التى يمكن أن تعانيها ألمانيا من جراء ذلك ، تبدو جليا متى ذكرنا أن ألمانيا ما زالت حتى بعد نشوب الحرب تقوم بمعاملات ومبادلات تجارية واسعة ضخمة مع الولايات المتحدة وجمهوريات أمريكا الجنوبية ، وفى مقدمتها الأرجنتين والبرازيل ؛ وتحصل فى هذه البلاد مقابل صادراتها على معظم ما يحتاج إليه من المواد الأولية والنقود الأجنبية ؛ فقطع مبادلاتها التجارية معها يصيب التجارة الخارجية الألمانية بضرية مميتة ، ويحرمها فى الوقت نفسه من الحصول على كثير من المواد الأولية والغذائية التى كانت تحصل عليها حتى بعد نشوب الحرب بطريق بعض البلاد المحايدة مثل إيطاليا ، ويفقدها طائفة من الأسواق الخارجية الهامة ، التى لم تحصل عليها إلا بعد جهود عظيمة .

والمعروف أن ألمانيا تعانى قبل نشوب الحرب بأعوام من مصاعبها الاقتصادية ، وأن الجهود الهائلة التى بذلتها فى التسليح ، قد حطمت مواردها ، وانها لم تدخر وسيلة لاصلاح هذه الموارد باستعمال جميع الوسائل الاستثنائية الممكنة ، والضغط على بعض الدول الضعيفة للحصول على بعض ما تحتاج إليه من المواد الأولية بطريق المقايضة مثل المجر ورومانيا ، وليس من ريب فى أن المسألة الاقتصادية كانت أيضا من أهم العوامل التى دفعتها إلى الاتفاق مع روسيا ، ولكن ما تستطيع الحصول عليه من روسيا بمقتضي هذا الاتفاق ، لا يمكن أن يسد كثيرا من حاجاتها ، فضلا عن أن روسيا لا تعطى إلا إذا أخذت ؛ وعلى الصناعة الألمانية أن تعمل بالرغم من مهامتها العسكرية الفادحة ، لإخراج الآلات والمواد التى يجب أن تدفعها ألمانيا ثمنا لما تستورده من روسيا وغيرها من الدول التى تتعامل معها بطريق المقايضة ، وهى الوسيلة الوحيدة التى يمكن لألمانيا الدفع بها بعد أن نضبت كل مواردها من الذهب والنقد الأجنبى .

- ٣ -        وقد قال أدولف هتلر فى خطبه وتصريحاته غير مرة : "إن ألمانيا يجب ان تصدر أو تموت " . وفى هذه العبارة تتمثل حقيقة المعركة الاقتصادية الهائلة التى ترغم ألمانيا اليوم على خوض غمارها .

فبينما تجد إنكلترا وفرنسا طرق البحار مفتوحة أمامهما ، وبينما تسير تجارتهما الخارجية كما كانت دون خسائر تذكر ، وبينما تسيطران فى مستعمراتهما الشاسعة على موارد لا تنضب من المواد الأولية والغدائية ، وهذا فضلا عما تملكان من رصيد ضخم من الذهب والنقد الأجنبى مما يمكنهما من شراء كل ما تحتاجان إليه من الأسلحة والمواد الأولية التي تنقصهما - إذا بألمانيا تجد نفسها من جراء الحصار الاقتصادى المضروب عليها وقد سدت فى وجهها جميع البحار ، ولم يبق لديها مخارج لتجارتها سوى شرق أوربا وجنوبها ، وانهارت أسس تجارتها الخارجية ، وأضحت مهددة بعجزها عن الحصول على ما تحتاج إليه من الأطعمة والمواد الأولية ؛ ولعلنا نجد أسطع إيضاح لما يعانيه الاقتصاد الألمانى من جراء الحصار الاقتصادى ، فيما يعانيه الشعب الألمانى من نقص شنيع فى جرايات الأغذية والملابس وجميع ضرورات الحياة منذ نشوب الحرب ، وهى حالة ليس من شأنها أن تعاونه على الاحتفاظ بقواه المعنوية طويلا .

وقد كانت حرب الغواصات أول سلاح ردت به ألمانيا على الحصار الاقتصادى ، فلما خبت حدته لأسابيع قلائل فقط أمام الجهود التى بذلتها انكلترا وفرنسا لمقاومته ، عمدت ألمانيا إلى بث الألغام السائبة والمغناطيسية بكثرة ودون تحرز فى مياه بحر الشمال الانكليزية ، وترتب على ذلك الفتك بطائفة كبيرة من السفن التجارية من مختلف الجنسيات ، وهلاك كثير من الأبرياء دون تحوط أو تمييز .

وترى ألمانيا بهذه المحاولات المثيرة - التي هي أجدر بأن تسمى بالقرصنة البحرية منها بالحرب المشروعة لمخالفتها لجميع القوانين والمعاهدات الدولية التى أقرتها ألمانيا ذاتها- إلى أن ترد على الحصار البحرى البريطانى الفرنسى بنوع من الحصار المعاكس للشواطئ الانكليزية ، وذلك بإرهاب الدول المحايدة وإرغامها على قطع تجارتها مع الجزر البريطانية اتقاء لما يصيب سفنها وأموالها من الهلاك إذا هى اقتربت من مياهها الخطرة ، وإرغام السفن البريطانية ذاتها على وقف سيرها ؛ وقد أخذت الدول المحايدة بالفعل تبدى قلقها من حوادث الألغام ، وقدم بعضها احتجاجات إلى الحكومة البريطانية على سياسة الحصار التى آثارت هذه الحوادث ، ولما أصاب سفنها ورعاياها من الخسائر ؛ بيد أن من الصعب أن نعتقد أن حوادث الألغام ، يمكن أن تحدث مثل هذا الأثر الذى تحلم ألمانيا الهتلرية باحداثه ، خصوصا وقد بدأت السلطات البحرية الانكليزية بمكافحتها مكافحة ناجمة ، ولن يلبث أثرها أن ينهار ، كما حدث بالنسبة لحرب الغواصات من قبل . ويصعب علينا من باب أولى أن نتصور أن ألمانيا تستطيع بمثل هذه المحاولات الخاطفة المحدودة المدى أن تخرق الحصار الحديدى المضروب عليها ، والذى يشتد ضغطه الخانق عليها يوما بعد يوم .

أما موقف الدول المحايدة التى وجهت احتجاجها إلى انكلترا فهى بالأخص الدول الصغري المجاورة لألمانيا مثل هولندة وبلجيكا والسويد والنرويج ، ومن السهل أن نتصور الباعث لها على القيام بمثل هذا الاجراء الشكلى ، وهو العمل على إرضاء جارتها الخطرة ألمانيا .

وهذه المحاولة التى يبذلها هتلر لحصار الشواطئ البريطانية بواسطة الألغام ، وإرهاب الدول الأوربية حتى تكف عن المتاجرة مع بريطانيا العظمى ، تذكرنا بما حاوله نابليون من قبل ، حينما أصدر من برلين قراره الشهير

( سنة ١٨٠٦ ) بإعلان الحصار على الجزر البريطانية ، ومصادرة جميع البضائع البريطانية ، وإرغام دول القارة التى تحت نفوذ فرنسا ( وقد كانت معظم دول القارة تخضع يومئذ لهذا النفوذ ) على قطع كل معاملة تجارية معها ، وبما ردت به بريطانيا العظمى يومئذ من إجراءات مماثلة ، وما انتهى إليه قرار برلين بعد ذلك من الفشل المطبق .

إن الاقتصاد عصب حرب اجماعية كالتى نشهدها اليوم ، والعوامل الاقتصادية لا تقل فى مفعولها عن العوامل العسكرية . بل ربما كانت فى بعض الأحيان أبعد اثرا فى مصاير الحرب من المواقع العسكرية ذاتها ؛ ومهما قيل فى مقدرة ألمانيا على المقاومة ، ومهما كانت الوسائل الفتاكة المؤقتة التى تلجأ إليها ، فان ذلك لا ينفى أن ألمانيا ، هى الفريق الأضعف فى هذه الحرب الاقتصادية الهائلة التى تشهرها عليها انكلترا وفرنسا ومن ورائهما موارد امبراطوريتيهما الاستعماريتين العظيمتين .

ومن ثم كانت أهمية الزمن في هذا النضال ، والزمن   بلا ريب مع أغنى الفريقين موارد ، وأقدرها على الكفاح   الاقتصادى .

اشترك في نشرتنا البريدية