قال الكولونيل " فون التروك " : كلا كلا ، إن هذا غير صحيح ؛ ثم هدأ الكلام بغتة ، والتفت إليه المدعوون ينتظرون تمام الحديث ، غير أن الكولونيل أخذ يلعب بكوب النبيذ فى حركة عصبية ظاهرة ، ثم عاد إلى الكلام فى خجل فقال : " مما لا شك فيه أن الحرب تلهم افعالا نبيلة ، وتظهر صفات عظيمة من رجال لم يكن ينتظر منهم أى شىء ، ولكن من ناحية أخرى بعد أشهر من الغزو تضطرب الأعصاب ويفعل التعب والخطر فعلهما ، حتى لينسى الانسان نفسه ، ويتحط أحيانا حتى يصل إلى الوحشية ، إنى أعرف هذا تمام المعرفة . مضى ثلاثون عاما على حصار باريس ، ولليوم لا أندم على شيء من حياتي ندمى على ما حدث حول منتصف ليلة عيد الميلاد سنة ١٩٧٠ ؛ وإذا شئتم قصصت عليكم ما حدث ، غير أن حديثي ربما أخركم عن ميعاد الأوبرا " .
كانت " فاوست " أوبرا ذلك المساء قد سمعها أغلب المدعوين ، فأجابت مضيفته : "إن هذا لا يهم " . فاستأذن الكولونيل فى أن يدخن ؛ وبدأ يقص فقال :
" كنت ضابطا فى الفرقة الخامسة ، وفي شهر ديسمبر كونا جزءا من حلقة الحصار حول باريس . وفى ليلة عيد الميلاد كنت فى " نوازى لوجران " أؤدى واجبى ، وفى تلك الليلة انخفضت الحرارة حتى الثانية عشرة تحت الصفر ، فخيل إلينا أن كوخنا الصغير مأوى مريح . وكنا نستعد للاحتفال بليلة العيد ، وقد وصلنا فى الصباح برميل من البيرة من أمى ، غير أن قائدنا ما كاد يقترح شرب نخب أمى حتى سمعنا طارقا على الباب ينادينى للعمل ،
فخرجت ، ولم أجد الوقت الكافى للتذمر ، وسرت متثاقلا فى الظلام وأنا أسمع من الخلف قائدنا يغنى " .
وصلت حيث يعسكر الكولونيل فوجدته فى غرفة عارية ، نورها ضئيل ، وهو يقرأ فى قطمة ورق مثناة ، وقد انهمك فى قراءتها حتى لقد مرت بضع رقائق قبل أن يرانى . أعطانى رسالة شفوية أؤديها لقائد حامية رانسى ، وحذرنى من خطورة الطريق ؛ ولكن قبل أن أخرج نادانى وأعطانى الورقة التى بيده وسألنى عما أستنتج منها . أخذت الورقة فرأيت عليها جملة واحدة فيها كثير من الغلط ، وهى فيما ظهر لى رسالة من مسيو بونيه إلى ولده فى باريس يقول له إن الخنزيرة الكبيرة السوداء ولد لها خمسة عشر ولدا . تطلعت إلى الكولونيل وقلت : " إنها لا تمنى أكثر مما فيها " فأخذها منى وقال : " أجل ، ربما لا تعنى أكثر ما فيها " .
غير أنى ما كدت أتوغل فى الطريق حتى طارت من مخيلتى هذه الأفكار كلها ، فأمامى أخطار لا بد أن أواجهها . عبرت المارن ومررت فى الغابة حتى آخرها ، وبعد ميل وصلت إلى كوخ على مفترق طريقين فلم أعرف أيهما أسلك ذهبت نحو الكوخ وقرعت بابه بشدة ، فلما لم يجبنى أحد كسرت زجاج النافذة بمقبض مسدسى وصرخت قائلا : " أهذا يوقظكم ؟ " وإذا بالباب يفتح وتقف أمامى امرأة قروية عجوز مقعدة من الروماتيزم تحمل شمعة وتححب ضوءها بيد ترتعش وقالت معتذرة : " إني لا استطيع الحركة كما كنت فى صباى . هل من خدمة أؤديها لسيدى ؟ " لم تسمعنى كلمة لوم على زجاجها المكسور ، غير أنى قطعت عليها
اعتذاراتها وسألتها بخشونة عن الطريق .
وصلت إلى رانسى وأديت الرسالة وفى العودة أمدنى القائد ببعض الحراس . سرت وأنا أفكر لا فى العجوز القروية وزجاجها المكسور ، ولكن فى خنازير المسيو بونيه ! وهل إذا ضرب العدد فى شىء يعطى عدد المجندين الجدد فيقوى هذا من عزيمة أهل باريس فتطول مدة الحصار . كنت أفكر حينما لفت نظرى بغتة قصر مضاء كله فى هذا المكان القفر ، كان قصر " آل فيلا تانوز " . وكان حول باريس قصور مثل ما هو الآن ولكنها كانت مهجورة لهرب سكانها . فكان منظر القصر وهو مضاء كبيت يعيش أفراده حياة منتظمة ؛ غير أنى كنت كلما أمعنت النظر فيه ازداد تفكيرى فى خنازير المسيو بونيه ، وهل يكون هو حلقة الاتصال المفقودة . أمرت رفقائى بالسكون وترجلنا . ثم طلبت من أحدهم أن يراقب أى منفذ خلفى بينما تقدمت نحو السلم ، وقبل وصولى إليه فتح الباب وخرجت منه فتاة تحمل مصباحا . حملت المصباح عاليا حتى إن نوره وقع على شعرها ووجهها وملبسها . كانت فتاة طويلة نحيفة ، عيونها واسعة سوداء ولها وجه جميل جذاب خلق للضحك ، ولكنها الآن كانت شاحبة اللون مقطبة الجبين وقفت هنيهة ثم بدأت تحرك المصباح من الشمال إلى اليمين ، وفى الفترة التى يضيء نور المصباح وجهها كنت أرى القلق مرسوما عليه . سألتها بغتة : " من تنتظرين هذه الساعة أيتها الآنسة ؟ " لم تتحرك أو تصرخ ، ولكن المصباح فقط اهتز ووقفت بضع ثوان دون حركة ، ثم أنزلت المصباح وقالت : " إنك بروسى ! " . " أجل باسيدتى لاتخافى شيئا " فأجابتنى بهدوء : " إنى غير خائفة . . . ظننت أنى سمعت صوت حصان يتحرك فنزلت لأرى " فقلت : " إذا لم يكن المصباح إشارة لرجل يختبىء فى الغابة ؟ " فنظرت إلى دهشة ، فقلت حقا أنها تتقن التمثيل ، ولكن مظهرها
لم يخدعنى لأنى كنت رأيت على كتفيها معطفا حربيا " ستقولين أيضا إن هذا معطف سيدة " فانفجرت ضاحكة ! حقا أنها كانت إهانة . إنه مهين دائما لشاب ألا يعامل بجد وخاصة إذا كان هو المنتصر . وبكل تسامح أجابتنى : " هذا المعطف لضابط فرنسى مجروح أسر ثم أفرج عنه بكلمة الشرف وهو الآن فى منزلنا " . فقلت : " سأتشرف إذا بمعرفته " ثم ناديت الجندى ، وما اقترب حتى ظهر على وجهها الرعب وقالت بخوف : " إنك لن تأخذه . إنه لم يضر أحدا حتى لو أراد ذلك . إنه لا يستطيع" غير أنى لم أعبأ بها ، ولم أثق بما قالت ، بل ظننت أنى قد وضعت يدى على الدليل الخاص بتسرب الأخبار حول معسكرنا .
دخلت إلى غرفة الاستقبال فرأيت فتى يرقد على أريكة وعلى رجليه غطاء . ومن المؤكد أن وجهه كان جميلا جمالا غير اعتيادى حينما كان معافى ، ولكنه كان متعبا ، شاحب اللون . وكانت تجلس أمامه عجوز تلعب معه الشطرنج . فعرفت أنه الضابط المجروح وأن السيدة هى عمة مدموازيل " صوفى " البارونة جراشيل . والتفت إلى " صوفى وسألتها عن سبب وجودها بينما هرب الجيران ، فقالت : " لأن أمى مريضة لا تستطيع الحركة ونحن لا نستطيع تركها بمفردها " . فقلت : " سأتحقق من ذلك "، فقالت : " سآخذك بنفسى" ولكنى أجبتها : " هذا الضبط ما كنت أنتظر . ستأخذيننى أنت لتتركى أصدقاءك يحرقون كل ورقة لها أهمية ؛ إنى لا أخدع بمثل هذه السهولة " .
ناديت على الحارس وأمرته بالبحث فى أنحاء المنزل . ثم التفت إلى الضابط وسألته عن سبب مجبئه هنا أول ما أفرج عنه ، فأدار وجهه نحو صوفى وقال : " لأنه يعيش هنا أعز أصدقائى " واخذ يدها برشاقة الرجل الفرنسى
ورفعها إلى شفتيه وقبلها ، فعرفت فجأة العلاقة التى بين هذين الشابين .
ثم رجعا إلى اللعب كأن لم يكن بالغرفة متطفل ، وشعرت بسرور عظيم حينما عاد الجندى وقال إنه لم يجد بالقصر أحدا إلا أم المدموازيل صوفى وخادما تحرسها غير أنى لم أطمئن ، فبدأت بدورى أبحث فى أنحاء الغرفة لعلي أجد شيئا . ولكنى لم أجد ما يثير ريبى كان للغرفة باب آخر فسألت عنه ، وقالت صوفى إنه باب غرفة نومها ، فدخلتها حاملا الوحل والثلج إلى المخدع الجميل النظيف . بحثت فى أنحاء الغرفة حتى وجدت درجا مغلقا فطلبت منها فتحه . وبينها هى تفعل لاحظت انها تراقبنى فى حذر ، فأيقنت أنها ستحتال على ، فانتبهت وحسنا فعلت ، لأنها خطفت شيئا وجرت مسرعة نحو باب آخر ، ولكنى لاحقتها وأخذت منها ما بيدها بالقوة . كانت علبة أبنوسية منقوشة ، هذا هو الشىء الذى أبحث عنه .
ثم رأيتها تأخذ سلسلة ذهبية من عنقها تدلى فيها مفتاح ذهبى صغير ؛ ومدت يدها إلى وقالت بصوت منخفض : " افتحه هنا " . غير أن هذا التغيير الفجائى زاد شكوكى فقلت : " هذه حيلة أخرى . ربما تريدين كسب الوقت لصديقك فى الغرفة المجاورة كلا سنعود ونفتحه بجانب المدفأة هززت الصندوق فإذا هو يحتوى على ما أبحث عنه ، أوراق ! جلست قرب المدفأة ، وبينما أدخل المفتاح فى القفل وضعت صوفى يدها على ذراعى ، وبكل رقة قالت : " أتوسل إليك ألا تفتح الصندوق هنا ، فانك لو فعلت لنالنى ذل عظيم ، وأما أنت فستندم ندما كثيرا . لا شىء فيه يهمك . إنه يحوى أسرارى الصغيرة ، فلكل فتاة أسرار تقدمها " . غير أنى أجبتها بأن أدرت المفتاح فوضعت يدها على الغطاء وهمست : " كنت ألبس المفتاح فى سلسلة حول عنقي . ألا يدلك هذا هى شىء ؟ افتح الصندوق واقرأ
الخطابات ، فستسبب لى بعملك هذا حياة موحشة حياة الوحدة والانفراد . إنك ستحط كل أمل لى فى السعادة . حقا أننا أهداء ، ولكن سيأتى يوم تنتهى الحرب ، وأظنك لا ترغب فى إطالة آلامها أكثر مما يحتمل . وهذا ما ستفعله . ستأسف كثيرا حينما تكون بين أهلك وتعلم أن هناك فتاة فى فرنسا تتألم بسبك . أجل ستأسف كثيرا " . تكلمت ببساطة غريبة ، واستغاثة البائس ، ومنذ ذلك اليوم أتخيلها بكل وضوح كما كانت واقفة تنطق بالإخلاص الذى كنت لا أريد الاصغاء إليه ، والاستغاثة التى أغلقت أذنى عنها . أتخيلها كثيرا حين لا أود رؤيتها طلبا لراحتى . كانت تتوسل من أجل كبريائها ؛ وليكون ملتمسها مؤثرا تنازلت عن كبريائها ، ولكنها لم تضع وقارها . ظننت أن الصندوق يحتوى خطابات غرامية ، ولكني وجدت عكس ذلك ، فأول ما قرأت كانت دعوة لحفلة عشاء وكان الإمضاء بالأسم " أرمان " ويفهم من الأسطر القليلة أنه قريب للسائلة وصل مؤخرا إلى باريس للدراسة . نظرت إلى صوفي بجفاء وقلت : " كل هذه الضجة حول دعوة للعشاء إذا ؟ هل إذا عرفت أن مسيو أرمان سيتناول عندكم العشاء يلحقك ذل ، وتضيع فرصتك الوحيدة فى السعادة ؟ " ثم قرأت الخطاب بصوت عال وبتمهل . لم تجبنى . بل كانت تجلس ويدها تحجب وجهها وكل الألم باد عليه أخذت الخطاب التالي ، إنه مسيو أرمان يكتب ليشكرهم على العشاء ، لقد كان لذيذا وكان شكره عظيما صادرا من فتى ريفى لم يتعود ضبط النفس . وجدت بعض الكلمات تتكرر بشكل واضح ، فحاولت حل رموزها ، ولكني وجدت بعض الخطأ من الوجهة الفرنسية ، فقرأت غيرها لعلى أجد ما يفيدنى . وكنت أثناء ذلك أقرأ بعض الجمل بصوت مرتفع لعلى أفزع صوفى فأضطرها إلى الاعتراف ، غير أن هيئتها لم
تتغير . ثم بدأت أقارن بين الخطابات ، فكلها بنفس الخط والامضاء " أرمان " وهى تعطى صورة لفتى عاش فى باريس السنتين السابقتين للحرب ، وتعد سجلا للحوادث من زيارة المتاحف ودور التمثيل إلى الامتحانات والجوائز والمسابقات . إذا كان لهذه الجمل معنى خاص فياله من اكتشاف ، ولكن كيف لم يمر خطاب منها فى باريس ؟ وبدأت أشك فى تقديرى ، فقرأت غيرها ثم رجعت فجأة إلى الأول وقارنت بعضها بالبعض ، بدأت أخاف من أن تكون هذه الخطابات حقيقية . ولاحظت الأسلوب يتغير بكل بطء ولكن بوضوح ، بدأت أشهد تقدم مسيو أرمان من فتي ريفى إلى مدنى يفقد شيئا فشيئا الارتباك ويصقل برقة باريس . فالشكر لا يتدفق ولا هو يحملق بإعجاب فى رشاقة السيدات . وبالاختصار لقد بدأ مسيو أرمان يملك زمام نفسه . إنها خطابات حقيقية ، ولكنها لم تكن غرامية . نظرت إلى صوفى متحيرا ! لماذا كان كل هذا المنع لفتحى الصندوق ؟ إن المكاتبات تسجل بدء معرفة ، ثم نموا مطردا للصداقة بين فتى وفتاة ، لا شىء غير ذلك . ربما كانت تنتهى بالزواج ، ولكن لم يكن هناك أى إشارة إلى هذا . كنت لا أزال متحيرا بينما رفع الضابط نفسه من المتكأ ومشى إلى صوفى ، وكان يتوكأ والألم ظاهر على وجهه ، فلم أشك فى صحة جرحه ، لقد كان حقيقيا كالخطابات ، انحنى على صوفى وبكل رقة رفع يدها عن وجهها وقال : " صوفي ؛ لم أتجرأ أن أفكر فى أنك احتفظت لى بهذه المكانة من نفسك ، وكنت أقول من زمن ما أقوله الآن . إنى أرجو إذنك بالتقدم إلى مدام فيلاتانوز لأطلب يدك للزواج ! فى ثانية واحدة انهار بيتى الزجاجى كان الضابط مسيو أرمان . لقد احتفظت بكل ما كتب أرمان كعادة السيدات ، ولكن دون علمه . كان يجب ألا يعرف ، فكبرياؤها تمنعها من
إظهار هذا السر ، لأنها كانت هى العاشقة . أما هو فلم يكن إلا الصديق ، حتى الكلمة التى ألقاها كانت تحوى كثيرا من الرسميات وقليلا من الحرارة ، ففهمت جيدا كيف أنى أذللتها كثيرا . ولتجيب مسيو أرمان رفعت رأسها ببطء وقالت : " إنك تريد أن تزيل عنى الخجل . إني اشكرك كثيرا ، ولكنك قلت ما قلت بسبب هذه الخطابات " فقال لها : " كلا ! " ولكنها أجابت بحزم : " لو أن هذا السيد لم يفتح الصندوق فربما كنت تقول ما قلت الآن ، وعندئذ أكون نلت السعادة الحقة . أما الآن فسأشعر دائما أن الخطابات هى الحافزة لك على ما قلت " ثم انحنى لها مسيو أرمان .
لقد أضعت عليها فرصة السعادة . إن الصداقة التى بينهما ربما انتهت بالزواج لو تركت لنفسها ، ولكنى لم أتركها ، فقلت لها : " سيدتي إني آسف " التفتت إلى وقالت : " يا سيدي لقد حذرتك لقد ضاع الآن وقت الندم "
وبينما أنا واقف لا أعرف ماذا أفعل قالت بكل رقة : " ألا تذهب يا سيدى ؟ " .
خرجت من الغرفة ومشيت فى الظلام مع الحراس ، ولكنى لم أفكر فى أى خطر يقابلنى ، فالندم قد تملكنى . لقد سلكت مسلكا ليس فيه بطولة ولا شرف ، بل ولا أى خلق كريم . لم أستطع أن أعرف الصدق حينما صرخ فى وجهى ، ولا الأمانة حينما تراءت لى من عينى الفتاة السوداوين ، إنى أفكر بأمل حائر ! هل كان الزمن بعد ذلك كفيلا بإصلاح ما أفسدت ؟ وحتى لو عرفت فانى سأذكر وأنا فى غاية الندم ليلة العيد هذه .
ترك الكولونيل بقية السيجارة يقع من يده وقال وهو ينظر فى الساعة : " أرى أنا تأخرنا عن ميعاد الأوبرا " .

