الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 631 الرجوع إلى "الثقافة"

الصين الشيوعية

Share

-١-

منذ عهد غير بعيد خلصت الصين " لماوتسي تونج " الزعيم الشيوعي ، واضطرت حكومة " تشيانج كاي تشك " إلى الالتجاء لجزيرة فرموزا في انتظار ما يمكن أن تتمخض عنه أحداث المستقبل ، وما أكثر ما تتابع الأحداث في الصين ، وما أكثر ما تختلف فتبني نظاماً أو تهدم آخر . ولقد سارع فريق من الدول فيه بريطانيا وفيه الهند إلي الاعتراف بالوضع الجديد في الصين ، وضن فريق آخر على الصين " الحمراء " يمثل هذا الاعتراف ، وأصر على أن حكومة فرموزا لا تزال تمثل الصين جميعاً ، وإن كانت تعيش بعيداً عن الأم الكبري الواسعة الأرجاء . وكانت أمريكا على رأس هذا الفريق ، واستطاعت بنفوذها في دوائر " ليك سكس " أن تحول بين الصين الجديدة وهيئة الأمم المتحدة حتى الآن ، وأن تحتفظ لمندوبي حكومة فرموزا بحق تمثيل الصين في هيئة الأمم وما يتفرع عنها من مجالس ولجان .

وأمل من الأنسب قبل أن نناقش موقف الولايات المتحدة . وهل هي على حق أم على باطل ؟ وقبل أن نحكم على الصين هل " احمرت " فعلا وهي البلاد الصفراء أم أن حمرتها ليست سوى حمرة سطحية لن تلبث أن تزول ؛ وقبل أن نستخلص نتائج نبني عليها المستقبل السياسي للصين وكيف سيتشكل ؛ لعل من

الأنسب قبل هذا كله أن نستعرض قصة الشيوعية في الصين . وأن نتبع الأدوار التي وصلت بتلك البلاد العريقة في مدنيتها إلى حالتها الراهنة ؛ فإن في فصول تلك القصة مواقف وأحداثاً تلقي ضوءا واضحاً على ما يمكن أن تنتهى به الرواية . لنرجع إلى الوراء أربعين عاماً ، حينما انتهى حكم أسرة مانشو في سنة ١٩١١ ، وأصبحت الصين جمهورية نتيجة للكفاح الذي قام به أبو الصين الحديثة " صن يات صن " Sun YAT Sen الذي لم يتول رأسه الجمهورية كما كان منتظرا ، بل تولاها لسوء الحظ زعيم وصولي هو " يوان شيه كاي "Yuan shih Kai

هدف " يوان " إلى خدمة مصالحه الشخصية بدلاً من أن يخدم مصالح الوطن في عهده الجديد ، وعمل على استعادة المظاهر الإمبراطورية ، حتى لأوشك أن يكون هو الإمبراطور ، وتنكر للمباديء التي قام عليها حزب الكومنتانج Kuomintang بزعامة من صن يات صن ، والتي تهدف إلى خلق دولة ديموقراطية برجوازية على النظام الأوربي . وترتب على هذا كله أن قامت الثورة من جديد ، وكان هذا هو بداية الحرب الأهلية التي استمرت في الصين ولما تلته بعد . وساعد على انتشار الثورة ضعف الحكومة المركزية ، وقوة حكام الأقاليم وهم شبه مستقلين ، ولكل منهم جيش خاص يعمل

بأمره وتحت قيادته ، وكلهم من هواة الحرب أو محترفيها .

وفي وسط هذا الاضطراب الشامل توفي بوان في يونيه سنة ١٩١٦ . وكانت فرصة لأن تنازع الحكام في الأقاليم على السلطة والنفوذ ، وكان أكثرهم جاها ثلاثة هم : " وو باي فو " fu.  Wu .Pei حاكم تشيلي " وتشانج  تسولن " Chang Tso Line حاكم منشوريا ثم فنج  يوهسيانج  fang yuhsiang حاكم شانسي وكلهم من  حكام الشمال . وبينما كان هؤلاء على تنازعهم حتى إن "فنج" اتجه إلي موسكو واتجه تشيانج إلى طوكيو ، كان حزب الكومنتانج بزعامة صن بات صن في الجنوب يعمل من مقره في " كانتون " على توحيد الصين على أساس المبادئ التي قام عليها . وقد انتخب صن فعلاً رئيساً للجمهورية في سنة ١٩٢١ ، ولكنه صادف كثيراً من المصاعب سببها حكام الأقاليم ، مما اضطره إلى الاستعانة بالخارج ، وكان هذا الخارج هو روسيا التي كانت قد تحولت إلي الشيوعية ؛ فوجد منها العون الكامل والمساعدة الشاملة .

وفي سبتمبر سنة ١٩٢٣ أرسلت موسكو " ميخائيل بورودن " Boro-din ليكون مستنشاراً لحزب الكومنتانج وكان هذا فاتحة تعاون روسي صيني استمر مدة أربعة أعوام أرسلت روسيا فيها بعثات عسكرية لتنظيم الجيش الوطني الجديد في الصين ، كما أعيد تنظيم حزب الكومنتانج على أسس تشبه إلى حد كبر الأسس التي يقوم عليها الحزب الشيوعي في روسيا . حتى لقد صرح للشيوعيين الصينيين بالانضمام إليه . ومن ثم بدأ النزاع الداخلي في حزب الكومنتانج الذي أصبح يضم عناصر برجوازية ديموقراطية ، وعناصر يسارية متطرفة ، ولقد انتهى هذا النزاع بكارثة سوف نفصل الحديث عنها فيما بعد .

وبعد وفاة صن يات صن في إبريل سنة ١٩٢٤ استطاع تشيانج كاي تشك أن يستولى على السلطة بمساعدة بورودن مد فترة من القلاقل والاضطرابات ، وبدأ حملة من الجنوب تهدف إلى غزو الشمال لخلق " صين موحدة " وقد استطاعت هذه العناصر الجنوبية أن تستولى في سنة ١٩٢٧ على حوض يإنج تسي ومنطقة شغهاي ، ولكن التعاون بين تشيانج وبورودن لم يستمر طويلاً ، وأخذ كل منهما يعمل لخدمة مصالح خاصة حتى اضطر بورودن أن يعود إلي روسيا

في النهاية بعد أن فشل في منع تشيانج من اضطهاد الشيوعيين ومحاولة تطوير حزب الكومنتانج من عناصرهم . كذلك اضطر تشيانج من جهة اخري أن يعتزل المسرح بعد أن تأهب عليه كثير من عناصر حزبه لانحرافه عن الأهداف الأساسية للحزب ونزعمت هذا الفريق الثائر مدام صن يات صن - وهي شقيقة زوجته - ولكن اعتزال تشيانج لم يدم طويلا إذ عاد إلى الميدان في أوائل سنة ١٩٢٨ ويمكن من اقامة دكتاتورية فردية في نانكين ، واستمر في اضطهاد الشيوعيين بل وأغلق القنصليات السوفيتية ووجه الجيش الوطني لغزو ( بينج ) وكان يحكمها ( تشانج تسوان ) حاكم منشوريا الذي اضطر أمام هجوم الجيش الوطني وعملاً بنصيحة اليابان إلى التراجع إلى " لكون " ولكن قنبلة انفجرت في طريقه فقضت عليه ، وخلفه ابنه Chang Sueh- Liang " تشانج سويه ليانج " وخلصت بيننج الجيوش الوطنية ، وظهرت الصين كأنما قد توحدت تحت حكم الكومنتانج بزعامة تشيانج كاي تشك الذي اخذ عاصمته في نانكين .

كانت هذه الوحدة مظهرية فقط ، فقد عملت حكومة الكومنتانج على تسريح الجيوش الاقليمية والانتقاص من سلطة حكام الأقاليم ، ولكن كل جهودها في هذا السبيل ذهبت أدراج الرياح ، وترتب على هذا فترة من الفوضى والاضطراب حتى لفد تزعزع مركز حكومة نانكين ولم تأت سنة ١٩٣٠ حتى كانت الفوضى قد انقلبت الى حرب أهلية واسعة النطاق ، يقف فيها تشيانج كاي تشك في ناحية ويقف حكام الشمال بزعامة " تنج " و " بن " ناحية أخرى . وتعاون " شانج سويه ليانج " مع تشيانج كاي تشك في القضاء على تنج وبن ، ولكن شانج سويه ليانج لم يستمر بلعب دوره على المسرح إلا لفترة قصيرة ، إذ استطاعت اليابان أن تحتل مقشوريا التي كان يحكمها في سنة ١٩٣١ وأن تنشئ فيها دولة حديثة هي منشوكو في سنة ١٩٣٢ . وكان هذا هو بداية النزاع الصيني الياباني الذي كان له أثر كبير في تعطيل وحدة البلاد ، ومع أن الصين نجحت في المقاومة السلبية لليابان فقاطعت تجارتها وكانت من قبل سوقا رائجة لهذه التجارة ، إلا أنها لم تستطع أن تقف أمام جحاقل اليابان القوية . وكان اهتمام تشيانج كاي تشك بالاحتفاظ بكرسي الحكم أكثر من اهتمامه بمقاومة الغزو

الياباني ، وفي سبيل هذه الغاية استأنف العلاقات السياسية مع الاتحاد السوفيتي . ولكن عهد التعاون السوفيتي مع الكومنتانج كان قد انتهى إلى لا عودة . وكان موقف تشيانج السلبي تجاء الغزو الياباني سببا لقيام المظاهرات الواسعة تنادي بإعلان الحرب على طوكيو في ربيع سنة ١٩٣٦ . وبلغت هذه الحركة ذروتها حينما آزرها بعض حكام الجنوب ، ولكن ذهب تشيانج تدخل في المشكلة فحلها عن طريق الرشوة وبذل المال .

ولم يمض وقت طويل حتى اختطف تشيانج كاي تشك عند زيارته " سيان فو " في مقاطعة شني ؛ اختطفه حليفة القديم شانج سويه ليانج في ديسمبر سنة ١٩٣٦ ، ولم يخل سبيله ويطلق سراحه إلا حين تعهد بأن يوقف الحرب ضد الصين الحمراء ، وأن يعمل على تكوين حبهة متحدة تناوئ اليابان . وأن يتعاون مع حكام الأقاليم في سبيل تحقيق هذه الغاية . وخشيت اليابان من هذه الاتجاهات الجديدة في السياسة الصينية ، وخشيت أن تؤدي في النهاية إلى وحدة الصين . الأمر الذي لا يسر البابان . ولذلك سارعت بشن هجوم جديد على الصين في يوليه سنة ١٩٣٧ ، واستمرت هذه الحرب حتى أصبحت فيما بعد جزءا من الحرب العالمية الثانية .

ومع أن الحرب أصابت الصين بخسائر جسيمة في الأرواح والأموال إلا أنها لم تخل من جانب طيب له قيمته وخطره . فقد كانت سببا في تعاون جديد بين الكومنتانج والشيوعيين ، واستطاعت الصين أن تؤلف جيشاً شعبياً

متحداً ؛ هذا فضلاً عن تأثيرها في نمو التعاون الصناعي ، وتقدم الزراعة في الأجزاء الداخلية من الصين .

وبالرغم من أن اليابان قد استولت على المدن الساحلية وتمت لها السيطرة على معظم جهات حوض اليانج تسي ، فلم تتمكن من التوغل كثيرا في الداخل واستفادت الصين من ظروفها الجغرافية المختلفة فلجأت إلى خطة " الدفاع العميق " التى أشرنا إليها في مقال سابق ، ومن ثم استطاع تشيانج كاي تشك بتعاونه مع الشيوعيين أن يحتفظ بالجزء الاكبر من الأراضي الصينية وأن يقيم حكومة في تشونجكنج Chung king استطاعت أن تقف طويلاً أمام الغزو الياباني حتى انتهت الحرب العالية وهزمت البابان . وخرجت الصين وهي معتبرة إحدي الدول العظمى الخمس التي لها الزعامة في هيئة الأمم وفي تقرير مصير العالم .

ولكن ظاهر المسألة كان يختلف كثيراً عما يجري وراء الستار ؛ وكانت بذرة الخلاف بين الكومنتانج والشيوعيين لا تزال موجودة ، ولكن آخر نموها وترعرعها التعاون الذي فرضته ظروف الحرب الصينية واليابانية ، إلا أنها لم تلبث حتى نبتت وأسرع نموها فتطورت سياسة الصين تطوراً جديداً وأخذت الأحوال فيها تتجه وجهة اخري انتهت بسيادة الشيوعيين وقضائهم في نظام تشيانج كاي تشك . وسنفصل هذا التطور وخطواته في مقال ثان ، إذ أن فهم هذه الخطوات يعتبر الأساس الأول لفهم الأوضاع الراهنة في الصين .

اشترك في نشرتنا البريدية