الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 693الرجوع إلى "الرسالة"

الضد والنقيض، في الفلسفة المادية الثنائية

Share

تناولت في كتابي الأخير عن ابن سينا خلاصة الفلسفة  المادية الثنائية فقلت في تلخيصها إن (من قوانينها اجتماع الأضداد  فيها ريثما يتغلب ضد منها على ضده بغير انقطاع لهذه المغالبة الدائمة،  وإن الصفة الكمية فيها تتحول إلى الصفة  (الكيفية) فتنشأ  الحياة كما ينشأ العقل من هذا التحول، إما على التدريج وإما طفرة  كما يظهر بعض أنواع النبات من الأنواع الأخرى، فلا توجد  كيفية إلا وهي نتيجة التغير في الكمية، ولا توجد حالة قط  إلا وهي تنطوي على ما يتاقضها، فلا تبلغ تمامها إلا ظهر منها  النقيض الذي تنطوي عليه . . .)

وقد كانت هذه النبذة موضع ملاحظة بين بعض المشتغلين  بالمباحث الفلسفية، لأنهم وهموا أن إيراد النقيض والضد في عبارة  واحدة يدل على استخدامها بمعنى واحد. وهما مختلفان

وتصحيح هذا الوهم أن النقيض يأتي بمعنى الضد، لأن كل  نقيض لشيء من الأشياء فهو ضده بلا استثناء، ولا خطأ إذن  من الوجهة العامة في الجمع بين الكلمتين في سياق واحد، ولا  حرج من التخصيص بعد التعميم على الإجمال

نقول هذا من الوجهة العامة التي لا ترتبط بالفلسفة الثنائية  المادية أو بغيرها من الفلسفات

أما إذا رجعنا إلى مصطلحات الفلسفة المادية الثنائية فهنالك  يبدو جلياً أن أصحاب تلك الملاحظة لم يطلعوا على بحث واحد من  بحوثها المطولة في مراجعها المعتمدة؛ لأن شرائح الفلسفة المادية  الثنائية قد استخدموا في هذا الباب كل مصطلح يخطر على البال  في معنى المخالفة والمباينة

فاستخدموا معنى التناقض في كل شرح من شروحهم المطولة contradictions  أو   contrasts     واستخدموا معنى التضاد   (أو التقابل) opposites  واستخدموا معنى ( التقابل )  antisehis  واستخدموا معنى ( التغاير )  change  واستخدموا في جميع هذه الأحوال كلمة التنافي أو التناسخ  أو التناقض في أقوى معانية Negation  فمن أمثلة استخدامهم لمعنى التناقض شعارهم الذي اقتبسوه  من هيجل حيث يقول بالنص الإنجليزي: contradictions   is the root of all movement  and vitality  وترجمتها:   (أن التناقض هو جذر كل حركة وحيوية) ومن أمثلته قانونهم الثالث الذي يقولون فيه بالنص الإنجليزي: Each state or phase of devlopment is considered  a syathesis which resblves the contradictions contained in the preceding syntheals

وترجمته: (إن كل حال أو وجه من أحوال التطور ووجوهه  يعتبر تركيبة تقرر النقائض المطوية في التركيبة السابقة)

ومن أمثلة استخدامهم لمعنى التضاد قانونهم الأول الذي نصه بالانجليزية the law of the unity and conflicl of  opposites  وترجمته:   (قانون الاتحاد والتنازع في الأضداد) ومن أمثلته قول لينين في شرح هيجل بنصه الإنجليزي: Develotment is in fact the conflict of opposites  وترجمته:   (إن التطور في الواقع إنما هو التنازع بين الأضداد) ومن أمثلة استخدامهم لمعنى التقابل قول كارل ماركس في  شرح نشأة رأس المال: the synthesis negates and overeomes both the  thesis and also the antithesis  وترجمته: (إن المركب ينقض المقرر كما ينقض ما يقابله  ويتغلب عليهما)

ومن أمثلة استخدامهم لمعنى المغايرة كلام الفيلسوف الشيوعي   بلخانوف pekhanov  فى شرح هيجل:   (إن الثنائية هي تغاير  أبدي في الصور) Eternal change of forms

أما التنافي أو التناسخ أو التناقض، فأكثر من أن يؤتى له  بشاهد أو بضعة شواهد، وحسبك منه نص القانون الثالث،  وهو قانون نفي النفي أو نسخ النسخ أو نقض النقض كما يسمونه:   the negation of negation ولا يخلو مبحث واحد من مباحث  شراحهم من تكرار هذه الكلمة عشرات المرات في كل سياق فنحن قد لخصنا مذهب القوم بعباراته، ولم تأت بكلمة  من عندنا في معناها اللغوي أو معناها المنطقي أو اصطلاحها الفلسفي  الذي أرادوه، وقد ذكرنا النقائض والأضداد لأنهم أكثروا  من ذكرها في أمهات كتبهم ومطولات شروحهم، ولم يدعوا  لوناً من ألوانها في التعبير الفلسفي والتعبير اللغوي إلا ذكروه  وكرروه

ولم يخطئ القوم في استخدام هذه المصطلحات، أنها تلزمهم  جميعاً في مواضعها وتفيدهم في تفسير أطوار المادة وأطوار المجتمع  الاقتصادية على اختلافها وتعاقب مظاهرها وصفحاتها

ولكنهم إذا استغنوا عن بعض هذه المصطلحات فهم أحوج

ما يكونون إلى مصطلحين منها، وهما النقائض والأضداد فلا يخفى أن مذهب القوم يدور على الحتم واللزوم، وقد سماه  بعضهم بالحتمية المادية أو material derminism  لأنه  لا يسمح بفكرة المشيئة الإلهية التي تقضي بالإرادة والاختيار  في تدبير هذا العالم

فالحالة المادية تخرج نقيضها على سبيل الحتم واللزوم لا على  سبيل المشيئة والتدبير، ولهذا وجب عندهم أن تخرج نقيضاً واحداً  لا اختيار فيه، ولو كانت تخرج شيئاً في طبيعية الأضداد المتعددة  لاقتضى ذلك مشيئة تميز بين الأضداد وترجح بعضها على بعض  في التطور من حال إلى حال. ولا يخفى أن الشيء قد تكون له  أضداد كثيرة غير أضداد التقابل ولا يكون له غير نقيض واحد  ليس يقبل التعدد والتكرار

فذكر النقيض في مذهبهم لازم على قدر ما في هذا المذهب  من الحتم واللزوم

أما الأضداد فلزومها عندهم أن الحالة اللاحقة تنقض الحالة  السابقة، ولكن السابقة لا تنقض اللاحقة ولا تبطلها ولا تنفيها.  فهي مضادة لها وليست ناقضة لها أو واقفة عندها موقف النقيض  من النقيض

ومثال ذلك في مذهب القوم أن طور الصناعات البخارية  ينقض طور الصناعات اليدوية لأنها تأتي بعدها. ولكن الصناعات  اليدوية لا تنقض الصناعات البخارية التي تعقبها، وكذلك عصر  المدن التجارية ينقض عصر الإقطاع، ولكن عصر الإقطاع  لا ينقض عصر المدن التجارية، وقس على ذلك جميع الأدوار في  ترتيب التطور الاقتصادي، أو ترتيب التطور في مادة الكون  على التعميم.

فإذا تعددت هذه الحالات، فالأصح أن تسمى كلها أضداداً  بعضها لبعض، لأن هذه الصفة تصدق عليها جميعاً بلا استثناء،  ولكنك لا تسمي السابق منها ناقضاً لما يأتي بعده ولا مناقضاً له  إلا في عالم العقل دون عالم الواقع الذي يفسره الماديون الثنائيون. وبعد، فهذه همسة في الآذان المفتحة، وعركة في الآذان  المغلقة، وقد يفتح العرك ما استغلق من الآذان!!

اشترك في نشرتنا البريدية