سالت أمى يوما وهي تصف لي مطلع الشمس في احد الجبال ما الشمس يا أماه ؟ فأجابت متأثره : مسكين يا بني ما أراك تفهمها أبدا ؟ فقد ولدت ضريرا ! ومسحت بيدها علي جبينى ، وأمرتها على عيني في حنان .
واضطرمت . فقد ابهجني وصفها الشمس ؛ وبين الناس وحبي إياهم ستار ، فهل أظفر برؤية الشمس مرة ! ولينقب بعد ذلك ، فحسى أن ألم إلمامة بما أجهل عن امى ، وأنعم تفصيلا بما أعرفه جملة
ونشطت مخيلتي نشاطا كبيرا ؛ وجعلت روحي المشوقة تنفض جسمي نفضا ، تبغي الهرب ، وتطلب الخلاص إلي النور . وكانت هناك الأرض التي يهفو إليها حدسي ، ويهتف هاتفها بى ؛ الأرض الناعمة بعجائب الطبيعة الحافلة بآيات الفن ، أرض الأحلام ! .
وكانوا يتحدثون كثيرا عن الليل والنهار ، وليس لي من الاثنين سوى نصيت واحد ، نهار ابدمى أو ليل أبدى - والأخير ، كما يذهبون ، هو نصيبي
و جلست في طي ظلامى ، وذهبت روحي تطوي الدنيا
الواسعة العجيبة ، وتعرضها ؛ لكن الضوء ما زال بجفوني وكنت أقعد في لولب الحياة ، كما يصعد المرء من حول الصخرة السامقة ، معصوب العينين . لكنى كنت أحس لمس الزهرة ووجنتها الحريرية ، وأرتشف من عبيرها المرحيق العطري - غير أبي كنت أحلم ، فالزهرة نفسها ، على قولهم لي ، اجمل من عبيرها ، ومن وجنتها الحريرية ، ولاحد لجمالها
وفي ذات ليلة حلمت حلما متقززا عجيبا ، خلت فيه أني أري النور . وكان النور حقا فلما تنبهت جهدت سدى في استحضار الرؤيا
في ذلك الآوان حلقت الموسيقي في سجني المظلم كالروح الحبيب ، وضفرت حول أوتارها رقيق الزهر ، من خمائل الشعر ، أكاليل .
إنها الأرض المقدسة التي أطاها الآن - إنها أرض الشوق .
وكان الملك الذي يتنقل بين العروسين - عروس الموسيقي وعروس الشعر - ويحملهما إلي ، فتاة ، اورثها عذراء السماء اسمها الأرضي
كانت مريم في مثل سني ؛ وكانت تبهج الغلام الضرير بأغانيها وانغامها ؛ فنيهت الحب والرجاء من احلامهما ، فتلفتا لأول مرة من حولهم مشرقين ، وغشيا الحياة مسلكين طاهرين
كانت مريم يتيمة الأبيون . وحين اتخذتها أمي كمربية عاهدت الله عهدا مغلظا ، ان تهيب السماء إياها ، إن أنا أبصرت ، فهب من ذلك الحين شوقي إلي الشمس ، لأنها سوف تسلبني مريم وتحرمنى أغانيها .
وكانوا إثر ذلك كثيرا ما يتحدثون عن طبيب ، أمثلوا من فنه النفع لي - فتنازعني من ثم شعوران : حبي للشمس وحبي لمريم ، وكانا متعادلين ، يستوليان على قلبي قوتين
متكافئين - واقتادوني إلي الطبيب وكادوا عنوة يسوقونني إليه ،
وأمرني بالهدوء فغلا صدري وازداد اضطرابي فقد كنت بأبواب الحياة ، وكاني أولد من جديد واحسست إذ ذاك ألما قويا بعيني ، فصرخت . فقد عاودني حلمي الذاهب . لقد رأيت النور أشعة براقة وشرزا خاطفا يتطاير لناظري ألوفا - نظرة عجلي في أغني كنوز الحياة
ثم طواني الليل السابق من جديد ، فقد عصبت عيناي ، ولم يسمح لي بدخول الحياة الجديدة إلا هونا ما ، وقليلا قليلا
لم أر ما يتخلل محيطي من أمكنة - بل كانوا يرونني بعض الأشياء ولا يزيدون ؛ ولم يك بقربنى كائن حي فيما خلا الطبيب .
وإذ أمسي في عينيه قادرا علي احتمال العظيم قادني إلي الليل ، فإذا فوق رأسي صور من الانجم تتلألأ في البعيد الذي لا يضال ولا يسير ، وإذا بى تحت آلاف العوالم المؤلفة كالمنتشي ، أدرك الخالق ولا أنطق باسمه - تنهض أمامى خرائب قديمة من ارض سابقة ، هي الجبال ، معتمة غليظلة . مغمدة في جوف الليل ؛ ومن حول أطرافها تتنافس الأضواء في جو صاف جفته الغيوم . وغابات مستقرة في الأعماق يسدل عليها الظلام ستارة إلي الأقدام ، وتهز أعاليها الحالكة هزا خفيفا . وكان الطبيب إني جانبي جادا هادئا ، وعلي بعد خطوات منا يتحرك شيء كالشبح المقنع فصليت
وبغتة تبذل المنظر ؛ ففوق الجبال تلوح أشباح تصعد إلي السماء ، وفي قلب السماء تشحب نجوم من خوف الأشباح ، ومن خلقى تنكشف مرآة - محيط من النور .
فارتعبت ، فقد خلت الله يقبل علي
وتنافل علي الأرض الضباب وطواها في رفق ؛ لكن الأطياف التي كانت تصعد إلي السماء كانت تمعن في الصعود والأنجم الزهر لم تلبث أن انطفأت ، فطلعت على اثرها ورود من العسجد من خلف الجبال تلاحقها في السماء الزرقاء ، وأزهر في الجو ربيع ، من مس ساحر . يزداد بهاء ؛ وزخر لناظري محيط كامل ، واندلع لهيب إثر لهيب في فيوض السماء
وفوق غابة الصنوبر طلعت الشمس الأبدية عالما ملتهبا ، تضئ في آلاف أشعتها من جديد .
فدفعت عن عيني بيدي ، وخررت صريعا علي الارض .
حين استيقظت كان إله الأرض يملأ القضاء ، وكانت العروس المجلوة قد حسرت قناعها وكشفت عن فتنتها الكبرى لعينى الإله .
في كل مكان حولي قداسة الربيع في الجبال و المروج كالحلم اللذيذ - ونجوم السماء هبطت على الأرض زهورا تضئ قلب الكلا ؛ وبحر النور يتفجر على الخليفة من ألف عين وعين ؛ تتصاعد فيه الألوان كالأرواح . كل يزخر بالحب والحياة في الأشجار ثمار وأكاليل زهراء ومن حول التلال والحبال عبير تعبق به الأجواء ؛ وفي الكروم لآلي نلهب ؛ وفي الجو أزهار تطير وتتراوح ، بيد انها فراش ، ومن الأف الحناجر غناء صاخب هاتف يرتفع بالحمد والثناء وعين الإله في محيطه اللانهائي تنظر وتطل من المؤلؤة المستقرة في كم الزهرة .
وجرؤت على التفكير في الأيدي
وعلى حين غفلة طرق صوت سمعي من خلفي وأزيحت أستار أخري عن وجه الحياة - فالتفت ورائي عجلا - ولأول مرة ! أشهد أمي دامعة العينين
أيها الليل ! أيها الليل عد فما بت أحتمل كل هذا الضياء وكل هذا الحب

