الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 231 الرجوع إلى "الثقافة"

الضمير، ووصايته على الحياة

Share

كل مذاهب البر ، وحدود العدالة ، ومرافق الرحمة ، ومواضعات الفضيلة في المجتمعات الإنسانية الراقية والمنحطة إنما هي آثار من آثار الضمير الإنساني الذي هو نبع عميق يستمد من فيوض الله الذي اقام الجبال أو تادا والضفاف سدودا للمياه  ان تطغي وتملأ الأرض بدون نظام موزون ، وجعل بين المواد والقوي العمياء حدودا لحفظ الحياة ، ونسق الجمال .

وقد جعل للحياة الإنسانية الاجتماعية حدودا كذلك بحراسة الضمير . ولئن زعموا أن أصل الإنسان وحشي منحط بغير ضمير ، وان هذا الضمير تاريخه حديث في حياته ، وانه

نشأ من ضغط الحوادث المؤلمة عليه ، ومن تفاديه ما ثبت أن به مضرة له بعد ارتضاه حياة الجماعة . . فمن الذي جعل في اخلاقه تلك القابلية وفي أعصابه تلك المرونة التي تتأثر بتلك الحوادث والأخلاق الضارة والنافعة وهواجس الخير والشر ، حتى لتكاد تلك القابلية تكون ميزانا لا يتغير ولا يتبدل في جميع الأمم الحية إلا بعض أمم تعيش على هامش الحضارة

فميزة الإنسان على غيره هي هذه القابلية في أعصابه ، والمرونة في طبيعته . وليكن مكانه من الأحياء قبل نشوء تلك القابلية فيه ما يكون من الانحطاط والوحشية . فلن يضير النخلة الفارعة المثمرة الجميلة أن يكون أصلها نواة ضئيلة محدودة ، وان يكون البعد بين جذرها القبيح وتاجها الجميل بعدا بالغا . فإن كل كائن حي أرضي لا بد له من أصل منحط في الطين ، ثم يبلغ أوج حياته بعد حين ويتأكد عندي يوما بعد يوم أن الإنسان لم يبلغ بعد

درجة نضجه  النهائية ، وان كل حقبة من حقب التاريخ تظهر جانبا خفيا من طبيعته ، وإن " القطفة الأخيرة من ثماره لا بد أن تكون هي التي تحمل جميع الأسرار التي أرادها فيه خالق  الأنواع ! فمن الإنصاف  الا نحكم عليه حكما نهائيا قبل أن يبلغ مبلغه الأخير ، وألا نفقد الأمل فيه ما دام طريق ترقبه مفتوحا امامه ، وما دامت الطبيعة تفتح صدرها له . أجل . إنه قانون طبيعي لم تتم دورته لينتج نتائجه النهائية . وإن الباكورة الأولى من ثمراته إنما كانت تلك الحساسية الدقيقة التي أطلقنا عليها اسم " الضمير وهي حساسية صادقة مرهفة تتأثر بعوامل نمو الحياة ، وتتفتح لها وتركن إليها وتحبها وتحتمي بها وتستكثر منها وتسميها " خيرا " وتتأثر بعوامل الدمار والألم والفناء وتنقبض منها وتفر منها وتدفعها وتسميها شرا "

ولا شك أن الذي وجه الأنواع كلها إلي طرف حيواتها  المختلفة ، لا يجوز أن يكون وجه حياة الإنسان إلي غير طريقها . معقول أن يستثني الإنسان وحده من بين الكائنات الأرضية ويدفعه في طريق خطأ غير طريق حياة قدرها له . فما عهدنا في الطبيعة عبثا او استثناء من قواعدها العامة إلى هذا الحد ! وفيماذا يكون الاستثناء ؟ في الإنسان الابن البكر للأرض !

لا شك إذا أن الضجر كان هو المجري الخفي لحياة الإنسانية وانه ميزان حياتها ، وانه إبرة البوصلة تهديها إلي طريقها المقدر لها ، وتتجه بها إلي قطب الحياة الأعظم !

ومهما يكن من شئ فهل أضر نشوء الضمير  حياة الإنسان أو نفعها ؟ هل كان من الممكن ان تنشأ تلك الحياة الاجتماعية السامية المعقدة العظيمة في غير ظلاله ؟ وهل قامت حضارة من الحضارات العظيمة التى اثرت في تقدم الإنسانية بغير سلطانه ؟

وهل من الممكن أن يحل شئ آخر محله في الوصاية على الحضارة والثقافة والحقوق والواجبات ؟ هل تستطيع حضارتنا هذه على قوتها وعظمتها وتعدد افانينها ان تتحرر

من سلطانه وما نشأ في أحضانه من اخلاق ثم تحيا بعد ذلك وتستمر في نمو وازدهار ؟

إن حدود الخير والشر التي تدين بها وصورهما التي تعرف إنما هي نتائج عملية تمت في خفاء في باطن النفوس الإنسانية ، فعزلت طائفة من الأخلاق والأفعال واعترفت بها ورضيتها وأسمتها الخير " أو " البر " أو " المعروف " وعزلت طائفة أخرى منها أنكرتها وكرهتها وأسمتها " الشر " أو " الإثم " أو " المنكر " ولن تجد أمة ولو  كانت متوحشة تنكر بفطرتها أصول الخير والبر التي رضيتها حضارتنا وتتألم منها ولا تستجيب لها ، وترضى أصول الشر وتسر بها وتستجيب لها بفطرتها .

نعم قد تنكر الخير والبر في خارج دائرتها الخاصة وتأبي فعله مع غيرها من الأمم وتري من الخير لذاتها والبر بها أن تفعل الشر مع الأمم الأجنبية عنها ولا تشعر بوحدة الضمير بينها وبين سواها . . ولكن هذا لا يكون إلا في تلك الجماعات الصغيرة التي لا تزال تعيش على هامش الحضارة ، ولا تزال متخلفة عن سير الحياة بالأمم العظيمة . على أن هذه الظاهرة إن وجدت في المتوحشين ، فيخيل إلي أنها سرعان ما تزول منهم إن نشأ ناشئوهم في أحضان مذاهبنا الخلقية وحضارتنا وثقافتنا . فليس إنكارهم للخير العام طبعا أصيلا في نفوسهم لا يتخلون عنه . وقد مرت جميع الأمم بذلك الدور حين كانت الفردية طابع الحياة الإنسانية . ثم تحولت الفردية والأنانية إلى غيرية وإيثار في نطاق الأسرة ثم في القبيلة ثم في الجماعة ، ثم في الأمة ثم في الإمبراطوريات واتحاد الولايات . وإذا اطردت النتائج مع مقدماتها . فستنشيء معارك السلام ومعارك هذه الحرب ضميرا عالميا أوسع وأرهف ، بعد أن وجدت مقدماته من وحدة الثقافة العلمية والفكرية والفنية أو تقاربها في الأمم ، ومن اختزال الأبعاد والمسافات بين بقاع الأرض بحيث صارت أمريكا بحالها الجديد النائي جارة لهذا العالم القديم ، ومن اهتمام الكثرة الغالبة بقضايا الإنسانية وإحاطتهم بتفصيلات

حيوات الشعوب والأجناس ، ومن اختلاط الناس في نطاق واسع ، واشتباك مصالحهم اشتباكا ليس منه فكاك .

وإني كلما رأيت تلك " التشكيلة العجيبة التي حشدتها بريطانيا في جيوشها بمصر من زنوج إفريقية وهنود آسيا وصفرها وبيضها ومن جنود أسكتلندا أو إرلندا وكندا وجنوب إفريقية مضافا إليهم تلك التشكيلة الأمريكية ، وسائر الآحلاف . . أشعر شعورا سارا متفائلا خصوصا إذا رايت الجنود الزنوج والماوري وغيرهم من أفراد الأمم التى تعيش على الفطرة إلي الآن ، يرتدون ملابس الجند الإنجليز والأمريكان ، ويتحدثون حديثهم ، ويخضعون للنظم  العسكرية خضوعهم ، ويمهرون مهارتهم في قيادة الطائرات والسيارات وسائر الآلات الدقيقة ، وقد خرجوا من ادغالهم وأكواخهم وصحاريهم و كهوفهم إلي العالم المتحضر ينظرون ويدركون ما يدرك إخوانهم السابقون في العلم والمدنية ويشاركون الرجل الأبيض أهدافه ويحاولون اللحاق به .

وإن عملية الخلط والمزج هذه التي تجريها هذه الظروف بين شعوب الأرض جميعا هي لا شك من بركات هذه الحرب الكثيرة اللعنات . . وما كان لعامل آخر في ظل التدرج والتطور أن يفعلها ما دامت هناك نزعات استعمارية ووصاية جائرة جشعة خائنة من الشعوب السابقة علي الشعوب المتخلفة

وأحسب أن هؤلاء الجنود الملونين المتخلفة أممهم لن برضوا بعد عودتهم إلى ديارهم ان يعيشوا عيشهم قبل الحرب بل لا بد أن يعلو مستواهم ومستوي أمتهم تبعا لهم . ولا بد كذلك ان يزول منهم كثير من روح سوء الظن وقبح الثقة بغيرهم من الأمم البيضاء بعد مخالطتهم إياهم ، وامتزاج دمائهم في سبيل غاية واحدة .

هذه الإنسانية تتحدث الآن جميعها عن نبأ عظيم واحد ؛ هو الحرب والمثل العليا المرجوة لحياة  الناس بعدها وعن قضايا الحق والعدل بعد ان مسها جميعا طائف من آلام الحرب وفظائعها ، وقبح اثارها . ولا بد ان يتسع

ضميرها ويجنح من القومية الضيقة والأنانية الغاشمة إلى نزعات إنسانية شاملة سامية يتجرد فيها الحق والعدل من العنعنات  والنعرات الجنسية التي طالما تقسمته وتوزعته ، وخلعت عليه من ضيقها وسفهها ما جعله حقا لدي قوم وباطلا لدى آخرين ، وما جعله يوما شرقيا واخر غريبا . هما اورث كثيرين من المفكرين شكا في وجود الحق وريبة في تحقق العدالة بمعناهما الجليل الجميل المرسوم في الصحف المأثورة وفي الفكر المثالي .

وإذا تجرد الحق والعدل من النعرات والتعصبات ووضعا في نصابهما المثالي امام الإنسانية جميعها ابيضها وأسودها وأحمرها وأصفرها . وطبقت آثارهما عليها في حراسة الضمير بدون تحيز وتمييز ، فقد وصلت الإنسانية حينئذ لفردوسها المؤقت المنشود وتفرغت لما يجب ان تتفرغ  له وحده ، وهو فتح مجاهيل الطبيعة وكشف أسرارها . وتسخير قواها لتقليل المشقة وزيادة المنفعة .

غير أن الناس لسوء ظنهم بأنفسهم ولقبح رأيهم في الإنسانية وانعدام أملهم في سمو مستقبلها لا يحاولون أن يأخذوا أحداث هذه الحرب وظواهرها اخذ دراسة وتمعن  واتعاظ بغيرها ، بل يحسبونها طبيعة من طبائع الحياة لا يمكن أن تتخلى عنها الإنسانية . ولذلك لا تحتاج لديهم إلى تفكر وتدبر للنجاة من أهوالها بقطع دابر أسبابها

وسوء ظنهم بأنفسهم وقبح رأيهم في الإنسانية أثران من آثار الماضي الجاهلي الذي كان فيه الضمير الإنساني ضيقا ، والتفكير البشري محدود الأفق ، والخلق رهين . الغرائر المنحطة ، والجهد عاجزا قاصرا عن إدراك العلوم  والأعمال الكثيرة البركات والمخففة للمشقات .

ولذلك تمنيت ولا أزال أتمني أن نتحرر من التاريخ تحررا كليا ، وأن نكون أبناء الحاضر العظيم الذي سما فيه فكرنا وجهدنا ، وانكشفت لنا فيه من الطبيعة اكثر الوجوه التي كانت مستورة غامضة ، وأدركنا اطراف جسم أمنا الأرض ، وأنواع مواليدها من الجماد والحيوان والنبات

إدراكا بالمقاييس الدقيقة والمعايير العلمية التي وزنت دقائق صنع الله وابرزتها لنا واضحة جلية .

والواقع أن الدنيا برغم كثرة المتعلمين والمتحضرين فيها لا تزال مجتمعاتها مسيرة باراء غير آراء المفكرين والعلماء المدركين لحقائق الحياة والباذلين جهودهم لتذليل العقبات وجلب المنافع . والذين يمسكون دفة المجتمعات ويديرونها هم الذين كان أمثالهم يسيطرون عليها في القديم . وأكثرهم من السماسرة والدجالين ومحبى الجاه  والمناصب للسيادة والخيلاء والانتفاع الشخصي واللعب بالشعوب وشفاء ، الحزازات والأحقاد

ولا تزال ضمائر الماضي تبث جراثيم الفساد في الحاضر ، ويبنى الجديد بانقاض القديم . وقد تتغير الصور والاشكال ولكن الجوهر باق كما هو . وقد حسب الناس انهم ما داموا قد لبسوا لبس المتحضرين ومشوا برشاقتهم وحركاتهم ، واصطنعوا ادواتهم في الزينة والرياش وطرق الاحاديث ، فقد تغيرت الدنيا وصاروا في مدنية القرن العشرين ، بينما قلوبهم وغرائزهم على ما كانت عليه قلوب قوم نوح وغرائزهم . .

وينبغي أن نفرق بين الحضارة والثقافة : فالحضارة هي العيشة الجسمية في الحضر ، وهي تكسب الأشخاص رقة ورشاقة وخبرة بمواضعات الناس الاجتماعية وزيهم وحركاتهم . ولكنها لا تكسبهم ثقافة عقلية عميقة تتصل بأصول الحياة والأراء والمذاهب والعقائد والأفكار والأخلاق والمعلومات التي يقوم عليها بناء حياة صحيحة . أما الثقافة فهي العيشة العقلية والقلبية بالمعلومات الحديثة والأفكار والإراء الصالحة . ومع الاسف لا يزال المتحكمون في الشعوب  اكثرهم متحضرون غير مثقفين . يدركون صور الحضارة وقشورها ، ولا يدركون جوهرها ولبابها ، ولا يحسون حاجات الزمن . ولا يعيشون في قمة الفكر والعلم بل لا يرونها إذ ليس لديهم أدوات النظر

فمن أين لهؤلاء الحاكمين أن يسيروا بمن تحت حكمهم من الشعوب إلي أهداف الإنسانية العليا وغاياتها المشتركة ،

وان يفقهوا لغة الحوادث ويسمعوا نداء الزمان ، ويروا تلك الخطوات المطردة التى تخطوها الإنسانية في طريقها إلي غايتها المجهولة ؟ ومن اين يقلبوا ضمائر الشعوب الضيقة الأنانية إلي ضمائر إنسانية عالمية ؟ تمهد لحياة السلام والاستقرار الدائم ؟

إن الأمل الوحيد هو في المربين الذين يتولون الناشئين في جميع الشعوب . وواجبهم ان يوقظوا ضمير كل ناشيء ، . ويوسعوا مجراه  حتى يشعر بمعني الإنسانية الحقيقي ، فلا تكون حياته المدنية طلاء ودهانا فوق جلدة فرد وحشي !

وحسب الحياة ما لقيته من كيد هؤلاء الذين لهم مساليخ الأدميين وقلوب القرود ، وما تحملته من انانيتهم وسفالاتهم التي شوهت وجهها وجعلتها مأساة دامية !

وكل يوم ، بل كل ساعة تصطدم حواس الذين لهم إخلاص الفكر والقلب بما يشوه جمال الحياة ، ويضع تحت  الاضراس حجاره قاسية من الغيظ والاضطرام والآلم الماحق لبشاشات النفوس وإيمانها بالعدالة في حياة المجتمع

وما قذف الإيمان بالإنسانية في قلوبهم ونبههم إلي قيمتها الحقيقية إلا رؤية هذه الطبائع الممسوخة . فما كانت الإنسانية لهذه المهازل والآلام والجرائم والسفالات التي تزخر بها المجتمعات الفاسدة التي يسيطر عليها من يأخذون الحياة كأخذ السباع والذئاب والكلاب والخنازير . فهم لا يفهمونها إلا علي وجه الختل والسطو والجريمه والنباح والعواء والتهويش والانحطاط

ولسنا نحلم بجنة في الأرض كاملة الأوصاف فيها ملائكة من الناس يحكمون . . ولكننا نريد بيئات تدين بمثل عليا على الأقل في الحقوق العامة - ودع عنهم الحقوق الخاصة . .

فإلي الضمير : ذلك المصباح الذي توقده يد الله دائما في ظلمات القوي العمياء التي تعج بها متاهات الحياة وحنايا الصدور ، ولن تستطيع أعتي الأعاصير ان تطفئه أو تخنق  شعاعه - إليه يجب الفرار للاعتصام من أمواج هذا الظلام

اشترك في نشرتنا البريدية