لم يكن صاحبى ساذجا ولا غليظ القلب ظاهره كهذا الضابط الفرنسى الذى اظنك رأيته فى دار من دور السينما، يأتمر مع أصحابه ليغير النظام فى فرنسا ويرد إلى العرش ابن نابليون. فبينما هو ذات يوم يمشى على رصيف من أرصفة باريس لقى رفيقا من رفاقه فى جيش الامبراطور. وكان العهد قد بعد بينهما فوقع اللقاء من نفس الرجلين موقعا حسناً، وتحدثا عن الجيش وعن الامبراطور، وتحدثا عن أمس وعن غد، ولم يكرها أن يذما يومهما ويسرفا فى ذمه. ثم ذهب الصديقان إلى حيث كان الضابط يقيم ليتحدثا فى حرية وأمن ودعه، وأخذ الضابط يحدث صاحبه عن أصدقائهما وما يأتمرون به، ثم مازال الحديث ينتقل بهما من موضوع إلى موضوع حتى عرف الضابط ان صديقه لم يقم على عهد الامبراطور، وانما آثر لين الحياة فعمل فى جيش الملك. هنالك لم يستطع الضابط أن يلوم صاحبه ولا أن يعاتبه، ولا أن يناقشه فى شئ، ولم يزد أن أطفاً المصباح حتى لا يرى وجه هذا الصديق الخائن وفهم الرجل عن صديقه فأنصرف عنه خزيان أسفا.
لم يكن صاحبى ساذجا غليظ القلب طاهره كهذا الضابط الفرنسى، وإنما كان رجلا مترفا لا فى حياته المادية، بل فى حياته المعنوية خاصة. كان مترف العقل جداً لا يكتفى بظواهر الأشياء ولا يقنع بحقائقها، وإنما يبغي شيئا أرقى من الظواهر وأعمق من الحقائق كأنه اللب والخلاصة لكل شئ. وهو أنا وصل الى هذه الخلاصة وذلك اللب ولم يقنع بهما وانما تخير منهما انقاهما وأرقاهما وأشدهما ملائمة للعقل الممتاز، والذوق الرفيع، والشعور الراقى، والنفس الأبية العالية. وكان صاحبى هذا قوى الحس جدا، ولكنه كان شديد الازدراء للحس، يضعه فى موضعه الطبيعى فلا يكبره ولا يغلو فى العناية به، ولا ينتظر منه الا ما ينتظر فى الاداة التى لا يراد منها الا ان تؤدى للعمل الذى هيئت له، فهو لا يريد من حسه الا ان ينقل اليه صورة الحياة الخارجية، فإذا نقلها اليه شغل بها فحقق ودقق، ومحص وصفى، وآثر نفسه
بخلاصة ما ينتهى إليه التحقيق والتدقيق والتمحيص والتصفية، فغذى به عقله وقلبه وشعوره؛ وفكر فيه فأطال التفكير، واستخرج منه اقصى ما يستطيع استخراجه من اللذة والألم، ومن العبرة والعظمة، ومن الغبطة والحزن.
وكان صاحبى هذا بحكم هذا المزاج الخاص معقدا شديد التعقيد متعبا لنفسه ولأصحابه وأصدقائه جميعا، وكان كثيرا ما يسأل نفسه عما يريد فلا يجد لهذا السؤال جوابا. وكان أصدقاؤه يسألونه عما يريد فلا يجدون لهذا السؤال جوابا. فلما استيأسوا منه اخذوا يسألون أنفسهم عما يريد فلم يجدوا لهذا السؤال جوابا. فقبلوه على علاته، وأحبوه على ما فى صحبته من مشقة وتعقيد. وكانت حياته وحياة أصحابه هينة لينة مستقيمة تمضى فى طريق لا عوج فيها ولا التواء، كما كانت حياة الناس كلهم فى بعض أوقات الأمن والدعة والهدوء، فكان راضيا عن أصحابه، وكان أصحابه راضين عنه. وكان ما يعرض له ولهم من مصاعب الحياة ومشكلاتها لا يزيد على ان يكشفها لهم فيحببه إليهم، ويكشفهم له فيحببهم إليه. ولكن هدوء الحياة ودعتها واضطراد الامن فيها واستقامة الطرق لسالكيها ليست أمور محتومة مقضية للناس أو مقضية عليهم، قد أخذوا بها عهدا على الظروف والايام. وإنما هى أمور ممكنة تتاح حينا وتمتنع أحيانا، تتاح فيسعد الناس، وتمتنع فيشقى الناس. تتح فيجهل بعض الناس بعضا، ويحب بعض الناس بعضا، ويطمئن الناس إلى بعض، لان ظروف الحياة لا تكرههم على ان يدفق بعضهم فى امتحان بعض، ويحقق بعضهم فى ابتلاء بعض. ثم تمتنع فإذا الناس يتعارفون، ولا يلبثون ان يتعارفوا حتى يتناكروا ويتدابروا. ويقوم الشك منهم مقام اليقين، ويقوم الحذر منهم مقام الاطمئنان، وتقوم التفرق منهم مقام الصراحة، ويقوم البغض منهم مقام الحب، وإذا هم يندمون على جهلهم القديم، وإذا هم يحزنون على اطمئنانهم لماضى، وإذا هم يتمنون لو رد الله عليهم تلك الأيام الحلوة التى كانوا يستمتعون فيها بلذة الجهل وحلاوة الغفلة ونعيم الثقة، وأعفاهم من هذه الأيام التى يشقون فيها بألم المعرفة ومرارة الفطنة وبؤس الشك.
وكان صاحبى قد فتح لنفسه الأبواب كلها على مصاريعها كلها ليتلقى كل شئ من كل شئ ومن كل أنسان. ثم ليسعد بهذه التصفية والتنقية، وبهذا التمحيص والتحقيق، وبتخير الثمرات من كل ما كان يجتمع له من الجد والردى فلما نكرت الأيام لم يغلق من أبواب نفسه بابا، وإنما نظر فاذا النفوس تغلق من دونه نفسا
فنفسا، وإذا أبوابها تغلق من دونه بابا فبابا. إذا ما كان يجتمع له من الملاحظات شيئا فشيئا، ويندر حتى كاد لا يصبح شيئا.
وإذا ما بقى من هذه النفوس القليلة التى ثبتت للمحن، وامتنعت على الخطوب، وأبت أن تلين قناتها للاحداث، قد أخذ يغشاها من حين الى حين لون رقيق جدا من الحياء، ثم من الغلو فى الحياء، ثم من الأشفاق، ثم من الاسراف فى الأشفاق، ثم يتكاثف اللون ويتكاثف، وتضاف طبقات منه إلى طبقات حتى يصبح احتياطيا وحذرا، وحتى يستحيل الى حجاب كثيف صفيق لا تنفذ من دونه نفس الى نفس، ولا ينتهى من دونه قلب إلى قلب، ولا يتحدث من دونه ضمير إلى ضمير، وإذا صاحبى يلقى أصحابه فلا يلقى منهم إلا وجوها، ويصافح أصحابه فلا يصافح منهم إلا ايديا، ويحدث أصحابه فلا يكون بينه وبينهم الا حركات الألسنة فى الأفواه، وخروج الألفاظ من الشفاه، وانتهاء الأصوات إلى الآذان، ثم وقوفها دون هذه الأبواب التى قد غلقت تغليقا، وهذه الأستار التى قد اسدلت إسدالا، على انه أيضا لم يكن أقل من أصحابه واحبائه تغليقا لأبواب نفسه، والقاء للحجب والأستار بينه وبينهم، فقد آذاه ما رأى منهم كما آذاهم ما رأوا منه، فكان هذا الحياء الذى كان منهم، ثم أخذ هذا الحياء يتعقد فى نفسه كما كان يتعقد فى نفوسهم حتى أصبح اشفاقا ثم شكا ثم احتياطا وحذرا. ولكن حياء صاحبى لم يكن كحياء أصدقائه، كانوا يستحون منه وكان يستحى لهم، كانوا يشفقون منه وكان يشفق عليهم. كان يحذرون منه وكان يحذر عليهم، ولكنه الحياء والإشفاق والحذر على كل حال. ولكنه تغليق الأبواب والقاء الأستار والحجب على كل حال. ولكنه انقطاع الاسباب وفساد الصلات على كل حال. ولكنها العزلة بين قوم لم يكونوا يستطيعون ان يعتزل بعضهم بعضا، والفرقة بين قوم لم يكونوا يستطيعون ان ينعموا بالفراق، ولكنه الرياء بين قوم لم يكونوا يحتملون الرياء، ولكنه هذا الألم الممض الذى ينشأ عن الفراق والناس مجتموعون، وعن البعد والناس متقاربون، وعن القطيعة والناس متواصلون. ولكنه العذاب الذى يجده الناس حين يتحدثون بالسنتهم لا بقلوبهم، وحين يسمعون بآذانهم لا بنفوسهم، وحين تتصافح أيديهم وتتباعد بين ضمائرهم ونياتهم الآماد، إلا من ألف منهم هذه الحياة واطمأن إليها ووجد فيها مثل ما كان يجد فى تلك الحياة من اللذة والراحة والنعيم لأنه فارق أصدقاء فوجد مكانهم أصدقاء آخرين، ونأى عن أحياء فاستقر فى أحياء آخرين.
هنالك نظر صاحبى إلى نفسه، فإذا هو قد اصبح اداة من الادوات تسعى مع النهار وتعود مع الليل، تلقى الناس فتتحدث إليهم وتسمع منهم دون أن تعقل ما يصدر عنها أو تذوق ما يصدر اليها من حديث. أداة تذهب وتجئ تتلقى آثاراً من أدوات مثلها، وتحدث آثارا فى أدوات مثلها، ولكنها آثار ظاهرة آلية لا قوام لها ولا لذة فيها ولا اثر للحياة القوية العاقلة المفكرة فى مظاهرها، وانما هى أداة ممثلة لا اكثر ولا أقل. تعمل مع أدوات ممثلة لا أكثر ولا أقل. وكانت لصاحبى بقية من قوة فى النفس، وفضل من حياة فى الضمير، وأثر من حزم فى الارادة، وقليل من ذلك الترف العقلى الذى كان يستمتع به ايام كان الناس ناسا، وحين كانت الحياة حياة، فاكبر ما انتهت اليه اموره وامور أصحابه من هذه الصفة التى يجحد فيها الرجل نفسه ولا يؤمن فيها الا بغيره. أكبر ذلك وضاق به وأزمع أن يعتزل هذه البيئة التى لا يستطيع أن يكون فيها الا اداة مسخرة.
ولكنه اعتزلها ولم يعتزلها , قر فى داره وعاش بينأهله , لم يسع الى أحده ولم يفكر فى لقاء أحد ، وكان يظن أن هذه العزلة ستغنيه وتحميه وترد اليه نفسه بريئة من النفاق معصومة من الفساد ولكنه لم يلبث أن أستيقن انه لم يصنع شيئا . فهو يعتزل الناس ولكن الناس لا يعتزلونه , يعرض عنهم فيقلون عليه , يقعد عنهم فيسعون اليه , يكف عنهم حياءه لهم واشفاقه عليهم فيحملون اليه حياءهم منه ، واشفاقهم منه , ويغلون فى ذلك يحسبون أنهم يخدعونه عن أنفسهم , أو يحسبون أنهم يخدعرن أنفسهم عن انفسهم . فلما استيأس صاحبى من نفع هذه العزلة , واستقن أن لا أمل له فى أن يظفر بنفسه صافية وقلبه طاهرا , وضميره حيا ، الا ان ترك البيئة كلها وهاجر من أرض الى أرض , وارتحل عن وطن الى وطن , أسر ذلك فى نفسه وأظهر لنا معشر أصدقائه المخادعين له ولانفسنا مثل ما كان يظهر من حسن اللقاء ولطف المؤانسة حين كنا نزوره وتجلس اليه . ثم سعيت اليه ذات يوم لاقضى معه ساعة من ساعات الفراغ , وما أكثر ساعات الفراغ فى حياتنا نحن المصريين فلم أجده ، وسألت أين يمكن أن يكون فلم أدال عليه . وسألت متى يمكن أن يعود فلم أنبأ بشىء . فعدت مخزونا لالأنى لم ألقه , بل لأنى لم الق عليه ثقل ماكنت أحتمل من الفجر والضيق والفراغ , ولأنى لم الق فى نفسه أنى أوثره بالحب , واعتقد أنه يؤثرنى به . لأنى لم أهد اليه شيئا من هذا الرياء الذى يهديه بعضنا البعض فى كل يوم , ولم أتلق منه شيئا من هذا الرياء الذى
( البقية على صفحة ٨٠٠)
(الضمير الهارب - بقية المنشور على صفحة ٧٦٤)
يتلقاه بعضنا من بعض في كل يوم، رجعت محزونا لأن الأداة لم تؤد بعض ما كان يجب أن تؤدى من التمثيل. وعدت إلى صاحبي التمسه فلم اجده، وأخذ أصحابنا يلتمسونه فلا يجدونه وكلهم شعر بمثل ما شعرت به، وكلهم يتحدث إلى نفسه بمثل ما تحدثت به إلى نفسي من الحزن وخيبة الامل، وقليل منهم يتحدث إلى الناس بمثل ما أتحدث به اليك الآن ايها القارئ العزيز. ثم انقضت الاسابيع والاشهر، وإذا أنا أتلقى صباح اليوم منه هذه الاسطر التي دفعتني إلى كتابة هذه الفصل. وأحسب أني لن أجيبه إلا بإرسال هذا العدد من الرسالة إليه. فقد عرفت عنوانه الآن. كتب الي يقول: كتابي اليك ايها الصديق من بلد ناء فررت إليه بنفسي وضميري من بلد تفسد فيه الضمائر والنفوس، وآثرت أن أحيا فيه فردا مع نفسي على أن أحيا عندكم حياة الأدوات لا حياة الناس، ولقد كنت أظن أني فارقتكم إلى غير رجعة، ورحلت عنكم إلى غير عودة. وسئمت حياتكم سأما لا حد له، وكرهتها كرها لا أعرف له قرارا، وعجزت عن احتمال أيسر اثقالها. وأعترف بأني سعدت بهذه الهجرة سعادة خصبة حقا، واستكشفت فيها نفسي، نعمت بهذا الاستكشاف، وأنست فيها إلى ضميري، واستمتعت بهذا الانس، ولكني لم البث في هذا البلد شهرا أو شهرين، حتى احسست ان نفسي لا تكفيني، وحتى ضقت بإطالة النظر في المرآة، حتى ذكرت الأصدقاء فنفرت من ذكر الأصدقاء، وفزعت منهم إلى الكتب حينا، والى مناظر هذه الطبيعة الرائعة حينا آخر، ومازلت ايها الصديق مطمئنا إلى هذا المعقل الذي آويت إليه، واعتصمت به ولكن انظر! هأنذا أكتب اليك، وما كتبت اليك إلا لأني فكرت فيك، وما فكرت فيك إلا لان نفسي نازعتني إلى حديثك، وإذن فقد ابت حياتي تلك إلا ان تتبعني في هجرتي وتقتحم علي هذا المعقل الذي لجأت إليه، وكل ما اتمناه الا تغلبني على نفسي، ولا تخرجني من معقلي، وأن تكتفي بزيارتي والإلمام بي من حين إلى حين. فأكتب إلى وأطل فقد يظهر ان الحياة التي ترتفع ارتفاعا خالصا عن كل ما نكره من النقائص شئ لا سبيل إليه، أما انا فقد جربت الضيق بالحياة في مصر والفرار منها، وانا زعيم لكم ايها الأصدقاء بأن صاحبكم سيعود اليكم متى انقضى الصيف ومن يدري، لعل الحياة أن تكون قد عادت إلى شئ من الامن والدعة والهدوء، فتتفتح الأبواب، وترفع الحجب والأستار، ولا نحتاج فيما بيننا إلى اصطناع الرياء، أو إلى اصطناع المجاملة. ثم لا يستحي بعضنا من بعض، ولا يستحي بعضنا لبعض.

