الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 317الرجوع إلى "الثقافة"

الطابور الخامس، فى الدولة الطولونية

Share

لعبت الأيدي الخفية دورا هاما فى جعل عمر الدولة الطولونية قصيرا كأنفاس السيف ، وكانت عاملا إيجابيا ساعد عجلة الزمان على أن تطويها بسرعة . إذ يعجب الإنسان حقا حين دراسة الدولة الطولونية أن يجدها تلمع فى سماء تاريخ مصر كلمح البصر بالنسبة إلى غيرها من الدول التى عمرت قرونا فى حكم البلاد .

لقد علمنا التاريخ أن مؤسس الدولة يحتاج إلى سلسلة من الخلفاء ذوى المواهب الذين يعدون بمثابة بنائين ومعمارين حتى يتم وضع اساس الدولة وقيام عمرها وصرحها . حينئذ لا تؤثر فيها أحداث الزمان وتكون لها القدرة على صبغ عصرها بصبغتها الخاصة .

فإذا أردنا أن نطبق تلك القاعدة على الدولة الطولونية نجد أن موسسها الأول قد نكب فى ولى عهده نكبة شائنة لم يكن له عليها من سلطان ؛ إنما كانت عاملا إيجابيا ساعد على القضاء على دولته وهى فى دور الرضاع . ولهذا يعد موضوع العباس بن أحمد بن طولون وخروجه على أبيه حادثا فذا فى ثنايا التاريخ ، يحتاج إلى تدقيق عميق حتى

يكشف عن غامضه ويظهر سبب التقاطع بين أمير فى عز السلطان وابن مترف ينعم بما عند أبيه من جاء واسع وملك عريض . . وهذا هو موضوع المقال .

استقل أحمد بن طولون بتدبير أمور مصر بعد أن تقلب على صعاب جمة . غير أنه واجه أخيرا ثعلبا ما كرا أخذ بتهدده ويراوغه حتى نجح فى بذر بذور الشقاق بين الأسرة الحاكمة . فلقد كان أبو أحمد الموفق طلحة - الحاكم الفعلى فى الدولة العباسية فى عهد الخليفة المعتمد - عدوا لدودا لأحمد بن طولون ، يتحرق غيظا كلما رآه متقلدا زمام الديار المصرية ، فأخذ يعمل جاهدا على إبعاده عن تلك الثمرة الدانية ، بأن أفرغ ما فى جعبته من حيل . غير أن الفشل لازمه ليقظة ابن طولون . حينئذ عمد الموفق إلى استخدام سلاح خطير هو السم الزعاف والسوسة القائلة التى إن تمكنت من الجسم لم تدعه إلا بالفناء ، تلك الأداة الفتاكة هى ما يسمى فى الأسلوب الحربى الحديث " الطابور الخامس " .

أطلق الموفق جحافل جواسيسه على الديار المصرية تتلقط أخبارها وتبث روح العيان بين عظماء البلاد وفادة أمورها ، هذا إلى أن تعجم عودها لتهاجم مواطن الضعف فيها . غير أن الفرص ساعدت أحمد بن طولون على اكتشاف ذلك السلاح السرى ، ولكن هيهات أن يقف على أمره كله ! ويظهر لنا من القصص الآتية أن الموفق قد نجح فى حركته وانتشرت فى البلاد حتي أبلغت ، بأن وجد وكلاء الموفق من العباس بن أحمد بن طولون سرعى خصيبا نمت فيه جهودهم . .

أرسل الموفق أحد الخدم ويدعى ( تحريرا ) إلى أحمد بن طولون بطلب منه أموالا يستعين بها فى أزمة من الأزمات ، غير أن الخليفة العباسى المعتمد كتب سرا إلى ابن طولون يخبره أن الموفق هو الذى حرك ( تحريرا ) على الحضور إلى مصر ليكون عينا ، وأنه يحمل كتبا إلى سائر قواده بعضهم على الخروج عن طاعته . ثبث ابن طولون حتى يقف على رد من أرسل إليهم الكتب ، ثم تحايل بعد ذلك على ( تحرير ) حتى أخذ منه الكتب والردود . حينئذ رأى أن بعض أتباعه قد أجاب دعوة الموفق ومنهم أحمد بن عيسى الصعيدى - وكان والى برقة - وآخر يدعى بدرا الحقيقى ، فعاقب ابن طولون ( بدرا ) بأن قتله وضرب أحمد الصعيدى ثلاثمائة سوط . وإلى

جانب هذه القصة ترى قصصا كثيرة تعج بها المراجع تدلنا على ذكاء أحمد ابن طولون فى اكتشاف أعداد هائلة من الجواسيس . غير أنه يفهم من تلك القصص أن كثرة الأرصاد تدل على تبعثر آخرين فى أنحاء البلاد من الصعب الاهتداء إليهم : من ذلك تلك القصة التى رواها لنا البلوى ، وهي أن أحمد ابن طولون رأى يوما فى أثناء سيره فى أحد المواكب شيخا يحملق فى شخصه فاستدعاء وسأله عن أمره فتلم الرجل وأجاب أنه موفد من قبل الموفق ليلتقط أخباره ، وأضاف إلى ذلك قوله : " ولست وحدى المكلف بتلك المهمة بل معى آخرون قد انتشروا بدورهم فى أرجاء البلاد .

وذلك النفر الخفى من الجواسبس هم الأشد خطرا وهم وحدهم الذين نجحوا فى اجتذاب العباس إلى جانبهم . وإن تحليلنا لشخصية جعفر بن حضار الكاتب الذى لعب الدور الأول والأهم فى ثورة العباس يثبت لنا جليا انضمام جعفر إلى ذلك النوع من الجواسيس .

فلقد كان ذلك الرجل من خواص ابن طولون المقربين ، هذا الى أنه كان أدبيا بليا وشاعرا يفيض شعره جمالا وروعة فى مواطن الحماسة . غير أنه استغل تلك المواهب فأخذ ينظم القصائد لحث العباس على الخروج على أبيه من غير إثم قدمه له أحمد بن طولون . من هذا

نرى أن جعفرا ( 1 )  كان ولا بد أحد أفراد الطابور الخامس .

وإذا أردنا زيادة فى الإيضاح على وجود تيارات خفية كان لها دور خطير فى ثورة العباس ، ينبغى أن نلقى نظرة على الكتب التى أرسلها أحمد بن طولون إلى ابنه أثناء خروجه إلى برقة . إن تحليلنا لتلك المراسلات تأبى لنا بالأمر جليا ، فيقول أحمد بن طولون فى أحد كتبه : " وليت شعري على من تهول بالجنود . . ومن هؤلاء المسخرون لك والباذلون دماءهم وأموالهم وأديانهم دونك . . فإن كان يدعوهم إلى نصرتك وهيبتك ، المداراة لك والخوف من سلطانك ، فإنهم ليجتذبهم أضعاف ذلك منا ؛ ووجودهم من البذل الكثير والعطاء الجزيل عندنا ، ما لا يجدونه عندك " .

وإنه لجدير حقا أن يتعجب أحمد ابن طولون من تلك الفئة التى تذور عن حياض العباس من غير أمل يرجونه منه أو مال يحصلون عليه

يتضح لنا مما سبق أن الموفق نجح فى نشر سمومه بين كبار ولاة الأمور فى مصر الذين أخذوا على عاتقهم مهمة القضاء على أحمد بن طولون .

إلى جانب ذلك العامل الموجب

كان يوجد عامل سلبي ، ألا وهو شخصية العباس الذي اتخذه وكلاء الموفق محورا ندور عليه أعمالهم ضد أحمد بن طولون . فإن نظرة إلى أخلاق العباس تعطينا صورة صادقة عن نقص فى شخصيته ؛ فلقد كان شابا مستهترا لا يعبأ بتقاليد ولا يقيم للمصالح وزنا . هذا إلى أنه يهتم بتوافه الأشياء . فلقد روى لنا البلوى قصة عن تأديب أحمد بن طولون لابنه ( العباس ) إذ استدعاء يوما إلى حضرته ليتناول معه طعام النداء ، وسرعان ما حضرت المائدة وعليها " سمانى زيرياجا "  (١) فانهمك عليها العباس لفرطه فى الجوع ، على حين انتظر والده حتى تيقن من أنه قد شبع ، فأمر ينقل الطعام وإحضار لون آخر كان يحتوي على طعام فاخر من دجاج . الخ . وأقبل أحمد بن طولون على الطعام وبعض أمام ابنه ، لكن الأخير لا يستطيع أن يقذف إلى جوفه بأنة لقمة حيث الشبع كان قد أخذ منه مأخذه . حينئذ التفت إليه والده وقال له : " إننى أردت تأديبك فى يومك هذا بما امتحنتك به ، لا تلق مهمتك على صغار الأمور بأن تسهل على نفسك تناول يسيرها فيمنعك ذلك من كبارها .

تدلنا تلك القصة على قصر نظر العباس . ولقد تجلى ذلك الخلق فى إعطائه أذننا صاغية إلى الوشاة الذين زينوا له الخروج على والده وضربوا له على الوتر الحساس عنده ؛ فقد كان شابا طائشا مغرورا كثير الاعتداد ، بنفسه يعتقد أنه عظيم فوق المعتاد ، وكان مجنونا بعظمته الشخصية بدليل قوله :

لله درى إذ أغدو على فرسى

إلى الهياج ونار الحرب تستعر

وفى يدى صارم أفرى الرءوس به

فى حده الموت لا يبقى ولا يذر

إن كنت سائلة عنى وعن خيرى .

فها أنا الليث والصمصامة الذكر

يدعون لا أين والعباس يقدمهم

كأنهم حمر والليث معتسر

إلى جانب هذا توجد قاعدة تاريخية اثبتها لنا التاريخ بأمثلة عديدة . ألا وهى : حديثو النعمة يتعطشون دائما للوصول إلى أهدافهم وآمالهم باستباق الحوادث . وذلك أنهم لا يطيقون رؤية أبائهم مؤسسى الدول فى ظل العروش طويلا ، بل يعملون على التخلص منهم سريعا للتمتع بذلك الحلم الذى يتراقص امام اعينهم . ومن ثم يكونون مرمى سهلا أمام الأعداء . ولقد برهن العباس بخروجه على أنه من ذلك النوع الذى يستسلم لاحلامه الجوفاء . وليس أدل على هذا من أنه ركب رأسه وأخذ يسبح فى عالم الخيال

بتأسيس أميراطورية شاسعة الأرجاء فى أفريقيا ثم يهاجم مصر ليخلصها من براثن والده ويضمها إلى ممتلكاته

أما السبب المباشر الذى دعا العباس إلى ترك الديار المصرية فهو الوشايات التى لعبت دورها بينه وبين محمد الواسطى ، فلقد كان الأخير وزير أحمد بن طولون ومستشار العباس فى مصر أثناء قيام ابن طولون بفتح بلاد الشام . غير أن العلاقات سرعان ما ساءت بين العباس ومستشاره ، حينما أحاط بالعباس ثلة من المفسدين والمستهترين الذين أغروه على المادى فى الضلال وطرد كبار الموظفين وتعيينهم فى تلك المناصب العالية . ولقد حاول الواسطى عبثا أن يصلح شأن العباس . وأخيرا رأى الامفر من عرض تلك الحالة على أحمد بن طولون . ولقد رد أحمد بن طولون علي مراسلات الواسطى بأمره باستعمال اللين مع العباس وأن يتريث حتى يعود إلى البلاد ويفحص

الأمور بنفسه . ولكن الأمور لم تسر سيرها الطبيعى . فلقد كان فى حاشية أحمد بن طولون شخص يدعى محبوب ابن رجاء وكان معاديا للواسطى ، ولذا أقدم على عمل كان له أبعد الأثر فى ثورة العباس وهو إرسال الكتب التى كان يبعث بها محمد الواسطى إلى ابن طولون والكتب التى كان يرد بها الأخير على مستشار العباس بن أحمد بن طولون . فلما اطلع العباس على تلك الرسائل ووقف على رأى والده أوجس خيفة من مغبة الانتظار ، فهو يعرف جيدا أخلاق والده وإنزاله أشد العقوبات على من يجترىء على إحداث شئ يعرقل تسيير دفة الحكومة ، لا يفرق فى ذلك بين الأقرباء والأعوان .

لذا استعد العباس لمغادرة البلاد والذهاب إلى برقة قبل أن يدهمه خطر والده .

اشترك في نشرتنا البريدية