الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 371 الرجوع إلى "الثقافة"

الطبيعة، لجويته Goethe

Share

الطبيعة ! تحيط بنا ، وتلف حولنا ونعجز عن التملص منها والتعمق فيها . تدفعنا إلى مرقصها ، لم ترجينا ، ولم تشعرنا . وتندفع معنا حتى نعى فنرتمي في أحضانها .

تخلق دائما أشخاصا جددا ؛ فما يكون لم يكن قط ، وما كان لا يعود ابدا . كل شئ جديد ، وهو مع ذلك القديم دائما .

تحيا في قلبها ، ونظل غرباء عنها . تتحدث إلينا حديثا متواصلا ، ولا تبوح لنا بسرها . نؤثر دائما فيها ، ولا نتسلط مع ذلك عليها .

تبدو والفردية غرضها ، ثم لا تهتم بالأفراد . تبني دائما وتهدم دائما ولا يمكن الدخول إليرع معملها .

تعيش في الأطفال وحدهم . فمن امها ؟ فنانة ، هي الوحيدة التي تخلق من ابسط المواد أعظم الأشياء تباينا ، وتتم من دون جهد ظاهر أروع الأشياء كمالا . تصل إلي أدق ضبط ، وعليها دائما مسحة التراخي .

لكل من أعمالها كيان خاص ، ولكل من ظاهراتها معنى مستقل عن غيره كل الاستقلال ، منفصل كل الانفصال ؛ ومع ذلك فكل شئ عندها واحد .

تمثل رواية لا نعلم هل نشهدها هي ، ومع ذلك فهي تمثل لنا نحن الذين نقف منزوين .

فيها حياة ، وتطور ، وحركة ولا تتقدم مع ذلك . تتحول دائما ، ولا تكف عن الحركة لحظة واحدة ، ولا تفهم معني السكون لعنتها رهن بوقفها .

سكينة ! مقبسة الخطوة نادرة الاستثناء ، ثابتة القوانين . فكرت وتفكر دائما ، لكنها لا تفكر كما يفكر

الإنسان ؛ ولكن كما تفكر الطبيعة اختصت نفسها بفهم محيط بكل شئ لا يستطيع الانسان إدراكه .

الناس جميعا فيها ، وهي في الجميع . تلعب مع الجميع دورا خفيا ، ويسرها ان يأخذ الناس عنها . وتلعب دورها مع الكثيرين لعبا خفيا ، فتنتهي منه قبل أن يقطنوا إليه .

أبعد الأشياء من الطبيعة هي كذلك طبيعة . فمن لم يرها في كل مكان لم يحسن رؤيتها في أي مكان .

تحب ذاتها ، وتنظر دائما إلي نفسها ، وتهفو بأعين وافئدة لا حصر لها . تفرقت لتنعم بذاتها . تستكثر من المستمتعين بها ، ولا تشبع من التحدث عن نفسها .

تسر بالوهم ، فمن بدد وهمه وأوهام الغير بطشت به بطش الظالم الغاشم . من يسلس لها القياد تضمه كالطفل إلى صدرها .

اطفالها لا يقعون تحت حصر ، ولا تمنعهم شيئا لكن فيهم من هو اثير عندها ، تبذل له الكثير ، وتضحي له بالكثير . وهي لا تحمى الصغير ، بل تحمى الكبير .

تطلق مخلوقاتها من العدم ، ولا تقول لهم إلي أين يذهبون ، ولا من أين أتوا . عليهم ان يسيروا فحسب ، فهى تعرف الطريق .

براعتها قليلة ، لكنها لا تبلي أبدا . فعالة دائما ، متفاوتة دائما .

روايتها جديدة دائما ، لأنها تجلب دائما بثمارة جددا . الحياة اجمل ما ابتدعت ، والموت عندها هو المعني الألمعى للإكثار من الحياة .

تطوي الانسان في الظلام ، وتحثه أبدا على الخروج إلي النور ترهنه بالأرض ، وتبتليه بالبلادة والثقل ، ثم تستنهضه دائما . تخلق له الحاجات لأنها تحب الحركة . ومن عجب أنها تبلغ كل هذه الحركة بالنزر اليسير . كل حاجة عندها خير ، تقضي بسرعة ، وتنبت ثانية بسرعة . فإذا قضت المرء حاجة اخرى ، فلونا جديدا من المسرة ، لكنها لا تلبث ان تعود إلى الموازنة .

تتأهب في كل لحظة لأطول شوط ثم تجدها كل لحظة عند هدفها .

هي الغرور بعينه ، ولكن ليس في نظرنا نحن اللذين باتتت الطبيعة عندنا أعظم الأشياء شأنا .

تدع كل طفل يصلح من هندامه ، وكل غر بدين نفسه ، وألفا من الناس يهملون ذواتهم في بلادة ، ولا يبصرون شيئا . تغتبط بالجميع ، وتحاسب الجميع .

والناس يطيعون قوانينها حتى وهم يخالفونها ، ويعملون معها حتى وهم يعملون ضدها .

تحيل كل ما تهبه خيرا ، لأنها يجعله لازما . تبطئ ليطلبها الناس ، وتسرع حتى لا يزهدها الناس .

لا لغة لها ، ولا كلام عندها . لكنها تخلق أفئدة وألسنة تشعر بها وتتكلم .

تاجها الحب . فبالحب وحده يقترب المرء منها . يحدث الهوة بين الشئ والشيء ، فيريد كل شئ أن يبتلع كل شئ . عزلت كل شئ لتجذب كل شئ . تجمل الحياة المكدودة عديمة الأذي ببضع جرعات من قدح المحبة .

هي كل شئ ، تكافئ نفسها ، وتعاقب نفسها ؛ وتنعم بنفسها ، وتعذب نفسها . هي قاسية رحيمة ، لطيفة مرعبة ، عاجزة قاهرة . كل شئ موجود فيها دائما ، لا تعرف ماضيا ، ولا مستقبلا ، والحاضر أيدها طيبة ، أحمد لها كل فعالها , حكيمة ، هادئة . لا تنزع منها إيضاحا ، ولا تغصبها هبة لاتهبها طوعا . خداعة ، ولكن لغرض حسن دائما ، وخير لك ألا تلحظ خداعها .

كل كامل ، ومع ذلك . فهي دائما ناقصة . وكما نتصرف مرة تستطيع أن تتصرف دائما.

تبدو لكل فرد على وجه خاص مختلف . تتنكر تحت آلاف من الأسماء والمصطلحات . وتظل دائما هي هى .

لقد ادخلتني هذه الدنيا ، وستخرجني أيضا منها . وإني لواثق بها ، فلتفعل بي ما تشاء ، فلن تبغض ما صنعته يدها . لم اتحدث بهذا الكلام عنها . كلا . بل كل شئ إن صدقا وإن كذبا قد كان حديثها . كل ذتب ذنبها ، وكل فضل فضلها .

اشترك في نشرتنا البريدية