يجتمع قريبا في بيروت مؤتمر الطب العربي لتوحيد الجهود في سبيل محاربة الأمراض المستأصلة ، والاهتداء إلى أقرب الطرق وانجعها لرفع مستوي سكان البلاد الصحي لذلك رأيت من المناسب أن أفتح أمام القارئ صفحة من صفحات تاريخ الطب العربي منذ أقدم عصوره . ولاشك عندي في أن الإتمام ببعض ما كان عليه ذلك العلم في فجر تكوينه ، أعني في الألف الثالث قبل الميلاد ضرورة لابد منها للذين يعنون بتاريخ الطب وتطوره ، أو تتبع الأدوار المختلفة التي مرت بها مفرداته اللغوية ، سواء منها تلك التى وضعها الشعب يوم كان الطب شعبيا ،أو أوجدها الإخصائيون لما أصبح علميا . ولست في حاجة إلي القول إن القارئ لن يتطلب مني أن أعرض له في مقالي الثقافي الأمراض وتشخيصها ، والعقاقير وتركيبها ، عرضا طبيا دقيقا ، لسببين لا ثالث لهما : أولهما أن الثقافة ليست صحيفة طبية ؛ وثانيهما لست أنا بالطبيب الذي بلغ من المهارة الفنية الحظ الكافي الذي يمكنه من وضع ألفاظ واصطلاحات اللغة الطبية القديمة في أسلوب عربي حديث . وإذا آثرت العرب البابليين الأشوريين على سواهم من سائر الشعوب العربية الأخرى التي قامت لها في الجزيرة العربية وخارجها حضارات ومدنيات ، فإنما لغناء التراث الذي وصلنا عن سكان الرافدين ووفرته ؛ فما نعلمه اليوم عنهم بفضل أعمال الحفر التي تقوم بها الجامعات الأمريكية والأوربية في بلاد العراق وما جاورها ، يفوق بكثير ما نعرفه عن معظم الشعوب العربية الأخري التي عاصرت البابليين الأشوريين . وقد رغبت في الطب لعلمي بالاستعداد الفطري الكامن في العنصر العربي ، أو إن شئت فقل العنصر السامي ، لمزاولة الطب والنبوغ فيه نبوغا بوأه منذ القدم أسمى الأماكن وأرفعها . فالتاريخ المصري القديم يحدثنا أن فرعون مصر
أمينوفيس الثالث استدعي طبيبا أشوريا لمعالجته ، لما هدته العلة واشتد به المرض ، رغما من ازدهار الطب ورقيه عند قدماء المصريين . وما جاء في المصادر المصرية تردده مصادر أخرى لكثير من شعوب العالم القديم التي كانت تربطها وأرض الرافدين علاقات ثقافية .
ولعل السبب في ذلك النبوغ يرجع إلي أن العربي بطبعه متقائل راغب في الحياة ، آخذ بأسبابها ، كما تدلنا على ذلك أساطير وآداب الساميين القديمة وعقائدهم الدينية المختلفة . السامي راغب منذ القدم في البقاء ، فرفض فكرة الفناء ، واعتقد في البعث ، كما اعتقد في الحياة الأخرى والثواب والعقاب . فجنس هذه عقيدته في الحياة طبيعي أن نراه يبذل كل ما في طاقته لجعل هذه الحياة الدنيا سعيدة غير تعسة ، وسليمة غير ممثلة . وهو في عمله هذا يؤدي عملا يقرب من العبادة إن لم يكن هو العبادة ، لذلك رأينا في سائر الديانات العربية اهتماما خاصا موجها إلي العناية بالصحة ، والاحتفاظ بالحسم سليما قويا ، ومحاربة كل ما من شأنه إفساد عمل عضو من أعضاء جسم الإنسان أو الإضرار به ، مع الحث على الأخذ بأسباب الحياة الطبيعية غير الملتوية أو المعقدة . الأخذ بأسباب الحياة مع العناية بجسم الإنسان عقيدة دينية ، إذا رغبة من الرغبات الإلهية ، وكل ما يحول دون تنفيذ هذه الرغبة ، يجب أن يكون من عمل طائفة غير طائفة الآلهة ، أعني طائفة الأرواح الشريرة . وبما أن هذه الكائنات شريرة وجبت إذا محاربتها ، ووجبت مطاردتها ، ووجب القضاء عليها إن أمكن . وما هي الوسيلة لبلوغ هذه الغاية ؟ السحر . السحر إذا وسيلة من وسائل التخلص من الأرواح الشريرة ، أو بعبارة أخري وسيلة من وسائل العلاج والشفاء ، كما أنه سبب الداء
ونحن إذا رجعنا إلي معاجمنا اللغوية نطلب إليها الإفصاح عن مدلول لفظ طب رأيناها تطالعنا بكثير من
المعاني التي ترجع إلي تلك العصور الغابرة . وصاحب اللسان بروي لنا ان الطب هو السحر ، وقد قال ابن الأسلت : ألا من مبلغ حسان عني أطيب كان داؤك أم جنون ورواه سببويه أسحر كان طبك ، وقد طب الرجل ، والمطبوب المسحور . قال أبو عبيدة إنما سمي السحر طبا على التفائل بالبرء ... وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه احتجم بقرن حين طب . قال أبو عبيدة طب أي سحر ، يقال منه رجل مطبوب أي مسحور وفي الحديث : فلعل طبا أصابه أي سحرا
وإذا كان المرض من عمل الشياطين ، فالعلاج يجب أن يأتي من عند الالهة . والأسطورة البابلية تحدثنا ايضا ان الاله ) إيا ( هو رب الحكمة وإله المعرفة ، وهو الجد الأكبر للأطباء . والإله ) إيا ( كما نعلم أيضا هو سيد البحار والأمواء ، ومن الماء جعل الله كل شئ حياة فالخبير بالماء أو كما يعبر عنه بالبابلية ) أس ( هو الطبيب ، و اسوت عبارة عن علم الطب ؛ وعن اللغة البابلية الاشورية انتقل إلي سائر اللغات السامية كالأرامية والعبرية والحبشية والأسا في العربية مفتوح مقصور المداواة والعلاج ؛ وأسا الجرح أسوا وأسا : داواه والأسو والأساء جميعا الدواء ، الجمع آسية ، قال الحطيئة في الأساء بمعنى الدواء
هم الأسون أم الرأس لما تواكلها الأطبة والأساء والآسي الطبيب وإذا تتبعنا هذه المادة في اللسان وجدناها مستعملة في معناها الاصلى المتصل بالماء ؛ فقد ورد والأسى ماء بعينه ، قال الراعي :
ألم يترك نساء بني زهير على الآسي يحلقن القرونا
لكن الماء ليس هو الدواء الوحيد الذي تحتاج إليه امراضنا وجروحنا ، لذلك تجد إلي جانب الإله ) أبا ( آلهة آخرين اختص كل منهم بعلاج مرض خاص ، فمنهم الإخصائي في علاج الفم والأسنان من سائر اعضاء الجسم
وأطرافه ، ومن أشهر هؤلاء الآلهة الإله ( نينجيزيدا ) . ومن حسن الحظ فقد عثر على رمزه ، وهو عبارة عن عصا التف حولها ثعبان . ومن كان يدور بخلده ان الثعبان شعار الطب والأطباء في عالمنا القديم والحديث يرجع إلي هذا الرمز العربي البابلى ؟ أما السر في اختيار هذه الأفعي فهو الاعتقاد بأن الثعبان باستبداله ثوبا (جلدا) بثوب يجدد شبابه ، فيكتسب حياة جديدة ، فالثعبان إذا خالد لن يموت ، لذلك قدس قديما ، واتخذ كرمز من رموز الحياة الأبدية .
ولم يمض زمن طويل حتي أخذ الطب الشعبي الروحاني يفسح الطريق لطب آخر يعتمد على الخبرة والتجارب أكثر من السحر والشعوذة ، أعني الطب العلمي . واهم المصادر التي يعتمد عليها رجال الساميات اليوم لدراسة هذا الطب العلمي ، هي النقوش القديمة ، ومن أهمها تلك التي عثر عليها في مكتبة الملك الأشوري ( أشور بانبيال ) ، ولو ان علم الطب كان معروفا من قبل بدليل اهتمام شريعة حمورابي به وتخصيصها الكثير من المواد المتعلقة بالإطباء والجراحين ، سواء كانوا إخصائيين في امراض البشر او الحيوان . وأهم هذه النصوص التي عثر عليها في مكتبة أشور بانيبال هي تلك التي عرضت فيها بعض الأمراض والعقاقير ، وكيفية تحضيرها وطريقة استعمالها ؛ فقد وصلنا مثلا نص مقسم إلى ثلاثة أعمدة ، في العمود الأول الدواء ، والثاني الداء ، والثالث طريقة استعمال الدواء مثلا : جذور عباد الشمس - لشفاء وجع الأسنان توضع على الأسنان .
ومن مراجعة هذه النصوص وتلك التي عثر عليها في سجلات الحكومة الحينية ) القرن الثالث عشر قبل الميلاد ( ، يتبين لنا أن الطريقة التي كانت متبعة عند وضع المراجع الطبية هي تقسيم المادة حسب اعضاء جسم الإنسان ، فتذكر مثلا أولا الأمراض الخاصة بالرأس وعوارضها ، والأدوية الخاصة بعلاجها ، ثم ينتقل إلي الصدغين فالأذن ، فالعين ، فالصدر ، وقد أسهبت النصوص التي
عثر عليها في وصف أمراضه ، فمن حمي باطنة ، إلي سعال ، ومن ثقل في الحقوين إلي وجع في الظهر ، وقد يكون كل ذلك مصحوبا ببلغم وصعوبة في التنفس وضيق في الصدر ، إلي جانب الدم الذي قد يصحب به بصاق المريض أحيانا ، ومتى بلغ المريض هذه المرحلة ففي رئتيه صديد ، ومن فم الرئة اليسري يسيل دم منتن . وبعد ذلك نجد عرضا دقيقا لأمراض أخري باطنة متعددة ، كتلك التي نصيب المعدة أو القلب أو الكبد أو الطحال . ومن الجدير بالذكر هنا أن الطبيب العربي البابلى تنبه إلي العلاقة بين داء الصفراء ، وأمراض الكبد . وفي نصوص أخري حديثا طويلا عن الأمراض الجنسية والتناسلية وأمراض الرحم والحمل والوضع . وقد اهتدي رجال الساميات إلي نصوص كتاب كامل خاص بالأعصاب ، وفيه كلام كثير حول العصلات والأمراض التي تنتابها ؛ ومن أمثلة ما جاء به أن أعصاب الفخذ إذا لم تقو علي مساعدة صاحبها علي القيام أو السير فهي مريضة ، وقد يكون مرضها قد أخذ في الظهور منذ عامين ؛ ومن عوارض هذا المرض ايضا ظهور الدم على الجلد ، ويكون في الساق وخز كوخز الإبر ، وإذا كانت هناك حرارة في القدمين فيشعر المريض بثقلهما ولن يستطيع رفعهما ، أما إذا انتفخت أعصاب القدم فلن يستطيع المريض السير ، وإن تقادم به المرض أصيب بالكساح
أما طرق العلاج فمختلفة ، فمنها العمليات الجراحية ، والتدليك ، والحركات الرياضية ، والبخور ، والاستحمام بالماء الساخن ، إلى جانب العقاقير المختلفة المأخوذة من النباتات أو الحيوانات أو المعادن أما النباتات فيظهر انها قامت كما تقوم اليوم بالدور الهام في تركيب الأدوية ، حتى أصبح اسمها في البابلية ) سم ( علما على الطب والعقاقير ايضا ، وبهذا المعنى انتقل اللفظ إلى معظم اللغات السامية ) سم ( ومن اشهر النباتات والاشجار والأعشاب التي كانت مستعملة قديما النخيل ، الزيتون ، التين الكمثري ، الثوم ، البصل ، الكمون ، القثاء ، السمسم ، الورد والمر .
ومن الحيوانات والطيور : الغنم ، الحمير ، الثعالب ، النعام ، البجع ، الغربان ، البوم والحمام ومن المعادن : اللازورد ، والكبريت ، والنحاس ، والملح . ولم تستعمل هذه العقاقير بحالتها الطبيعية ، بل كانت النباتات مثلا تجفف ثم تدق دقا يختلف حسب الحاجة والنوع . أما الثمار أو البقول فكانت تقشر ثم تعصر وتمزج أو تتناول علي حدة وكان الدواء يستعمل إما من الظاهر وإما من الباطن ، سواء كان سائلا أو جافا أو لزجا . والسوائل كانت تتعاطي غالبا باردة ، وأنسب الأوقات لتجرعها الصباح قبل الشروق أو في الليل ؛ وكانت لا تتجرع دفعة واحدة ، بل توزع على ثلاث مرات ؛ وفي بعض الحالات كان يكرر الدواء في مدة تتراوح بين ثلاثة أيام وسبعة أما الأدوية التي كانت من الباطن ، فقد استعان الأطباء على توصيلها إلي الداخل بالفتحات الطبيعية الموجودة في جسم الإنسان مستخدمين أحيانا بعض الأنابيب النحاسية أو البرنزية

