لدينا أدلة كثيرة عما أسدته مصر القديمة إلي العالم الحديث في بعض نواحي العلوم والفنون المختلفة . فعلي سبيل المثال اذكر ان الكتابة المصرية القديمة كانت أساسا لكتابة أغلب الأمم التمدينة في العصر الحاضر وأن المصريين هم أول من خط بالقلم علي الورق البردي
ولورق البردي أهمية خاصة لأن عليه دونت العلوم . فالفضل مثلا في إظهار تاريخ الطب عند قدماء المصريين يرجع إلي ما وجدناه مدونا على ورق البردي .
وقد وصل إلينا كثير من مؤلفات قدما المصريين في الطب ، واقدم الكتب الطبية يرجع تاريخه إلي الملك "تتا " ثاني ملك من ملوك الأسرة للأولي والذي حكم حوالي سنة ٣١٧٠ ق . م . ( أي أوائل عصر التوحيد الأول ).
كما أن بعضها كتب في الجراحة علي أساس علم على صحيح دل على ان الجراحين القدماء شخصوا كثيرا من الحالات تشخيصا صحيحا وعرفوا طريقة علاجها ، بل انهم استعملوا ادوية لتخدير الأجزاء التي يراد قطعها وتشريحها . ومن أهم هذه المؤلفات التي تبحث في الجراحة بردية " أدون سميث " التي محوي ٢٣ صحيفة ، ويرجع تاريخها إلي حوالي سنة ١٥٥٠ ق . م . ( أي أوائل عصر التوحيد الثالث ). وتعتبر أقدم مرجع في العالم في فن التشريح والجراحة . ومن المحتمل ان تكون هذه البردية نسخت من مؤلفات سابقة لعصرها .
وتشتمل هذه البردية علي الجروح التي تصيب الجسم ثم تشيخصها وعلاجها وتبتدئ بذكر جروح الراس وتنتهي بألقدمين ؛ أي متوجية ترتيب الأعضاء من اعلى إلى أسفل . ولعل الاتجاه إلي هذا الترتيب هو الخطوة الأولي في مقدار معرفتهم بالطب ودفنهم فيه وتنظيمهم له . ويمكن اختصار اهم حالات الامراض الواردة في هذه
البردية بالطريقة الآنية ؛
أولا : أمراض الرأس . ثانيا : أمراض الأنف . ثالثا : أمراض الفك العلوي . رابعا : أمراض الصدع. خامسا : امراض الأذن والفك السفلي . سادسا : امراض الشفتين والذقن. سابعا : امراض الخلق والرفية ثامناً : أمراض الكثفين . تاسعا : أمراض الصدر والثدبين . عاشرا : امراض العمود الفقري ، (والبردية اتلفت هنا ثم ذكرت امراض إصبع القدم ) . فيتضح من ذلك ان الطبيب المصري القديم راعي حسن الترتيب بطريقة علمية منظمة .
كذلك قسمت الجروح إلي جروح نتيجة لمعارك او عض ، وجروح من أو حريق ، وجروح نتيجة ضرب . ثم ذكرت كسر العظام والضلوع وكسر الذراع وهكذا . وهذا مما يدل على مهارة الطبيب المصري القديم في تجربة الوقوف عن سبب المرض أو سبب الجرح ثم علاجه ، أي وصف الداء ، ثم إعطاءا لدواء كما يجري الآن في وقتنا هذا . وكذلك وصلتنا اوراق بردية بها وصفات لطرق علاج الأمراض المختلفة التي كانت سائدة في ذلك الوقت : مثل ما نسميه اليوم البلهارسيا ( البول الدموي المصري ) ،
والحمي القصيرة أو الطويلة ، وأمراض المعدة ، والديدان المعوية ، والقلب والكبد ، وباقي الأمراض الباطنية ، وأعراض النساء كالنهاب الثدي وارتخاء الثديين وتزيف الرحم وإيقاف النزيف والتهاب الرحم وغيره من امراض النساء ومن امراض الأسنان مثلا التهاب اللثة او تلف الأسنان أو تثبيتها . ومن أمراض الأذن فقد السمع أوضعفه او نزول الصديد من الأذن . ومن امراض العيون غرارة دمو ع العين وضعف النظر وورم العين والتهاب العين اثناء الزكام والرمد الصديدي والحبيبى وغيرها . وكذلك وصلت إلينا الطرق التي تعالج بها حالات القئ كإيقاف القئ او تلطيفة او إحداث القئ عند اللزوم في بعض الحالات .
وكذلك عرفوا المسهلات ، بل وكذلك كان قدماء المصريين يعرفون ان الشرابين تبدا من القلب وتأخذ منه الدم ثم تذهب إلي كل عضو أو بعبارة اخري عرفوا ان القلب له علاقة بجميع الأوعية او متصل بكل عضو ، بل زيادة علي كل ذلك فقد عرفوا النبض
وقد وصلت دقة المصريين القدماء في تلك العهود السحيقة إلي ما نحن نكافح من اجله في عصرنا الحاضر وهو الوقاية من الأمراض واستعمارا الحقن في إدخال السوائل في الجسم .
وليس أدل علي مقدرة المصريين القدماء في الطب وبراعتهم فيه من فن التحنيط وما استعمل فيه من آلات ، فوصل تحنيط جثث الفراعنة إلى أعلي درجة من الإتقان بدليل تلك الموميات التى اخرجت من قبورها بعد مضي آلاف من السنين وما زالت تحتفظ بشكلها الآدمي كما كانت وقت الحياة . والسبب في اهتمامهم بالتحنيط هو أنه من بين معتقداتهم الدينية أن الحياة لا تنتهي بالموت ، بل إن هناك حياة اخري بعد الموت وهي البعث . ومن شدة اهتمام المصربين القدماء بأن الروح ترجع بعد الموت فتزور جثتها ان القانون المصري القديم جعل عقاب من يسرق من مقبرة او يمس الموميا الإعدام . فلا غرابة ان نجد ذلك عند المصريين رحلا اختصوا بفي التحنيط وغالباً كانوا من طبقة الأطباء .
وأهم شئ في عملية التحنيط هو استخراج الأحشاء بواسطة شق جدران البطن بسكين حاد وتنظيفها ثم وضعها في صندوق خاص يعرف بصندوق الأحشاء . ثم استخراج المخ من منافذ الأنف بقضبان عتقاء من حديد فيجذبون منه ما يمكن إخراجه من الجمجمة ، وما بقي يستأصلونه بعقاقير يقذفونها في تجاريف الجمجمة ، ثم يعالج كل الجسم بالنترون ، ثم يغسل ويلف في لفائف من الكنان .
كذلك مما يدل على براعة المصريين القدماء في الطب تخصص اطبائهم في مختلف امراض فروع الطب . فبعضهم كان يختض بأمراض النساء والبعض بأمراض الاسنان والبعض بأمراض العيون والبعض بالأمراض الباطنية والبعض يختص بأمراض الحيوان ، ( وكانت الحيوانات المقدسة والطيور المقدسة تحفظ لاعتقادهم بقداستها كالعجل آبيس وأبي قردان ) .
وكان يطلق على الطبيب باللغة المصرية القديمة اسم سن (سيتي) .
وكان للملك طبيب أو أكثر من طبيب خاص . ومن طريف ما يروي في هذا الصدد ان احد وزراء الملك مرض مرة فأرسل له طبيبه الخاص مما يدل على مبلغ ما كان يكنه الملك لوزيره من عطف ومودة .
وكان يتناقل مهنة الطب الابن عن الأب في أغلب العصور .
ودلت الأبحاث الطبية الحديثة علي أن لقدماء المصريين فضل السبق على اليونان في عالم الطب . فقد كان اليونانيون بشيدون بذكر الأطباء المصريين ، ويتناقلون كتب طبهم ويحفظونها ليهتدوا بها . وعن اليونان اخذ الكثير من ممالك العالم الحديث

