الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 584الرجوع إلى "الثقافة"

الطرطوشى وكتاب " سراج الملوك "

Share

كان اليونانيون القدامى ينظرون في تفكيرهم الفلسفي إلى السياسة والأخلاق من حيث هما شئ واحد ؛ فمشكلة البحث عن طبيعة الحياة الصالحة للفرد ومشكلة معرفة المبادئ المسيطرة على اجتماع الأفراد في المجتمع أو التي يجب أن تسيطر على اجتماعهم كانتا عند اليونانيين وجهين لمسألة واحدة وكانوا يرون أنك لا تستطيع أن توفق في علاج إحدى هاتين المشكلتين دون أن تبحث المشكلة الأخرى وتهتدي إلى موقف خاص حيالها ؛ فليس في وسع إنسان أن يقرر ما هو أحسن نظام المجتمع دون أن يفكر في حياة الأفراد وسبل إسعادهم ، وآراء أفلاطون في هذه الناحية تطابق آراء أرسطو .

وجرى التفكير الاجتماعي والفلسفي علي هذا النمط حيناً طويلاً من الدهر ، ولكن في عهد إحياء العلوم حدث صدع فرق بين الاثنين ، فاستقلت السياسة عن الأخلاق وانفصلت الأخلاق عن السياسة ، ويعلل ذلك الفيلسوف المعاصر جود في كتابه عن فلسفة الأخلاق والسياسة بأن التفكير الروماني قد حافظ على هذه الوحدة ، ولكن المسيحية كانت ترمي إلى جعل أساس الحياة الإنسانية في العالم الآخر لا في هذا العالم ؛ " فمدينة الله " هي المقر الروحي للإنسان لا " مدينة الدولة" ومن ثم عملت من بادىء الأمر على إيجاد هذا التمييز ، وبتأثير البروتستانتية أصبح هذا التميز نوعا من التفريق بينهما ، ومن ثم نرى التباعد بين موضوع السياسة وموضوع الأخلاق منذ عهد الإصلاح ؛ فالأخلاق تتناول معنى كلمتي الخير والشر ومعيار العمل الصالح وطبيعة الالتزام الأدبي ومصدره ومعنى الحق والباطل وأمثال هذه المسائل ، والسياسة اكتفت بتناول البحث عن أصل المجتمع ، وما هي الحاجات البشرية التي دعت إليه ؟ وما هي المبادئ المسيطرة عليه ؟ وعملت على

البحث في ضوء هذه المبادئ عن أحسن أنواع الاجتماع الإنساني ، وهل هو حكومة الفرد الأوتقراطية ، أو حكومة الأقلية الارستقراطية ، أو الحكومة الديمقراطية القائمة على التمثيل الانتخابي ؟ فإذا كانت حكومة الأقلية هي خير أنواع الحكم ، فما هي المؤهلات التي يجب أن تتوفر في الصفوة المختارة التي تنهض بأعباء الحكم ؟ وإذا كانت حكومة الأكثرية ، فما هي الوسائل الكفيلة بصحة الاختيار وصدق التمثيل ؟ وما هي الضمانات التي تجعل النواب لا يسيئون استعمال سلطتهم ؟ وما هي حقوق الفرد في علاقته بالدولة ؟ وما هي حدود سلطان الدولة على الفرد ؟ وقد كانت هذه المسائل وأشباهها تبحث بحثا سياسيا خالصا إلى حد كبير لا أثر فيه للبحوث الأخلاقية ، ويتمثل ذلك في كتابات الفلاسفة السياسيين أمثال هويز ولوك وروسو وهجل وماركس وسبنسر ، فتفكيرهم السياسي يكاد يكون مستقلا عن تفكيرهم الأخلاقي .

ولكن منذ أوائل القرن العشرين طرأ تغير هام على ذلك ، وبدأ التفكير السياسي والتفكير الأخلاقي يتقاربان و يتلاقيان ، وطويت مسافة الخلف بينهما . والفكرة السائدة في العصر الحاضر أن الحياة الصالحة للفرد لا يمكن ان تتوفر أسبابها إلا في المجتمع الصالح ، فصلاح الفرد وسعادته متوقفة على حالة المجتمع ، وحالة المجتمع قائمة على حالة أفراده ، وبذلك تتلاقي السياسة والأخلاق . ومن عيوب النظم الفاشية أنها ترجح جانب الدولة ومصلحتها على جانب الفرد ومصلحته . ومن مزايا النظم الديمقراطية الصحيحة أنها توازن بين مصلحة الدولة ومصلحة الفرد ، ولكن معظم النظم السياسية الحديثة بوجه عام تجهد في التوفيق بين السياسة والأخلاق .

ومعظم الفكرين السياسيين في الإسلام لم يروا هذا التفريق بين السياسة والأخلاق الذي ساد إلى حد كبير

التفكير الغربي منذ عهد إحياء العلوم إلي أوائل هذا القرن ، ونرى ذلك واضحا في تفكير رجل مثل ابن خلدون أو ابن الطقطي صاحب كتاب الفخري في الآداب السلطانية وغيرهما من مفكري الإسلام ومؤرخيه ؛ ومن أبرز هؤلاء المفكرين السياسيين وألمعهم أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي مؤلف كتاب " سراج الملوك " وهو كتاب حافل بالأخبار الشائقة ، والنوادر الطريفة ، والقصص الممتعة ، والنظرات السديدة ، والملاحظات القيمة ، والحكم الجامعة ، وهو ثمرة تجريته المستفيضة ، وعلمه الغزير ، وإطلاعه الواسع ، وتضلعه من التاريخ والفقه والشريعة والآداب الإسلامية ، وقد أشار ابن خلدون في مقدمته إلى كتاب الطرطوشي فقال في غضون كلامه عن العمران البشري والاجتماع الإنساني : " وكذلك حوم أبو بكر الطرطوشي في كتاب " سراج الملوك " وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله ، ولكنه لم يصادف فيه الرمية ، ولا أصاب الشاكلة ، ولا استوفى المسائل ، ولا أوضح الأدلة ، إنما ببوب المسألة ، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس وغيرهم من أكابر الخليفة ، ولا يكشف عن التحقيق قناعا ، ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجابا . إنما هو نقل وترغيب شبيه بالمواعظ ، وكأنه حوم على الغرض ولم يصادفه ، ولا تحقق قصده ، ولا استوفى مسائله ، ونحن ألهمنا الله إلى ذلك إلهاما . . " وقد أراد ابن خلدون أن يفخر بعلمه وبما أعثره الله عليه من أسباب التوفيق ، فلم ير بأسا في التعالي علي الطرطوشي ، ولم تكن غاية الطرطوشي علمية خالصة مثل ابن خلدون في مقدمته ، وإنما كان يريد أن يعرض ملاحظاته ومشاهداته عرضا فنيا لتؤثر في النفوس وتخب الألباب وتتغلغل إلى القلوب ؛ ولذا كان يستكثر من الأقاصيص العجيبة والنوادر المتخيرة ؛ وحقيقة أن أبا بكر لم يكن ندا لابن خلدون في القدرة على التقصي والتماس العلل والأسباب ، ولكن هدفه لم يكن هدف ابن خلدون ؛ ومن الإنصاف في النقد أن تنظر إلى مدى توفيق المؤلف في إصابة الأهداف التي رمى إليها .

وأعتقد أن كتاب سراج الملوك يرجح إذا وزناه بهذا الميزان لأنه حقق الهدف الذي قصده مؤلفه .

والطرطوشي نسبة إلى مدينة طرطوشة إحدى مدن إسبانيا ، وقد وصفها صاحب الروض المعطار بأنها واقعة في سفح جبل ، وأن بجبالها خشب الصنوبر الذي تتخذ منه صواري السفن ، وبينها وبين البحر المتوسط ما يقرب من عشرين ميلا ، وبأنها وسط تجاري هام ، وقد ولد بها في سنة إحدى وخمسين وأربعمائة هجرية ، وتلق بها علوم الأدب والدين والشريعة ، ثم صحب القاضي أبا الوليد الباجي بسرقسطة وسمع منه وأجازه أبو الوليد ، وقرأ الأدب على أبي محمد بن حزم بمدينة إشبيلية ، ثم رحل إلى المشرق في سنة ست وسبعين وأربعمائة ، وأدى فريضة الحج ودخل بغداد فتفقه على أبي بكر الشاشي وأبي محمد الجرجاني ، ودرس في البصرة وسكن الشام مدة ودرس بها ، ثم زار بيت المقدس ، ودخل مصر ، وقضي حينا من الزمن في القاهرة ، ثم انتقل منها إلى الإسكندرية ، واستقر بها إلى أن أدركته الوفاة في سنة ٥٣٠ ، ودفن في ناحية الباب الأخضر ، وقبره معروف بالإسكندرية ، وكان الطرطوشي اماما زاهدا ورعا دينا متواضعا متقشفا متقللا من الدنيا راضيا منها باليسير ، وله عدة مؤلفات منها مختصر تفسير الثعلي والكتاب الكبير في مسائل الخلاف وغيرهما ، وكان لهذا العالم الجليل والزاهد المتعبد شعر رقيق ينم على نفس حساسة وشعور مرهف ، من ذلك قوله :

أقلب طرفي في السماء ترددا

                لعلي أرى النجم الذي أنت تنظر

وأستعرض الركبان من كل وجهة

                   لعلي بمن قد شم عرفك أظفر

وأستقبل الأرواح عند هبوبها

                  لعل نسيم الريح عنك يخبر

وأمشى ومالي في الطريق مآرب

                  عسى نغمة باسم الحبيب ستذكر

وألمح من ألقاه من غير حاجة

                عسى لمحة من نور وجهك تسفر

وقد جعله زهده وورعه قوالا للحق كارها للباطل شديد التبرم بالظلم طالبا للعدل نزاعا إلى الإصلاح مؤثرا للنصح والإرشاد والوعظ ، صريحا في مخاطبة الروساء والحكام ، معتقدا أنه بذلك يؤدي واجبه ويبلغ رسالته .

وقد قدم الطرطوشي مصر في عهد انحلال الدولة الفاطمية وقرب أفول نجمها وانطواء سلطانها ، وكان للوزراء الفاطميين في تلك الفترة السلطة المطلقة والنفوذ التام ، ولما وجد الخليفة الآمر الفاطمي أن وزيره الأفضل ابن أمير الجيوش بدر الجمالي قد استبد بالأمر دونه ولم يترك له من الأمر شيئا شعر بالحاجة إلى التخلص منه ، فدير مكيدة لاغتياله ، وقد قتل الأفضل في سنة ٥١٥ وخلفه في الوزارة أبو عبد الله المأمون بن البطائحي ، ولأمر ما كان الأفضل يكره الطرطوشي فلم يرع حقه وقصر في إكرامه ، وربما كان لصراحة الطرطوشي أثر في ذلك ، ولما قتل الأفضل وولى بعده المأمون بن البطائحي اكرم الشيخ إكراما كثيرا ، والظاهر أن الطرطوشي أراد أن يقابل هذا الإكرام والصنيع الحسن بالتقدير الذي يستطيعه . فألف كتابه المسمى " سراج الملوك " وأهداء إليه ، وأشار إلى ذلك في مقدمته بقوله " ولما رأيت الأجل المأمون تاج الخلافة وعز الإسلام ، فخر الأيام ، نظام الدين ، خالصة أمير المؤمنين ، أبا عبد الله محمد الأمري ، قد تفضل الله به على المسلمين فبسط فهم يده ونشر في صالح أحوالهم كلمته ، رغبت أن أخصه بهذا الكتاب ليذكر فضائله وعحاسنه ما بقى الدهر " ثم تمثل بهذين البيتين :

الناس يهدون على قدرهم

               لكنني أهدى على قدري

يهدون ما يفنى فأهدي الذي

                 يبقى على الأيام والدهر

وعلل الطرطوشي إهداءه الكتاب للبطائحي بقوله : ( إن العلم عصمة الملوك والرؤساء ، ومعقل السلاطين والوزراء ، لأنه يمنعهم من الظلم ، ويردهم إلى الحلم ، وصدهم عن الأذية ، ويعطفهم على الرعية ، ثمن حقهم أن يعرفوا حقه ، ويكرموا حملته ، ويستبطنوا أهله ) .

وقد كسر الكتاب على أربعة وستين فصلا ، فالباب الأول مثلا في مواعظ الملوك ، والباب الثاني في مقامات العلماء والصالحين عند الأمراء والسلاطين ، وعقد فصلا لمنافع السلطان ومضاره ، وفصلا آخر لمعرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ، واختص الوزراء بأحد الأبواب ، وتكلم عما يصلح الرعية من الخصال ، وعن علاقة السلطان بالجند ، وبيت المال ، وما إلى ذلك من الموضوعات التي تتصل بسياسة الملك وتدبير أمور الرعية . ومؤلفنا الفاضل على تقبض مكيافلي ، فقد وجد الأحوال في مصر سيئة وقد تكفل المؤرخون بوصف سوء حالة مصر في ذلك العهد المظلم ، وأراد أن يطب لهذه الأحوال السقيمة فلم ير خيرا من تحري العدل في السياسة والتعلق بالخصال الحميدة . وأكثر من ذكر الشواهد والأمثلة والأحاديث والحكم والأخبار التي تؤيد وجهة نظرهء وتوضح سداد رأيه ، وعنده أنه إذا أحسن الأمير ورجاله السياسة واستظلوا بالمبادئ القويمة السامية توطد الملك وصلحت أحوال الرعية أما مكيافلي فإن سوء الأحوال في إيطاليا جعله يفكر في علاج لإصلاحها وإنهاضها من كبوتها ، فدله تفكيره على أن هذا العلاج غير مبسور إلا إذا وجدت الحكومة القوية التي تستطيع حسم الفوضى وتوحيد الكلمة ، وأباح لأميره أن يختار السبل المفضية إلى ذلك دون أن يشغل باله بمراعاة الالتزامات الأدبية والوصايا الأخلاقية ، وهو صريح في فصله الأخلاقي عن السياسة فصلا تاما لا تردد فيه ولا جمجمة . وربما كان لحياة الرجلين الخاصة أثر في توجيه تفكيرهما ، فقد كان مكيافلي رغم ملكاته الأدبية الممتازة وإخلاصه لقضية بلاده رجلا دنيويا حريصا على المتعة كسائر أبناء عصره . أما الطرطوشي فكان رجل أخلاق وفضيلة وطهارة وزهد ونقاء قبل كل شئ . وفي رأيي المتواضع أن آراء الطرطوشي أسح في المدى المتطاول والنتائج البعيدة من آراء مكيافلي ومن يلفون لفه ويأخذون بوصاياه ونصائحه .

وأثر الزهد والروح الدينية واضح في الكتاب ، وقد روي عن نفسه في احد فصول الكتاب فقال : " احكى

لك امرا أصابني طيش عقلي وبلبل حزمي وقطع نياط قلبي ، فلا يزال مرآه حتى يواريني التراب ، وذلك أني كنت يوما بالعراق وأنا أشرب ماء ، فقال لي صاحب لي ، وكان له عقل : يا فلان لعل هذا الكوز الذي تشرب فيه الماء كان إنسانا يوما من الدهر فمات فصار ترابا فاتفق للفخاري أن أخذ تراب القبر فصيره خزفا وسواء بالنار فانتظم كوزا كما تري وصار آنية تمتهن وتستخدم بعد ما كان بشرا سويا يأكل ويشرب وبنعم ويلذ وبطرب ، فإذا الذي قاله من الجائزات ، فإن الإنسان إذا مات عاد ترابا كما كان في النشأة الأولى ، ثم قد يتفق أن يحفر لحده ويعجن بالماء ترابه فيتخذ منه آنية تمتهن في البيوت أو لبنة تبنى في الجدار أو يطين بها سطح البيت أو يفرش في الدار فيوطأ بالأقدام ويسترسل في تحليل هذه الفكرة وتقليبها على جوانبها المختلفة ويقول في نهاية تحليله : " أليس في هذا ما أذهب العقول وطييش الحلوم ومنع اللذات وهان عنده مفارقة الأهلين والأموال واللحوق بقلل الجبال ؟ أليس في هذا ما يصغر أمر الدنيا وما فيها ؟ أليس في هذا ما زهد في اللذات وسلى عن الشهوات ؟ " وهذا الكلام يوضح لنا أن الطرطوشي كان مفكرا متأثرا بطبيعته الزاهدة ومزاجه الصوفي ، فإن غيره من الناس الذين يختلفون عنه في المزاج والطبيعة قد ينتهي بهم تفكيرهم إلي نتيجة مخالفة للنتيجة التي انتهى إليها الطرطوشي ، فالرجل الأبيقوي المزاج مثلا يرى أنه ما دام كل شئ إلي زوال وفناء ، فلماذا لا نغتنم الحاضر ونعتصره ونستمتع به إلى أقصى حدود الاستمتاع ، كالشاعر الأندلسي الذي قال :

لا تنم واغتنم مسرة يوم

           إن تحت التراب نوما طويلا

فإن النوم الطويل تحت التراب لم يزهد هذا الشاعر في طيبات الحياة ومتع العيش ، بل اغراء بطلبها وزين له الحرص عليها ، ولكن وجهة نظر الطرطوشي مع ذلك جديرة بالتأمل والتقدير .

وقد روى لنا في كتابه أحد مواقفه من الوزير صاحب الحول والطول الأفضل ابن امير الجيوش فقال : " دخلت

الأفضل ابن أمير الجيوش وهو ملك مصر فقلت : " سلام عليكم ورحمة الله" فرد السلام على نحو ما سلمت ردا جميلا ، وأكرم إكراما جزيلا ، وأمرني بدخول مجلسه والجلوس فيه ، فقلت " أيها الملك إن الله سبحانه وتعالي قد أحلك محلا عاليا شامخا ، وأنزلك منزلا شريفا باذخا ، وملكك طائفة من ملكه وأشركك في حكمه ، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوقي امرك ، فلا يرض أن يكون أحد أولى بالشكر منك ، وأمر الله قد ألزم الورى طاعتك فلا يكون أحد أطوع لله منك ، وليس الشكر باللسان ولكنه بالفعل والإحسان ، واعلم أن هذا الذي اصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك وهو خارج عن يديك مثل ما صار إليك فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة ، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل . ." وأنهى كلامه بقوله : " فافتح الباب وسهل الحجاب وانصر المظلوم ، أعانك الله على نصر المظلوم وجعلك كهفا للملهوف وأمانا للخائف"  وخنم كلامه للأفضل بهذا البيت :

والناس أكيس من أن يحمدوا رجلا

                        حتى يروا عنده آثار احسان

وربما كان من خير فصول الكتاب الباب الخاص بفضل الولاة والقضاة إذا عدلوا ، وفيه يقول : " ليس فوقي رتبة السلطان العادل رتبة ، كما أن خيره يعم . كذلك ليس دون رتبة السلطان الجائر الشرير رتبة لشرير ، لأن شره يعم . وكما أن بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد ، كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد وتقترف المعاصي والآثام ، وذلك لأن السلطان إذا عدل انتشر العدل في الرعية وتعاطوا الحق فيما بينهم ، وإذا جار السلطان انتشر الجور وعم العباد واضمحلت المروءات وفشت المعاصي وذهبت الأمانات وتضعضعت النفوس . . " ويصف في أحد الفصول خطورة موقف السلطان وصفا دقيقا فيقول : " الخلق في شغل عنه وهو مشغول بهم ، والرجل يخاف عدوا واحدا وهو يخاف ألف عدو ، والرجل يضيق بتدبير أهل بيته وإبالة ضيعته ، وهو مدفوع لسياسة أهل مملكته ، وكلما رتق فتقاً من حواشي مملكته انفتق آخر ، وكلما لم منها شعثا رث آخر " . ويعلل

وجود الحكومة بقوله : " جبلت الخلائق على حب الانتصاف وعدم الإنصاف ، ومثلهم بلا سلطان قتل الحوث في البحر يزدرد الكبير والصغير ، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر " والطرطوشي يمقت المكر والدهاء في السياسة ، ولذا يقول : " من صرف فضل عقله إلى الدهاء والسكر والشر والحيل والخديعة كالحجاج وزياد وأشباههما فمذموم" ومن أقواله الحكيمة البارعة : " إن الرعية إذا قدرت على أن تقول قدرت على أن تفعل ، فاجتهد أن لا تقول تسلم من أن تفعل " .

ولم ينتفع رجال الدولة الفاطمية بكلماته الحقة ونصائحه الثمينة ، فقد كانت دولتهم تحب إلي السقوط ، فذهبت كلماته صرخة في واد ، ولكنها كأكثر كلمات الحكماء ونظرات المفكرين الملهمين إن كانت تذهب مرة مع الريح فقد تذهب مرة أخرى بالأوتاد ، وفي اعتقادي أن كتاب سراج الملوك من الكتب الجديرة بأن تعرف ويلتفت إليها ، لما فيه من أدب وحكمة ونقد وسياسة وتوجيه وإرشاد في أسلوب رفيع وتنسيق بديع .

اشترك في نشرتنا البريدية