الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 316الرجوع إلى "الثقافة"

الطريد

Share

] هذه القصة لمكسيم جوركى ، الكاتب الروسى الشهير ، الذى عاصر العهدين ، وشايع الثورة هى أحدهما ، فلما حكمت لم يجتح لها ، ولم يرض كل الرضا عن أساليبها ، فانعزل لخدمة الأدب ، وظل أمينا على مثله العليا حتى مات ، وهو كاتب صادق الحس ، صادق التعبير والتصوير . وقصته هذه ذات مغزى ورمز لا يخفيان على بصير [ .

طلع البدر أحمر كالدم ، فكأنه يخرج من بطن هذا السهل الذى ازدرد من قديم لحوم البشر ، وتشرب الغزير من دم الانسان ، حتى بات لأرضه هذا الدسم ، وغدا هذا السهب الريان .

كانت الأوراق تلقى علينا ظلالا كالشباك ، ترقص فوقنا انا والعجوز ، وكانت السحب ترمى ظلالها الزاحفة على الأرض ، يتخللها ضوء القمر ، فتنفشع عتمتها ، ويتولاها الشفوف ؟ وكانت الأصوات لا تبلغ مسمعنا من ناحية البحر الا وهنا : فتارة تلحظ بكاء كمان وأخرى يترامى ضحك الحسان ، وآنا يغنى غناء رخيما ، والموج فى هذا يتلاطم على الساحل ويتناهى الينا ايقاعه المنتظم . " أنظر هذا لاررا يسير هناك ! "

فنظرت الى حيث أشارت العجوز بيدها المرتعشة المعقوفة ، فإذا ظلال تمر أبابيل ، واذا ظل منها أشد ظلمة من سائرها يخطف أسرع من إخوته ، لأن السحابة التى ألقته كانت أقرب من أخواتها إلى الأرض .

قلت : " ما من أحد هناك " قالت : " إنك لأشد عمى منى أنا العجوز . ألا ترى هذا الظلام الذى ينطلق فى السهل ؟ " فعاودت النظر ، فلم أبصر شيئا ، اللهم الا ما سبق لى أن لحظته من ظلال . قلت : ما أرى غير الظل فلم تسمينه لاررا ؟ " قالت : " لأنه كذلك . وقد بات اليوم أشبه بالخيال ...  لقد عاش إلى الآن آلاف السنين ، فقددت الشمس فى

خلالها لحمه ، وجففت دمه ، ويبست علمه ، وذهب مع الريح بددا ، انظر كيف يفعل الله بالمرء الفخور . . "

فرجوت العجوز أن تقص على قصته ، فلقد حزرت من تلميحها أن ههنا اسطورة من تلك الاساطير الرائعة ، التى نسجها الخيال فى هذا السهل ، فأنشأت نقول :

" كان هذا منذ آلاف مضت من السنين . فهناك وراء هذا البحر إلى بعد سحيق ، أرض ونهر عظيم . وفى تلك الأرض من ورق الاشجار ، وأعواد الشب ما يلقى أمن الظل ما بقى الإنسان حرارة الشمس القاسية الحامية ؛ وفيها كذلك تربة صالحة .

سكنتها قبيلة منيعة الجانب عزيزة السلطان ، كثيرة القطمان ، ولوعة بالصيد ، طارد أبناؤها الوحش بقوة وكانوا فى مطاردته من الشجعان . فاذا ما عادوا من الصيد أداروا الأقداح ، وقارعوا الملاح كؤوس الراح ، وراحوا يقبسون من الحسن كما تقبس من النار .

وذات يوم والقوم فى وليمة " انقض نسر من السماء ، وخطف من بناتهم حسناء فاحمة الشعر ، ساجية كالليل . فانطلقت فى إثره سهام الرجال ، لكنها عادت من دونه مرتدة إلى الأرض . وطفقوا يبحثون فلم يجدوا الفتاة ، ولم يلبثوا أن نسوها كما ينسى كل شئ فى هذه الدار " .

وتتهدت العجوز ، وأمسكت عن الكلام . ثم خرج من صدرها ما يشبه الهرير ، فكأنها غمتمة القرون حركت الذكرى منسيها الدفين . وجعل البحر يصاحب الاسطورة بصوت خافت ، فعلها من تلك الاساطير التى نشأت وتمت وترامت على شطئانه .

" ونقضت عشرون من السنين فاذا المخطوفة تعود واهنة ، خائرة ، وإلى جانبها فتى جميل القسمات ، قوى العضلات ، كما كانت أمه من قبل . ولما سئلت أين كانت هذه السنين قصت عليهم كيف حملها النسر إلى الجبال ، وكيف اتخذها امرأة له . وهذا ولدها ، قد مات أبوه بعد

إذ شاخ ووههن ، وبعد إذ ارتفع إلى حالق ثم ضم جناحية ، ووقع فوق الصخور فتهشم

فرعى الجميع فرح النسر يعين الاعجاب . ورأوا فيه شبيهها لولا أن له عينين جامدتين مزهونين شأن ملوك الطير . وأقبلوا عليه يكلمونه فيجيب إذا شاء أو يلزم الصمت . فلما جاء شيوخ القبيلة استهان بهم ، وجعل يخاطبهم كما يخاطب الأنداد . فأحسوا الاهانة فى سلوك الفتى ، ورموه بقلة الأدب . فألوف من لداته يوقرونهم ، وألوف يكبرونه بعليمونهم . فرد وعينه تطفح بالجرأة . إن الزمان أن يجود بأمثالي . وليوقركم الجميع ما شاءوا فلن أوقركم . فثاروا وصاحوا به ؛ لن يكون لمثلك مكان بيننا فلتذهب حيث شئت !

فضحك ؛ وذهب حيث شاء - إلى فتاة جميلة كانت تنظر إليه مرتاعة ، فضمها إلى صدره ، فدفعته رغم ما كان من جماله ، وصدقت عنه خشية أبيها وكان من أولئك الشيوخ الذين قاضوه وأصدروا حكمهم عليه . فضربها الفتى حين صدت عنه ، وطرحها على الأرض ؛ ووطئ بقدمه صدرها ، فنفر الدم من فيها صوب السماء . وضافت أنفاسها ، وجعلت تتلوى كالحية ، ثم لفظت الروح .

فحمد الدم فى عروق النظارة ؛ فلم يكن لهم بمثل هذا المنظر عهد ، ولبثوا برهة صامتين يحملقون فى الطريحة الدامية الثغر ، الجاحظة العينين ، التى تطلب الثأر بأفصح من الكلام ؛ ويتفرسون باهتين فى الواقف إلى جنب جثتها فردا حيالهم أجمعين ، جامدا متعاليا ؛ لا يطاطئ رأسا ؛ يتحداهم أن ينزلوا به العقاب .

وما إن أفاقوا من غشيتهم حتى انقضوا عليه ، وشدوا وثاقه ، وتركوه هكذا . إذ كان البطش به لا يشفى غليلهم ، ولا يسقيه كأس الهوان " .

وساد الليل ، وتباعد غوره ، وازداد رونقه بما كان يتخلقه من روعة الأصوات الخافتة الغريبة : فهناك

السنجاب يصفر فى السهل حزينا . وهناك الجد جد يصر بين الكروم ، والأوراق تحف ، والبدر الكامل الذى كان قبل ذلك داميا فانيا ، قد شحب ، وهو يرتفع إلى علاء ، وجعل يسكب على السهل ضوءا مشوبا بضباب يزداد انتشارا .

" والتأم عقد الجمع وجعلوا يتشاورون فيما ينبغى أن يكون عقابه الذى يناسب جرمه . فارتأى أحدهم أن يشد المجرم إلى خيول عديدة ، ويوكل اليها تمزيقه ؛ لكنهم استضألوا هذا الجزاء على هوله . وارتأى آخر أن يرموه جميعا بسهامهم ، فلم يعجبهم هذا الرأى أيضا . إذن فليحرق ! لكن الدخان يتصاعد من الحطب خليق أن يستر عنهم أوجاعه . وتقدم هذا برأآ وذاك بآخر . لكن شيئا من هذه الآراء لم يرقهم ولم يلق ارتياحهم . والأم خلال ذلك جاثية علي ركبتيها أمامهم ؛ صامتة ؛ لا نجد مسعفا فى التوسل إلى القوم من دمع أو كلام . وظلوا على هذه الحال طويلا يفكرون ، فقال حكيم منهم بعد طول التأمل : لنسأله لماذا فعلته ؟

فسألوه فأجاب : حلوا وثاقى أولا ، فلن أتكلم مشدود الوثاق . فحلوا وثاقه ، فسألهم : ماذا يطلبون ؟ وكأنهم عنده بعض العبيد .

فقال الحكيم : لقد سمعت ما نطلب قال : ولم تطلبون أن أفسر أعمالى ؟ قالوا : لكى نفهمها ، ثم قالوا : أيها المتكبر أنصت ! إنك ميت لا محالة ، فدعنا نفهم لماذا فعلت فعلتك أنت زائل عما قريب ، ونحن الباقون ، فمن الخير لنا أن تزداد علما .

قال : إذن فلا قل لكم إنى قتلتها لأنها صدت على ... وقد كنت أريدها لنفسى . قالوا : ولكنها لم تكن لك ولا ملك يمينك . قال : أفتحتاجون إلى ما تملكون فحسب ؟ إنى أرى

لكم ألسنا ، وأبديا ، وأرجلا ... وأراكم تملكون مع هذا حيوانا ، ونساءا ، وأرضا ... وكثيرا غير ذلك .

قالوا : إن ما يأخذ المرء بدفع ثمنه من نفسه : فى عقله وقوته وحريته ، وحياته . قال : لكنى لن أبذل فى شىء نفسى

وطال كلامهم وكثرت ردوده ، وانتهوا آخر الأمر. إلى انه فى رأيه لامثيل له على هذه الأرض . وليس خلافه شىء فى هذه الدنيا وروع القوم ما وجدوه من وحدته ، فلا أهل ، ولا أم ، ولا ماشية ، ولا امراة ، ولا هو بطلب من هذا شيئا "

ورنت من الساحل ضحكة مرحة ضحكتها فتاة ، وغنى فتى غناءا جهيرا صاحبه فيه آخرون الحين بعد الحين وانساب الهواء بسرب من الانغام يسبح فى الجو ، ثم لم يلبث أن اختفى فجاءة ، وكأنه لقى من يقتنصه . واستطردت العجوز :

" وعاد القوم إلى التشاور فى نوع الجزاء الذي ينزلونه بالفتى ، فانشأ حكيمهم يقول : ان عندي جزاءا ما أراكم تهتدون اليه في ألف من السنين . فليكن جزاؤه من نفسه ، فأطلقوه . دعوه وشأنه فعقابه رهن حريته . وحدث عندئد حدث عظم : فقد قصف الرعد ىي السماء . وكانت خلوا من الغيوم ، فكان سلطان الطبيعة يوكد أقوال الحكيم .

فأمن الجميع على كلامه ، وتفرقوا كل فى سبيله ، الا الفتى الذى بات فى ذلك الحين يدعى لاررا أو الطريد ، فأنه قهقه فى إثر القوم ، وبقى فى مكانه حرا طليقا ، كما كان أبوه ؛ لكن أباه لم يكن بشرا ، وهو من البشر . بات حرا كالطير مباحا دمه ، يسطو على القبيلة يسرق غنمها ، وتيطف بناتها فتطلق عليه السهام ، فلا تنفذ إلى جسمه ، لأن عقوبته الكبرى تخفيه من الأنظار ، وقد كان يقظا ، نهايا ، جسورا ، قاسيا ، لكنه لا يلقى إنسانا وجها لوجه . وكان لا يرى إلا من بعيد ؛ فمن رآه أطلق عليه سهمه ،

وما أكثر ما أطلق عليه من سهام ، وقد لبث يتحاشى الناس فى وحدته حقبة من الزمان . لكنه أنى للأنسان أن يأتى فى حياته شيئا واحدا لا يأتى غيره . انه لا يطلب المتعة وحدها ، فالمتعة تفقد مع الزمن قيمتها . انه يطلب الألم .

ومن ثم اقترب من الناس وما كاد يفعل ؛ فقد انقضوا عليه . فلم يحرك ساكنا ، ولم يزايل موضعه ، ولم يدفع أذاهم عن نفسه فخزر أحدهم غرضه ، وصاح بالبقية : كفوا أيديكم ، انه يطلب الموت ، فكفوا أيديهم عنه ، فما كان قصدهم أن يخففوا عنه عب الحياة وقد آذاهم ، أو أن يعجلوا بمنيته . وضحكوا منه ، فانتقض حين رن في أذنه هذا الضحك ؛ وفتش عن شىء فى صدره ، ثم انتبه إلى حجر على الأرض فرفعه ، وحمل به بغتة عليهم ، فتفادوا من ضرباته ولم يضربوه . وكل الفتى ، وخارت قواه ، فسقط على الأرض . ثم نهض والتقط سكينا كانت قد ضلت فى مدافعته ، وطعن بها صدره ؛ فتكسرت السكين كأنما صدمت حجرا صلدا ، وفسقط ثانية على الأرض وطفق ينطحها برأسه ، فساخت الأرض تحت ضرباته ، وانخسفت .

فصاح القوم مبتهجين . أنه لا يستطيع الموت . وانصرفوا عنه وخلفوه وحده ؛ فانطرح على الأرض ووجهه إلى أعلى ، فلمح فى السماء نسورا قاهرة ، كأنها فيها نقط سوداء . وبقى طريحا وفى عينيه من الغم ما لو قسم على البشر لسممهم أجمعين ولبث من ذلك الحين يبحث عن حتفه ولا يلقاه ، ويهيم على وجهه فى كل مكان ... ها هو ذا قد بات خيالا ، وسيبقى كذلك إلى آخر الزمان . أنه لا يفقه للناس قولا ولا فعلا . انه يبحث عن حتفه أبدا ويهيم أبدا ... انه لا حياة له ولا يسم له ممات . انه لا مكان له بين الناس .. وهكذا يلقي المتكبر الجزاء " . وتنهددت العجوز ، وأمسكت عن الكلام ، وتدلى رأسها على صدرها ، وجعل يتمايل تمايلا غربيا ، ثم غلبها النعاس .

اشترك في نشرتنا البريدية