الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

الطفل واللغة القومية, الطفل واللغة القومية

Share

من المشاهد أن الأطفال يتعلمون لغة أيوبهم وعشيرتهم ، في السنوات الأولى من حياتهم ، في يسر وسهولة تتطلع إليهما أعناق الكبار الذين يحاولون أن يتعلموا لغة أجنبية . والموازية بين هذين النوعين من التعلم طريقة ومفيدة معا ، ففي إحدي كفتي الميزان رضيع صغير ، ليس لديه تجارب ولا معارف سابقة ، يتلقي اللغة بالسماع ، وعلي طريق التدريب الشفوي ، لا علي يد معلمين فنيين ، ولا في أسلوب تعليمي منظم ، ولكن على يد أبوين وإخوة وخدم ورفقاء . وفي الطرف الآخر من الموازنة شخص كبير ، مزود بصنوف المعارف والقوى الناضجة ، يتلقي اللغة الأجنبية على نظام ذي قواعد وأصول ، وطرق مدرجة من السهل إلي الصعب ، وعلي طائفة أعدت إعدادا خاصا لتدريس اللغة ، مستعينا بالتدريب الكتابي والشفوي ، وبكتب المطالعة والمعاجم اللغوية وغيرها .

هذا التفاوت البين في الاستعداد والطريقة ، يقابله تفاوت عكسي في النتيجة ؛ فإنك تعد الطفل الصغير قد انتهى بإجادة لغته وتصريف أعنتها ، على حين تجد الكبير - في محاولته تعلم اللغة الأجنبية - ينتهي بعد سنوات إلي مستوي ناقص في استعمال اللغة وأساليبها مهما يكن ذلك المتعلم ذكيا أو واسع التفكير .

ومن المفيد من الوجهتين النظرية والعملية أن نبحث في سر هذا التفاوت ، وأن ننتفع بنتائج البحث في تيسير مشكلاتنا اللغوية الحاضرة .

هل السر في أرجحية الطفل على الكبير مرونة الأجهزة الصوتية في الصغر ، وفقد تلك المرونة - أو علي الأقل نقصانها - في الكبر ؟ أم السر قوة إحساس آذان الأطفال بالأصوات ؟ أم أن خلوهم من العادات السابقة المتأصلة - التي يرزح الكبار تحت أعبائها في تعلمهم لغة جديدة - يساعد الأطفال علي تحصيل القومية في سهولة وإتقان ؟ أم أسهم يتفرغون أثناء تحصيلهم اللغة لهذه المهمة وحدها ، فلا يشغلهم ما يشغل الكبار من كدورا ، العيش ، أو جد في طلب العلم ؟ أم أن الوراثة تسيل على الطفل تحصيل لغة آبائه بما تترك في طيات دماغه من منعرجات وتلافيف يقوم عليها ميله وتعلمه لتلك اللغة الخاصة ؟

تلك النظريات كما تري لا تسلم من سهام النقد ، ولا تنهض واحدة منها - منفردة - سبا كافيا للتفرقة بين تعلم الطفل وتعلم الكبير . فلو ان الأجهزة الصوتية عند الأطفال من المروية كما تدعي الفكرة الأولى لالتقطوا الأصوات قريبة من الاتقان عند سماعها ، وقلبت تلك الأخطاء الكثيرة التي تصدر منهم في بدء نطقهم الأصوات المختلفة ، والواقع أن وقتا طويلا تمي عليهم قيل أن يصلوا حد الإتقان في تقليد أصوات الكلام .

ومثل ذلك بقان في قوة إحساس آذانهم بالأصوات ، فإن الأذن تتطلب وقتا لنموها وقيامها بوظيفتها ، وهي لا تميز في مبدأ أمرها كثيرا من ألوان الأصوات التي تميزها نحن الكبار في دقة وسهولة .

أما فكرة الخلو من العادات السابقة فيلاحظ عليها أن الأطفال في تعلمهم لغة أبيهم وأمهم يغالبون بعض العادات التي استقرت في نفوسهم . وليس صحيحا ما يقال من أن شواغلهم في الصغر قليلة ، فإن الطفل أثناء تعلمه الكلام ليواجه مشكلات اخري بصرف فيها جزءا كبيرا من نشاطه ، وشأنه في سنواته الأولى أن يحصل عادات وينعي قوي لا يسهل تحصيلها أو تنميتها بعد فوات الطفولة .

وقد يكون في فكرة الوراثة شئ من الصحة ، ولكنها لا تزال تفتقر إلي إثبات علمي ، ومما يشكلك في قيمتها أن أطفال المهاجرين مثلا بتعلمون لغة الوطن الذي يهاجررون إليه كتعلم أطفاله الثابتين على ثراه .

ومهما يكن من أمر هذه النظريات فالاختلاف في كسب اللغة بين الطفل والكبير حقيقة واقعة ، وربما كان من المثمر نفس أسباب هذا الاختلاف في ناحيتين :

إحداهما خصائص نمو الطفل في سنينه الأولى ، فالوقت المناسب لتعلم اللغة الوطنية هو نفس الوقت المناسب لكثير من أنواع التعلم الآخر ، وهو السنوات الخمس الأولي من الحياة : ففيها يتعلم الطفل الحركة والمشي واللغة ومبادئ التفكير ، وفيها - كما يذهب كثير من العلماء - يقرر الطفل أسلوب حياته المستقبلة . وقد اهتم العلماء أخيرا . بهذه المرحلة ، ودرسوها دراسة تجريبية ، وحددوا المثل التي يجب أن يصل إليها النمو الطبيعي في جميع مظاهره ( ومن أهم هذه الظاهر القدرة على التعبير اللغوي واستعمال أجزاء الكلام ) ، وبينوا ما يعتورها من شدوذ وما يؤثر عليا من عوامل ، واعتبروا النمو في المراحل التالية لها تكشفا وترقيا في خصائص تلك المرحلة الأولى ومميزاتها .

والناحية الثانية مركز الطفل في بيئته الأسرية المحدودة

وموقف أفراد تلك البيئة منه ، فالطفل يسمع لغته القومية من الصباح إلي المساء ، وهو يسمعها واضحة المخارج والمقاطع ، موحدة الاستعمال في ألفاظها وأساليبها ، وفي نحوها واشتقاقها ، وهو ينهل من وردها العذب الدائم التجدد طول يومه ، وهو - قبل أن يحسن استعمالها - يسمعها من المحيطين به مكررة عباراتها ، مقرونة في كثير من الأحيان بالعمل الموضح لها ، فالأم في مناغاتها لوليدها ، وفي قيامها على شئونه المختلفة ، تعيد على سمعه كثيرا من الكلمات التي تدور حول معني واحد ، وتقرن الكلام بالعمل في معظم الحالات .

ولأمر ما كان النساء أكثر كلاما من الرجال ، فلو أن الإشراف على الأولاد في مستهل حياتهم عهد إلي الأباء ، لأبطأت سرعة الأطفال في تعلمهم الكلام وإجادتهم طرق التعبير .

وللشاعرة الإنجليزية ( اليزابث برونتج ) في هذا المعنى أبيات عذبة الروح تصف فيها " كيف أوحي الله إلي الأمهات أن ينشئن أبناءهن في طريقة مرحة محببة ، وكيف أودع فيهن القدرة على نظم عقود من الكلمات الجميلة لا معنى لها ، وعلي أن ينفثن مع قبلاتهن معاني كاملة في أصوات عابثة ، فهن يحطن الوليد بالحب ، ويعلمنه أثناء اللعب ، ويحفظن عليه مرحه وخفته طويلا ، والآباء يحبون أبناءهم كذلك ، ولكن حبهم مثقل بأدمغة رزينة ، وإرادات شاعرة يتبعانها ، فحبهم ليس حكيما كحب الأمهات لأنه أقل منه خفة وحمقا ! "

أضف إلي ما سبق أن الطفل بتمتع بدروس خاصة في لغته طول وقته ، وهو يسمع اللغة في كل أحوالها ومواطنها الممكنة ، في شكل طبيعي غير متكلف فوارد فيه اللغة وظروفها ، وتتطابق الكلمات والإشارات وتعبيرات الوجه مما يساعد الطفل على صحة الفهم وضبطه .

ولأغلب ما يسمعه الطفل في صغره موقع خاص عنده ، ذلك لأنه يعنيه ويهمه ويرتبط وغائبه وراحة جسمه ، وما يبدأ هو ينطق ببعض الكلمات حتى يحس قدرتها السحرية على تحقيق مطالبه ، فيشعر إذ ذاك بقيمتها العملية ، ويزيد هذا في حسن إقباله عليها وفي تدليل صعوبة استعمالها ، حتى النوع الذي يسمعه ولا يكون له علاقة سيدي ولكن لا يناكنه بحاجاته الحاضرة لا يذهب سدي ، ولكن يدخر في ذا كرته ليوم يحتاج فيه إليه . وكل ما يسمعه الطفل ولو من لغة غير لغته الأصلية بخلف أثرا عنده ، والأمثلة على ذلك كثيرة في الدراسات الحديثة نكتفي منها عنا باثنين ؛

الأول ما رواه Stern عن طفل عاش في سيليسيا السنة الأولى والنصف من حياته ، ثم جيء به إلى برلين في وسط لم تتح له فيه فرصة سماع اللهجة السيليسية ، فكان مما دهش له المحيطون به أن سمعوه - وهو في سن الخامسة - ينطق بأساليب وتعبيرات سيليسية ، واسفرت بحوثهم في هذا عن أن ذلك راجع إلي مدة السنة والنصف التي قضاها في تلك المقاطعة .

والمثال الثاني ما رواهGrammont عن طفلة فرنسية كانت لها حاضنة تتكلم الفرنسية بلهجة إيطالية ، ثم تركتها هذه الحاضنة قبل أن يتفتق لسانها بالكلام بمدة وجيزة ، فما هو إلا أن بدأت تتكلم حتى لوحظ أن في لسانها شيئا من الهجة الإيطالية ، ولم يزل هذا يلازمها حتى سن الثالث

على أن هناك جانبا آخر لا يصح إعفاه ، ذلك أن بين الطفل وبين الذين بلقنوبه اللغة في صغره صلة روحية قوية ذات طابع شخصي ، فهم يهتمون تكل صغيرة وكثير ، مما يفعله ، ويسرون بكل خطوة صغيرة بخطوها ، ويقابلون محاولاته المتعثرة بالعطف والتشجيع ، ولا يعرضون غلطانه للنقد والتشهير . وأذكر أن هناك مثلا في إحدي

اللغات الأوربية يقول : " إذ أردت ان تتكلم جيدا فمزق نسج اللغة اولا " أي أهتم بالكلام ، ودع عنك التفكير في الخطأ . ولكن كثيرا من مدرسي اللغات ينسون هذا ، فهم يطالبون المتعلم بالدقة من مبدأ الامر ، ولا ينقلونه من موضوع حتي يتقنه ، وربما أضعفوا بذلك رغبته في تعلم اللغة ، أو ذهبوا بها على الاطلاق . والصي لحسن الحظ ليس عرضة لشيء من ذلك ، فان كل حرف يقوم يقابل من أمه ، والمحيطين به في دائرة الأسرة بالسرور والاعجاب .

هذه هي مزايا تحصيل اللغة القومية في المراحل الأولى من النمو ، أفلا نستطيع نحن أن نجعل في هذه الناحية أحد حلولنا لمعضلة تعميم اللغة الفصيحة ؟ نحن الآن سائرون على الدرب في سبيل الإصلاح من تيسير محو وتبسيط كتابة ، وحض للمدرسين على إلقاء دروسهم المختلفة بالمغة الصحيحة ، واستعمال لهذه اللغة في التخاطب بين الجمهور المثقف ، ونحن الآن ممنيون بنشر التعليم بين الأفراد ، حتى يحييء اليوم الذي يقرأ فيه الجميع ويتكلمون لغة واحدة في المنزل والحقل والصنع والمتجر .

ولكننا لا نكاد نتنبه إلي أن اللغة العامية في مرحلتنا الحاضرة تحتل من ذهن الطفل المكان الاول ، وأنها عنده لغة الفطرة والطبيعة بتكلمها دون تلجح أو توقف . ونحن نترك حبله على الغارب في سني الإنشاء والتكوين ، ثم تجيء بعد ذلك فنكافه تعلم اللغة القصيحة ، وتزحم زهنه بالقواعد والضوابط ، فإذا ما ملجر ذهبنا نحن شعي علي اللغة العربية كثرة تصاريفها وحركات إعرابها ، ونيأس أو نكاد من الإصلاح .

( البقية على صفحة ٢٥ )

(بقية المنشور علي صفحة ٢٠ )

إن لهذه المرحلة التي تدعو إلي العناية بها ناحيتين ناحية المنزل ، وهذه تستلزم التفكير في إصلاح لغة الأبوين ، ولا سيما الأم ؛ وناحية التعليم ، وهذه تستلزم الأهتمام بالبيئة اللغوية للطفل في مدارس الحضانة ورياض الأطفال . واعتقد أن في كلا الميدانين متسعا للعمل الآن : فقد نستطيع حكومة وشعبا أن نتعاون على تثقيف الأمهات من طريق إعداد جماعة من المرشدات والآسيات ، تحسن خلال الديار ويتحدثن إلي السيدات في الشئون الصحية والأسرخ والدينية في لغة اقرب إلي الصحة ، وابعد من التحريف ، وبقران لهن شيئا من الكتب السهلة المبسطة ، ويعقدن لهن مجتمعات صغيرة ، يأخذن فيها بأطراف الحديث في شني الموضوعات .

ونستطيع أن نشجع سيداتنا علي أن يسعين المساجد إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ، وان يستمعن للمواعظ والدروس يلفيها نساء أو رجال مثقفون ثقافة وبنية حديثة ، وأن يحيين عهد سابقاتهن أيام الرسول في حرصهن على حقوقهن ، وعلى ألا يغلبهن الرجال عليه . ففي كل ذلك نشر للثقافة بينهن ، وتزويد لهن غير مباشر باللغة الصحيحة .

ولقد نستطيع أن نتخذ من مدارس الطفولة ميدانا خصبا للتجارب النفسانية والتعليمية التي تقوم على ترويد الطفل منذ نعومة أظفاره باللغة العربية . ولعل فريقا من المهتمين بالتربية يحذون حذو الأستاذة الانجليزية S.isaacs في تأسيس مدرسة تجريبية للصغار من ابناء الأسائدة والدرسين ) مثلا ( ، يشرف علي نشاطهم فيها معلمات ومعلمون مدرون يتعهدوسهم باللغة الصحيحة ، ويدونون ملاحظاتهم اليومية في سجل يرجع إليه الباحثون بعد في نمو اللغة وترفها عند الأطفال .

اشترك في نشرتنا البريدية