قضت الظروف القواهر التي حلت بدمشق إلا أن تحطم الأقلام القليلة التي كانت تهتز بين حين وحين لمسح عبرة من مقلة، أو لتأسو جرحاً في قلب، أو لتبعث نشوة في نفس.
وأخذت جلَّق تطوي الليالي السود وفي نفوس المثقفين من أبنائنا غصة، وتقضي الأيام العوابس والألم يصهر الغُيُر من شبانها على الأدب الذي أصبح ميتاً فيها خلال هذه الأحداث أو شبه ميت. ولسنا ممن يزعمون أن الأدب في دمشق كان قبل
الحرب خيراً منه في خلالها، ولكن العاملين والعاملات كانوا يجدون حين يمتطى القلم أناملهم الخمس اللطاف! ميداناً ينتشرون به ما ينتجون. ولكن هذا الميدان بدأ نطاقه يضيق منذ اتقدت الشرارة الأولى لهذه الحرب الضروس - التي توشك أن تقضي على البشرية إن لم يطفئها عقلاء قوم - ولم يكن هذا الضيق خاصاً بالأدب والأدباء وحدهما، وإنما كان عليهما أشد منه على غيرهما من مرافق الحياة. وما زال الضيق يشتد، والنطاق يتأزم، وحتى أمسينا منذ شهور وليس في الميدان من يخط حرفاً (لرثاء) الأدب بعد أن تلاشى وخمدت أنفاسه
وهكذا حطم الأباء والمتأدبون يراعهم، وحرمنا الأنس بصرير أقلامهم، وظريف أقوالهم. . . حُرمنا ذلك كله لتحل محله الوحشية بدوي القنابل، والذعر من عويل الطائرات (1)
ولم يعد ثمة مجال لغذاء العقل، وقوت الفكر، ونشوة الروح وها قد أخذنا نتنفس الصعداء بعد هذه الضُّغطة(2) القاتلة وشرعنا نستعيد شيئا من هدوء النفس، وطمأنينة الفؤاد بعد الانقلاب الأخير. فهل نترك عقولنا إلى الأبد دون غذاء، وأفكارنا دون قوى، وأرواحنا دون خمر؟
تقول العامة إن الحركة بركة! وهذا الأستاذ الطنطاوي يتحرك ويسارع بنشاط إلى قلمه بعد أن سكت فأطال وأطال وهذه الأنباء تترى علينا من كل ناحية وصوب، والشائعات تملأ الجو الأدبي وكلها تبشر بخير كثير ونفع عميم. ولعل أعظم هذه الأنباء شأناً وأدعاها للغبطة والسرور هو نبأ إعادة مجلة المجتمع العلمي في وقت قريب إلى حيز الوجود وتأمين صدورهابأوقاتها المعينة؛ والذين يعرفون مبلغ أهمية هذه المجلة في دنيا الأدب سيغتبطون لهذا النبأ دون ريب. وهناك من يقول بان الدكتور العجلاني يسعى للحصول على ترخيص لإصدار مجلة أدبية راقية، وإن لم يكن قد حصل بالفعل. وهناك طائفة من الشبان العاملين في حقل الأدب تعد العدة لإصدار صحيفة في الموضوع نفسه.
ونعتقد أن هذه الصحيفة ستكون أكثر توفيقاً من غيرها لأنها ستقوم على سواعد أناس لا يبغون من وراء عملهم سوى خدمة الأدب والثقافة. وهناك. . . وهناك. . . فهل يتحقق كل
هذا فيك يا دمشق؟ وهل تصدق كل هذه الأماني والأحلام العذاب؟ وهل ترى أدبائنا كلهم يتسابقون إلى الميدان بإخلاص وعزم وثبات؟ هل ترى الأدب في دمشق مزدهراً يانعة ثماره؟ وهل ترى شيوخ الأدب وشبانه يعملون معاً متوادين متآلفين، مخلصين متفقين، ليس في الشيوخ واحد يستخف بشاب، ولا بين الشبان متحذلق واحد يشتم الشيوخ ويسكب الثناء على نفسه من وراء حجاب؟ هل ترى كل ذلك. . .؟ هل تراه؟
(دمشق)

