الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 192الرجوع إلى "الرسالة"

الطين الضعيف

Share

سألنى صديق عن شىء لماذا افعله أو اتركه - فقد نسيت -  فكان مما اذكر أنى قلته له أني أعيش الآن كما احب لا كما يجب،  فقد جاوزت الأربعين، والذى بقى لى من العمر ستفسده  الشيخوخة المتهدمة لا محالة حين ترتفع بى السن فلا يبقى لى حينئذ  من لذة الحياة إلا الوجود بمجرده لو إن هذا يفيد متعة، فمن حقى  فى هذه الفترة - التى أرجو أن تطول قبل أن يدركنى الذوى  والذبول - أن اعتصر من الحياة كل ما يدخل فى الطوق اعتصاره  من المتع واللذاذات، فأنا أقرأ ما اشتهى، وأذهب إلى حيث أريد،  وأجالس من آنس به، ولا أبالى من غضب ممن رضى، فما فى الحياة  صحة لمبالاة ذلك؛ وأطلق نفسى على السجية كلما وسعنى ذلك،  وليس للناس على اكثر من أن أؤدى واجباتى فيما عدا هذا

ودخل على وأنا أقول هذا لصديقى شاب مهذب فحيا وقال  انه يقرأ الآن ديوانى، ففزعت ولكنى ابتسمت له وقلت   (كان  الله فى عونك. ومن الذى ابتلاك به. .)

فأهمل السؤال وجوابه واقبل على يسألنى:   (انك تكتب  بسرعة)  فقلت (إن الذى اعرفه أنى اكتب فى غرفة تحيط بها  جدران من الحجارة لا تنفذ العين منها على خلاف ما كان يصنع  ديماس الذى كان يكتب على ما يقال فى دكان فيجىء الناس  وينظرون إليه من وراء الزجاج. . أريد أن اعرف يا صاحبى  ماذا تعنى بالسرعة)

قال   (اعنى انك تكتب إلى مجلات كذا وكذا وكذا. .  وتكتب فى صحيفة يومية أيضاً. . هذا كثير. . فمتى تستطيع  أن تكتب كل ذلك. . انه نشاط عجيب. .)

فقلت   (جواب السؤال أنى اكتب وأنا نائم، فالذى تقرأه  لى هو أضغاث أحلامى. . وأما النشاط يا صاحبى فذاك أنى  مازلت فى شبابى)

فتركنى وهو يقول إنه يدرس ما أكتب وإنه ينوى أن

ينشر بحثاً، فاستعذت بالله وحاولت أن اصرفه عن هذا العناء  الباطل فما أفلحت، فتوجهت إلى الله عسى أن يصرف عنى هذا  السوء بطريقة ما. . وهل كثير على الله أن يشاء أن تشب النار  فى كتبى التى عند هذا الشاب، أو تنقلب الدواة كلما هم بالكتابة،  أو تجمد أصابعه أو يحدث له غير ذلك من أسباب التعويق والتعطيل.؟

وانفض هذا المجلس، ولكن خاطراً ثقيلاً ألح علي وظل  يدور فى نفسى، ذلك أن كل من ألقاهم من إخوانى يذكرون هذا  النشاط. ولا يكتمون تعجبهم. فلم يسعني إلا أن أتعجب مثلهم  وإلا أن أسائل نفسي:   (أكان هذا يبدو لهم منى مستغرباً لو انهم  كانوا يرونني شاباً فى العشرين من عمري مثلاً؟ أتراهم يستغربون  لأنى فى ظنهم خلفت شبابي ورائى فالمنتظر من مثلى فى اعتقادهم  هو الفتور. .)  ولم يعجبنى هذا التأويل فانه ثقيل على النفس،  وآثرت أن أقول انهم هم معدومو النشاط ولذلك يتعجبون لى.

ثم أنى لا أحس إلا أنى مازلت شاباً. والعبرة بالإحساس لا بهذه  الشعرات البيضاء التى يقول عنها ابن الرومى أنها تزيد ولا تبيد  فهي مثل نار الحريق. . وما قيمة هذه الشعرات. . لقد ابيضت  وأنا فى العشرين من عمرى، وكنت يومئذ بها فرحاً مزهواً، وكنت  أعدها مظهراً للرجولة ومدعاة للاحترام، فماذا حدث حتى صرت  حتى ابغضها. . أو لا ابغضها وإنما انظر إليها فى المرآة فأزوم، وتقول  شفتاي   (هممممم) . . ثم أنى أرانى اجلد من أبناء العشرين،  واصبر على العناء والجهد، واقدر على العمل والحركة، واحسن  تلقياً للحياة، وأسرع استجابة لدواعيها، فما قيمة هذا الذى تطالعنى  به المرايا؟. وما حاجتى أنا إلى المرايا؟. ومتى كنت انظر فيها حتى انظر فيها  اليوم؟. كلا. . إن أمامى بإذن الله حياة طويلة،  وليست الحياة أن أظل باقياً فى الدنيا والسلام، وإنما هى أن أظل  قادراً على العمل وكفؤاً للأعباء، وهذا ما اعتقد انه سيكون شأنى  فما اشعر بدبيب الفتور ولا أرى أية علامة على ابتداء النضوب.

وضحكت وأنا أقول ذلك فقد تذكرت أنى قلت مرة لصاحب  كان يحدثنى فى هذا الموضوع أو يسألنى على الأصح   (هل تعرف  حكاية الذي أراد أن يتزوج بنت السلطان. . لقد زعموا أن  رجلاً من الغوغاء زعم انه سيتزوج بنت السلطان، فلما سألوه  كيف يتسنى له ذلك، قال أن المسألة بسيطة، فقد رضيت أنا بزواجها

ولم يبق إلا أن يرضى السلطان. وكذلك أنا فقد عزمت أن أعيش  إلى التسعين والمائة أيضاً وأنا موافق على ذلك وراض بهذه  القسمة وليس باقياً إلا أن يمالئنى الحظ ويساعفنى القدر. . .)

ويتفق لى كثيراً أن أقف بالسيارة حيث يطيب لى الوقوف.  ويسرنى حين أفعل ذلك أن أنظر إلى الناس وهم يروحون ويغدون  وأن أتأمل ما يكون مهم وكيف يمشون وكيف يتحدثون  ويميل بعضهم على بعض وكيف يذهلون عما يكون أمامهم لأن  ما هم فيه من الحديث يستغرقهم فيصطدمون أو يحدث غير ذلك  مما يضحك ويشرح صدر المتفرج. وأنظر أيضاً إلى الفتيات  الناهدات وهن يمشين متخلعات متثنيات متقصعات وعيونهن  دائرات فى الرجال فإذا نظروا إليهن أغضين كأنما كن ينظرن  عفواً. إلى آخر ما لا يسع المرء إلا أن يراه فى الطريق. فحدث  يوماً أني اشتريت شيئاً من دكان ثم دخلت السيارة وقعدت فيها  وشرعت أدخن وأجيل عيني فى الناس فكان الرجال يمضون  ويمرون بي ولا يعيروننى الفاتاً؛ أما الشبان فكانت عيونهم  ترمقنى خلسة. وأما الفتيات فكن يحدقن فى وجهى صراحة،  فكنت ابتسم مسروراً بهذه المناظر. فمرت بى فتاتان بارعتا الجمال  فلما بلغتا حيث كنت وافقاً مالت إحداهما على الأخرى جداً  وهمست وهى تنظر إلى: ده عجوز، ومن الغريب أنى سمعت  الهمسة الخافتة على بعد مترين، وأحسب أنى ما كنت لأسمع  ما تقول لو أنها صاحت بأعلى صوت   (ما أحلاه وأجمله وأبرع  شبابه)  وأكبر الظن أن الترام كان يمر حينئذ فيغرق هذا الثناء  بضجته فيفوتنى ما يسرنى. أو تسقط عمارة فيفزع الناس ويذهلون  ويشغل الخلف بذلك وأنا فى جملتهم. . . وأنا أتكلم أولاً ثم أفكر  بعد ذلك؛ والأولى العكس، ولكن هذا ما أصنع غير عامد. فلما  سمعت الهمسة الثقيلة رأيتنى أصيح بالفتاتين   (فشرتِ. فشرتما.  فشرتن)  فضحكتا وتثنتا وذهبتا تعدوان

ولم يسؤني قول الفتاة إنى (عجوز)  فما كانت سنها تزيد على  الرابعة عشرة وأنا فوق الأربعين بسنوات فهى طفلة بالقياس  إلى وليس فى وسعها إلا أن تحس هذا الفرق. وغير منتظر أن  تدرك أن صباها صبى جسم لا أكثر. وان شبابها الذى تزهى به  طراوة ولين ملاسة ونعومة. وعزيت نفسى بلهجة المتشفى به  بأنها ستفقد ذلك كله حين تناهز الأربعين وأنها لن تجد يومئذ

عوضاً عما فاتها وأن نفسها ستسبق جسمها إلى الذوى. على حين  أظل أنا فيما أرجو شاب النفس لا يضيرني أن الزمن يكون قد  حفر على وجهي وجلدي أخاديد عميقة. ومن العدل أن تباهى الفتاة وتزهى بما لا عوض عنه وليس من الإنصاف أن أنكر  عليها ذلك أو أكرهه منها

ثم رجعت أقول لنفسي ولكن ما قيمة شباب النفس وحده. .؟  ما جدواه إذا فقد الجسم شبابه. .؟ وتذكرت أبياتاً من قصيدة  طولية كنت قلتها منذ عشرين عاماً ولم أنشرها - بل نشرت بضع  مئات منها فى صحيفة أسبوعية -

أيها الطينُ ما ترى بك أبغي ... لستَ - فيما أرى - لشيء كفاء

إن طلبتُ السماء قلت لى الأر ... ض - أو الأرض كنتَ لى عصَّاء

إلى آخر هذا الهراء. . . ولم يكن هذا الطين يستعصى عليه  شيء يومئذ. وما قلت ذلك إلا فى ساعة فتور شديد جعلنى كاليائس أو انسياقاً مع المعانى التى ولدتها روح القصيدة وأنا انظمها. ولم يكن يخطر لى أني سأذكر هذه الأبيات التى رميتها  وأهملتها حتى مرت الفتاتان بعد عشرين عاماً ونظرت إحداهما  - وأحلاهما - إلى الشيب فى فودى وقالت وهى تميل على صاحبتها    (ده عجوز)

إيه يا فتاتي الصغيرة أما والله إني لأشتهي أن أفتح ذراعي  وأضم كل فتاة خود مثلك - أضم ملايينكن دفعة واحدة فى عناق  مفرد كما أراد من نسيت اسمه - نيرون إذا كانت الذاكرة لم تخنى - أن يضرب أعناقكن جميعاً بضربة سيف واحدة. . ولعله  استسهل هذا واستخف مئونته واستضأل كلفته. وإنى لأرفق  بكن منه - أو لعلى أقسى فما أدرى - ولكنكن ملايين والطين  ضعيف واه. . وإنى لأرانى كما يقول ابن الرومى:

ضعيفاً جباناً - اشتهى ثم أنتهى ...

                             بلحظى جنابَ الرزق لحظَ المجانب

وإني لأحس الحياة ثقيلة الوطأة على كاهل الصبر. . وإني  لعود فى الليل إلى دارى فتقول لى زوجتى ألا تستريح؟ فأقول  كلا. . لا راحة لحي. . وأمضى إلى مكتبى وأجلس إليه وأهم  بالكتابة فأرى النعاس يثني رأسى على صدرى، فأنهض متبرماً،  ساخطاً على هذه البلادة، وأقول لنفسى وأنا أرتمى على الفراش  أترى لو كنت فى مجلس لهو وطرب أكنت أفتر هذا الفتور؟

ويغلبنى النوم قبل أن أسمع جواب النفس. . وإنى ليكون أمامى  الطعام الجيد المشتهى فأمد إليه يدى محاذراً وأتناول منه مترفقاً  وعلى قدر مخافة الكظة أو الانتفاخ، ولم أكن أبالى ذلك قبل  سنوات. . وإنى لأهم بزيارة الصديق فيصدنى أن درجات سلمه  كثيرة فأرتد وألعن أصحاب العمائر الذى لا يتخذون المصاعد. .

ولم يرضنى هذا السخط على نفسي فقلت وأين هذا الفتور؟  ومن ذا الذى لا يكل أحياناً؟. إنى أعمل كالحمار بالليل والنهار وأكتب فى اليوم الواحد فصولاً ثلاثة أو أربعة لأكثر من  صحيفة واحدة. وأقطع بالسيارة أكثر من خمسين كيلو فى نهاري،  واسهر إلى منتصف الليل، ثم أقوم فى الفجر مع الديكة والعصافير  وأقصد إلى مكتبى وأروح أدق على آلة الكتابة حتى لقد غير  جارى غرفة نومه لكثرة ما أزعجه وأطير النوم عنه فى الصباح  الباكر. وأنا أجالس الناس وأحادثهم وأفعل ما يفعله المرء  بشبابه ولا أراني أكل أو أهى أو أمل أو أفتر. . وإن رأسى  لدائب لا يكف عن العمل فى يقظة أو نوم؛ ولو كنت أقيد  ما يدور فى نفسى لوسعنى أن أملأ الدنيا كلاماً، ولكن المصيبة أنى لا أقيد شيئاً وأني أنسى، فالذي يبقى لى لا يعدل جزءاً من مائة مما  يخطر لى، وإذا كانت لى شكاة فتلك أنى لا أفتر ولا أرانى أقنع  بما أستطيع وما يدخل فى وسعى. ولقد قال لى مرة طبيب حاذق  شكوت إليه أنى لا أهدأ - إن بنائى كله من الأعصاب، وأن  جسمي ليس أكثر من شبكة أعصاب ركبت لها العظام لتمسكها  ووضع لى هنا قلب وهناك معدة إلى آخر ذلك، ثم كسى هذا كله  جلداً رقيقاً ليمكن أن يقال إن هذا جسم إنسان، ولكن المهم هو  هذه الأعصاب؛ فإذا كنت أشكو شيئاً فى بعض الأحيان فيحسن  بى أن أعرف أنه من الأعصاب ليس إلا (فأرحها حين تتعب  تعد كما كانت فإنها متينة. وأكبر الظن أن هذه ليست أعصاباً وإنما  هى (جنازير من الحديد)  ويكفي أنها تتحملك) كذلك قال.

ودليل صدقه أنى لم أشك شيئاً قط مذ سمعت منه هذا؛ ولو كان بى  شىء غير هذه الأعصاب لما نفعنى كلامه. ولقد خرجت من  عنده إلى صيدلة فيها ميزان فوقفت عليه فإذا بى - بثيابى الشتوية  لا أزن أكثر من سبعة وأربعين كيلو، فضحكت وقلت: (كم ترى  يكون وزنى فى الحمام. . بغير هذه الثياب. . أو فى الصيف الذى

يستدعى التخفيف. . صدق الطبيب الحاذق فما هذا بجسم إلا على  المجاز. . ولكن هذا البناء الواهى يحتمل النوم على الرمال وتوسد  الحجارة. نعم فإنى كثيراً ما أخرج إلى الصحراء فأرتمى على رمالها  ساعة وساعتين وتحت رأسي حجر صلد كبير. وفى بيتي أترك  الفراش الوثير إلى الكراسى الخشنة التى لا راحة لمخلوق عليها. .  وأفتح النوافذ واقعد أو أنام بين تيارات الهواء ولا أرى ذلك  يضيرنى. وأحسب هذا وراثة فقد كانت أمى رحمها الله تنام وأنفها  إلى النافذة المفتوحة - صيفاً وشتاء. نعم أزكم أحياناً ولكن  الفيل يزكم. . وساقى مهيضة ولكنى لا أتعب من المشى وإنما  أتعب من الوقوف. . ولم أتخذ المدافئ قط، فإذا أوقدوا فى بيتنا  ناراً تركت لهم الغرفة إلى أخرى لا نار فيها. . وما لبست معطفاً  إلا فى أعقاب مرض وعلى سبيل الوقاية إلى حين. وإنى لأرى  مناعة جسمي تزداد عاماً فعاماً وأراني كلما علت سنى أحس إنى صرت أقوى واصح بدناً واقدر على العمل والحركة والجهد. . فلست بعجوز يا فتاتى الصغيرة وإنى وحياتك لأ صبى من ابنى.

وان الذي فى عروقى لنار سائلة لا دماء جارية، وقد أحسنت  بالانصراف بعد تلك الضحكة الفضية التى ستظل فى مسمعى  تذكرنى بك وتصيبنى إلى أترابك والسلام عليك والشكر لك.  والى الملتقى   (وأين منى يهرب الهارب؟) . . .

اشترك في نشرتنا البريدية