الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الثقافة"

الظراف والمتماجنون

Share

ذكرني ما كتبه الأستاذ أحمد أمين في العدد الرابع عن كتاب " الظرف والظرفاء " للوشاء ، بكتاب آخر في الموضوع نفسه اسمه كتاب " الظراف والمتما جنين " ( ١ ) لابن الجوزي ، ينحو فيه نحو اخر إذ بينما نري الوشاء بقصر كتابه على الكلام في سنن الظرف وقواعده وقوانينه واحكامه ونري الظرفاء ، وعاداتهم في المأكل والمشرب والملبس ، وما شاكل ذلك ، نري ابن الجوزي يخصص كتابه لسرد اخبار الظراف وحكاياتهم واخبارهم على اختلاف انواعهم ، يعد ان يورد مقدمة موجزة ، يتكلم فيها عن تعريف الظرف والظراف باختصار

وابن الجوزي اشهر من ان يعرف ، فقد عاش في القرن السادس الهجري ، وأقبل على ارتشاف مناهل العلم منذ صغره ، وفاق اقرانه زكاء ، واستعدادا وقوة حفظ ولم يكد يبلغ سن الشباب حتى ذاع صبيته وعرف فضله ، وبدا بالتاليف والتدريس ، حتى قيل إن مجلسه حزر بمائه ألف وحضر مجلسه الخليفة المستضي مرات ، من وراء الستر ، ويقال إنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فحصل منها شئ كثير ، وأوصي ان يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ، ففعل ذلك فكفت وفضل عنها ، وقد ألف في كل علم وفن : في التفسير ، والحديث ، والفقه ، والزهد ، والوعظ ، والأخبار ، والتاريخ ، والطب وغير ذلك وقد بلغت مؤلفاته - على ماقيل - ثلثمائة مصنف . قال الموفق عبد اللطيف كان ابن الجوزي لطيف الصوت ، حلو الشمائل ، رخيم النغمة ، موزون

الحركات ، لذيذ المفا كهة ، لباسه الابيض الناعم الطيب ، وله مجون لطيف ، ومداعبات حلوة ، ولا ينفك من جارية حسناء " .

فلا عجب ان رايناه يؤلف في الظراف والمتماجنين وهو كما رأينا مجبول علي الظرف .

يستهل الكتاب بمقدمة يذكر فيها الدافع إلي تأليفه إذ يقول : " أما بعد فلما كانت النفس تمل من الجد ، لم يكن بأس بإطلاقها في مزح ترتاح به ، وقد بلغني عن جماعة من الفطناء والظرفاء حكايات تدل على قوة فهومهم ، فسماعها يشحذ الذهن ، وينته الفهم ، فأحببت أن أذكر منها طرفا " ثم ينتقل من هذه المقدمة إلي تعريف معني كل من لفظتي المجون والظرف ، فيعرف المجون بقوله : " إنه صرف اللفظ عن حقيقته إلى معني آخر ، وذلك يدل على قوة الفطنة " ويعرف الظرف بقوله : " إنه يكون في صباحة الوجه ورشاقة الغد ، ونظافة الجسم والثوب ، وبلاغة اللسان ، وعذوبة المنطق ، وطيب الرائحة ، والتقزز من الأقذار والأفعال المستهجنة . ويكون في خفة الحركة وقوة الذهن ، وملاحة الفكاهة والمزاح . ويكون في الكرم والجود والعفو ، وغير ذلك من الخصال اللطيفة " ولعله في هذا التعريف أوجز ما فصله الوشاء في كتابه في باب " سنن الظرف " إذ تكلم عن صفات الظرفاء وأخلاقهم بما ينطبق على كلام ابن الجوزي ولا يخرج عنه .

وبعد هذا التمهيد يبدأ ابن الجوزي يسرد أخبار الظراف ، فيبدأ بذكر ما روي من ذلك عن الأنبياء ، ثم الصحابة ، ثم العلماء والحكماء ، ثم العرب ، ثم العوام ويعقد بعد ذلك بابا لما يذكر في ذلك عن النساء والصبيان . فمن اجمل ما يرويه عن الأنبياء ان الهدهد جاء إلي سليمان فقال : اريد ان تكون في ضيافتي ، فقال سليمان : انا وحدي ؟ فقال : لا ، بل انت والعسكر في يوم  كذا على جريرة كذا ، فلما كان ذلك اليوم جاء سليمان وعسكره

قطار الهدهد فصاد جرادة فخنقها ودمي بها في البحر وقال : كلوا ، ثمن لم ينل من اللحم نال من المرق ؛ فضحك سليمان من ذلك وجنوده حولا كاملا . ومما يرويه عن الصحابة أن معاوية قال لعبد الله بن عامر:إن لى إليك حاجة انقضيها ؟ قال : نعم ، ولي إليك حاجة أقيضيها ؟ قال : نعم . قال : سل حاجتك . قال : أريد أن تهب لي دورك وضياءات بالطائف . قال : قد فعلت . قال : وصلتك رحيم ، فسل حاجتك . قال : أن تردها علي . قال : قد فعلت ! وان أبا بكر خرج في تجارة إلي بصري قبل موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعام ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة ، وكانا قد شهدا بدرا ، وكان نعمان على الزاد وكان سوبيط رجلا مزاحا فقال لنعمان : أطعمنى ، قال : حتي يجيء أبو بكر . قال : أما لأغيظنك . قال قمروا بقوم فقال لهم سويبط : تشترون مني عبدا لي ؟ قالوا : نعم قال : إنه عبد له كلام فهو قائل لكم إني حر فان كنتم إذا قال لكم هذه المقالة تركتموه فلا تفسدوا على عبدي . قالوا لا بل نشتريه منك . قال فاشتروه بعشر قلائص ، ثم ابوه فوضعوا في عنقه عمامة أو حبلا . فقال نعيمان ؛ إن هذا يستهزي بكم وأبي حرولت بعبد . فقالوا : قد أخبرنا أخبرك ، فانطلقوا به . فجاء أبو بكر فأخبروه بذلك فاتبع القوم فرد عليهم القلائص وأخذنع نعيمان ، فلما قدموا علي النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه فضحك وأصحابه منه حولا

ومما يرويه عن العلماء ان رجلا سأل الشعبي عن المسح على اللحية في الوضوء فقال : خللها بأصابعك . فقال : أخاف أن لا تبلها . قال : فانقعها من أول الليل . وروي الشعبي يوما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تسحروا ولو أن يضع أحدكم أصبعه على التراب ثم يضعه في فيه " . فقال رجل : أي الأصابع ؟ فتناول الشعبي إبهام رجله وقال : هذه ؛ وان سفيان بن عبينة قال : دعانا سفيان الثوري يوما فقدم إلينا ثمرا ولبنا خائرا ، فلما توسطنا الاكل قال : قوموا بنا نصلي ركعتين شكرا لله . قال

سفيان بن وكيع : لو كان قدم إليهم شيئا من هذا اللوزينج المحدث تقال لهم : قوموا بنا نصلي تراويح وان رجلا قال لهشام بن عمرو الغوطي : كم تعد ؟ قال : من واحد إلي ألف الف قال : لم ارد هذا ، قال : هما اردت ؟ قال : ثم تعد من السن ؟ قال : اثنتين وثلاثين : ست عشرة من اعلي وست عشرة من اسفل . قال : لم أرد هذا . قال : فما اردت ؟ قال :  كم  لك من السنين ؟ قال : مالي منها شئ ، كلها لله عز وجل . قال : فما سنك ؟ قل : عظم . قال : ابن كم أنت ؟ قال : ابن اثنين أب وأم . قال فكم أنى عليك ؟ قال : لو اتى علي شئ لقتلي . قال : فكيف أقول ؟ قال : قال :كم مضي من عمرك ؟

ومما يرويه عن الأعراب أن أعرابيا ولي البحرين فجمع يهودها فقال : ما تقولون في عيسى بن مريم ؟ قالوا نحن قتلناه وصلبناه . قال : فوالله لا تخرجون حتى تؤدوا دبته ، فأخذها منهم . وأن أعرابيا أقبل يريد رجلا ، وبين يدى الرجل طبق فيه تين ، فلما ابصر الأعرابى غطى التين بكساء كان عليه والأعرابى يلاحظه ، فجلس بين يديه فقال له الرجل : هل تحسن من القرآن شيئا ؟ قال : نعم قال : اقرأ فقرأ الأعرابى : " والزيتون وطور سينين " قال الرجل : فأين التين ؟ قال : تحت كسائك .

ومما يرويه عن العوام أنه قيل لبعضهم : أتحب أن تموت امرأتك قال : لا قيل : لم ؟ قال : أخاف أن أموت من الفرح . وان رجلا بات في دار قوم فاتيه صاحب الدار بالليل فسمع ضحك الرجل في الغرفة ، فصاح به : يافلان قال لبيك. قال : كنت في الدار فما الذي رقاك إلي الغرفة ؟ قال : قد تدحرجت . فقال : الناس يتدحرجون من فوق إلي اسفل ، فكيف تدحرجت أنت إلي فوق ؟ قال : فمن هذا أضحك

ومما يرويه عن النساء ان دلالة جاءت إلي رجل فقالت عندي امرأة كأنها طاقة ترجس . فتزوجها ، فإذا هي عجوز ( البقية علي الصفحة الثانية)

قبيحية ، فقال للدلالة : غشتني . فقالت : لا والله ، إنما شيبتها بطاقة نرجس لان شعرها أبيض ، ووجهها اصفر ، ساقها خضراء

وبعد ، فإذا كانت كتب العلم لازمة لتثقيف الذهن وتنمية العقل ، فإن هذا الكتاب وامثاله لا تقل ضرورة للمطالع عن تلك ، لما فيها من الترويح عن النفس والترفيه عنها بعد إجهادها بالدرس ، وهذه هي فيما اعتقد الغاية التي من أجلها ألف ابن الجوزي كتاب هذا ، وبعض الكتب الأخري المشابهة له أمثال كتاب " الأذكياء " وكتاب الحمق والمغفلين " .

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية