الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الثقافة"

الظرف والظرفاء

Share

لما بلغت الحضارة الإسلامية أوجها ، في العصر العباسى ، وامتزج العرب بالفرس والهنود والاتراك وغيرهم من الأمم ، وكثرت الأموال وكثر الفراغ ؛ تأنق الناس في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وحديثهم وطرق حياتهم ، وتبع ذلك وجود عادات وتقاليد للطبقة المهذبة من تمسك بها عد ظريفا ، ومن خرج عنها عد ثقيلا ؛ وراينا الناس في تلك العصور يلتفتون إلي الظريف ويهتمون به ويبالغون في تقديره والحفاوة به . وكتب الأدب تروي نوادر الظرفاء في احاديثهم وأفعالهم ، وذلك من أكبر ما يدل على رقة الذوق وسموه .

ومن اطرف ما في ذلك الباب كتاب معروف اسمه " الموشى " الفه أديب اسمه أبو الطيب محمد بن إسحق ابن يحيي الوشاء ، عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري ، وفي أوائل الرابع ، ولم نعرف حياته بالتفصيل ، ولكنا نعلم أنه كان نحويا ، وأخذ النحو عن مشاهير النحويين امثال ثعلب والمبرد ، وانه كان معلما في كتاب ببغداد ، وألف كتبا كثيرة في النحو واللغة والأدب .

ولعل أفضل كتبه كتاب " الموشي " هذا ، وقيمته الكبرى جاءت من انه حاول فيه ان يضع قوانين للظرف والظرفاء ، وان يبين عادات ظرفهم في نواحي حياتهم ؛ وكان غريبا على نحوي ، وعلى معلم كتاب أن يتجه هذا الاتجاه فقل ان يتجه إليه إلا ارستقراطي في نزعته غنى في بيئته ، متصل بالطبقة الراقية ، واقف على عاداتها ، ولكنا نجد في تاريخ حياته أنه كان يعلم بعض خطايا الخلفاء فهم يذكرون أن " مسنية " إحدي جواري

" المعتمد على الله " كانت من تلاميذه ، وانه كان يعلم في قصور الخلفاء . فلعل هذه النزعة جاءت من هذا الاتصال بالبلاط العباسى ، وناهيك بما كان فيه من ترف ونعيم ، وظرافة ولباقة.

في هذا الكتاب الصغير ثروة كبيرة من الذوق ، وفيه يحاول أن يضع قوانين للظرف ، وفي هذا مشقة كبيرة ، إذ ان هذا العمل يتطلب إطلاعا واسعا على معيشة طراف الناس ، وطرقهم في الحياة ، كما يتطلب دقة في الملاحظة وسموا في الذوق ؛ وفوق ذلك فان الذوق من قديم صعب تعليله ، وصعب شرحه ، وصعب ضبطه ، ولكنه تغلب على هذه الصعوبات جميعها ، ونجح في عمله نجاحا كبيرا .

ففيه فصل طريف عنوانه " شرائع المروءة وصفتها " ، ينقل فيه انظار الناس إلي ما هي المروءة ، فيذكر ان بعض حكماء ، الفرس سئل : أي شئ اشد تهجينا للمروءة ؛ فقال : " للملوك صغر الهمة ، وللعلماء الصلف ، وللفقهاء الهوي ، وللنساء قلة الحياء ، وللعامة الكذب " وروي عن ابن عمر أنه قال : " ما حمل رجل حملا اثقل من المروءة فقال له أصحابه : صف لنا ذلك فقال : " ما له عندي حد أعرفه ، إلا أني ما استحييت من شئ قط علانية إلا استحييت منه سرا " . وكان ابوب السجستاني يقول : " لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان : العفة عن الناس والتجاوز عنهم " .

وهكذا ظل يروى اراء الناس من فرس وعرب ، وغيرهم في المروءة ، ثم استخلص قوانينها .

وعقد في الكتاب بابا سماه " سنن الظرف " فحدثنا فيه انه كان يسأل العلماء والأدباء عن رايهم في الغارف ، ويسأل " بعض متظرفات القصور " عن رايهن في الظرف ، ثم قص علينا قصصا قصيرة لحوادث جرت للظرفاء ،

وكيف قالوا ، وكيف تصرفوا ؛ ويخرج من ذلك كله الى قوله : " إن الظرف انبل ما استعمله العلماء وصبا إليه الأدباء ، وتزينوا به عند أودائهم ، وتحلوا به عند أخلائهم ؛ وربما تكلفه قوم ليسوا من أهله ، وإنه من المطبوعين أحسن منه من المتكلفين ، والمتكلف علامات تظهر في حركاته ، وتبين في لحظاته ، لا يسترها بتصنعه ولا تتغيب بتستره ، وإن المطبوع على الظرف ليشهد له القلب عند معاينته بحلاوته ، وتسكن النفس عند لقائه إلي مجالسته ، دلائله واضحة في مشيته وزيه ولفظه الخ . ومن رأيه أن أكبر علامات الظرف الحب ، وقد دعاه ذلك إلي أن يستعرض الحب وانواعه ، وطائفة ممن أحبوا فعفوا ، ومن أحبوا فسقطوا ؛ وصور لنا صورة صادقة لبيوت القيان في بغداد في عصره ، وكيف كانت تتدفق فيها الأموال ، وكيف كانت تلعب القبان بعقول الشبان ، ويظهرن لهم الود والحب ، حتى يأتين على أموالهم ، فإذا الحب ينقلب إلي صد وطرد ، وتاريخ كل مدنية يعيد نفسه

ثم أخذ يفصل ما أجمل ، فيذكر لنا عادات الظرفاء ، في كل باب من أبواب الحياة .

فقص علينا أن الظرفاء يتجنبون في الملبس الألوان الزاهية ، فهو يقول : " ليس يستحسن لبس الثياب الشنعة الألوان ، المصبوغة بالطيب والزعفران ، لأن ذلك من لبس النساء ، وليس القينات والأمراء ؟ ويلتفت إلي

شئ دقيق جدا ، وهو أن عادة الظرفاء مراعاة الانسجام في الوان ما يلبسون ، فيختم الباب بقوله : " وأحسن الزي ما تشاكل وانطبق ، وتقارب واتفق " .

وأبان عادة الظرفاء في لبس النعال وألوانها ، وزينهم في الخواتيم والفصوص والتعطر والطيب ، والفروق الدقيقة في ذلك كله بين الرجال والنساء . ثم ذكر عادة الظرفاء ، في الطعام ، فهم يصغرون اللقم ،

ويتحرزون من الشرء ، ولا يزهمون ما بين أيديهم من الرفقان ولا يلطمون اصابعهم ، ولا يعجلون في مضغهم ولا يتجاوزون ما بين ايديهم ، ولا يأكلون شيئا من الكواميخ والمالح ولا يتخللون على المائدة قبل أن تفرغ . الخ .

وقد ذكر أن أحب شيء إلي الظرفاء من الأزهار الورد ، ففضلوه على غيره واطنبوا في مدحه ، وافرطوا في نعت حسنه ، وشبهوه ، بالوجنات الحمر ، وقايسوه إلي اخمر ، وحبي بعضهم بعضا به فقال بعضهم : عشية حياتي يورد كأنه خدود أضيفت بعضهن إلي بعض

وقال آخر : تمتع من الورد القليل بقاؤه     فإنك لم يفجعك إلا فناؤه وودعه بالتقبيل والشم والبكا  وداع حبيب بعد حول لقاؤه

ولا يعدل الورد عند الظرفاء في الأزهار ، إلا التفاح في الاثمار ، فكانوا يرون أن التفاح يهدىء اشجانهم ، ويسكن احزانهم ، وليس في هداياهم ما يعادله ، ولا في الطافهم ما يشاكله ، وهم عند نظرهم إليه انين ، وعند استنشاق رائحته حنين . وقد تفننوا في إهدائه ، وكتابة الأشعار ووضع الرموز عليه .

ثم تراه بعد ذلك انتقل من الظرف في الحسيات إلي الظرف في المعنويات ، فالأدباء الظرفاء لايداخلون احدا في حديثه ، ولا يتطلعون على قارئ في كتابه ، ولا يقطعون على متكلم كلامه ، ولا يستمعون على مسر سره . ولا يسألون عما ووري عنهم علمه ، ولا يتكلمون فيما حجب عنهم فهمة ، والظرفاء لا يتشاءبون ( في المجلس ) ولا يتمطون ولا يوقعون اكفهم ، ولا يشبكون أصابعهم ، ولا يمدون أرجلهم ، ولا يحكون أجسادهم ، ولا يمسون انوفهم . . ولهم حسن التأني فيما يريدونه ، ولطيف الحيل فيما يحاولونه . وخفي التلطف لما يطلبونه ، حوائجهم سرية ، وسرائرهم

مخفية ، وحيلهم لطيفة ، يوردون الأمور مواردها ، ويصدرونها مصادرها " .

ثم ذكر انهم إذا اهدوا فهم يهدون الشئ اللطيف الخفيف " كالتفاحة الواحدة والأثرجة الواحدة ، والغصن من الريحان ، والطاقة من النرجس ، وغير ذلك من الشئ القليل ، فتستحسن هداياهم وتستظرف ، ويفرح بها ويستظرف . . ومن ذلك كتبهم الملاح ، والفاظهم الصحاح ، التي يستعطفون بها القلوب ، ويسترون بها العيوب ، وما يضمنونها من مليح المكاتبة وطرائف المعانبة ، وجميل المطالبة وشكيل المداعبة .

وقد احال " ما يجب علي ظرفاء الكتاب " على كتاب له آخر وضعه لهذا الغرض سماه " فرج المهج " لم نعثر عليه

غير أنه أورد في كتابنا هذا نماذج من مكاتبات الظرفاء نعرض للقارئ منها : كتب الحسن بن وهب إلي محمد بن عبد الملك الزيات - سروري إذا رأيتك كوحشتي لك إذا لم ارك ، وحفظي لك مغيبك ، كمودتي لك في مشهدك ، وإني لصافي الأديم ، غير نغل ولا متغير ، فامنحني من مودتك ، مزن لذاذة مشربك . وكن لي كانا ، فوالله ما عجت من ناحيتك إلا وأنا محنى الضلوع إليك والسلام . فكتب إليه محمد - يا أخي ما ذلت عن مودتك ، ولا حلت عن أخوتك ، ولا استبطات نفسى لك ، ولا استزدتها في محبتك ، وإن شخصك لماثل نصب طرفي ، ولقلما يخلو من ذكرك قلبي ،

ولله در الذي يقول : أما والذي لوشاء لم تخلق النوي  لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي يذكرنيك الشوق حتي كأننى أناجيك من قرب وإن لم تكن قربي وكتب بعض الظرفاء إلي صديق له : " أيدك الله بوفاء

الأدب من النزوع إلي الجفاء ، وجعل آخر سخطك موصولا بأول الرضاء والسلام " .

وهكذا يمضي في استعراض نماذج للظرفاء من النثر والشعر . ثم يحكي لنا ما كان يتفنن فيه الظرفاء من نقش جمل فنية أو اشعار رقيقة على خواتيمهم وعلي تفاحهم ، وما كان ينقشه ظراف الجواري علي قمصانهن وارديتهن وأ كمامهن وعصائبهن ومناديلهن وزنانيرهن ، وعلي نعالهن وخفافهن ، وما كن يكتبنه بالحناء على راحهن واقدامهن ، وما كان يكتب الظرفاء من الأشعار الرقيقة على القتافي والكاسات والأقداح واواني الفضة والذهب ، وعلى الات الموسيقي من العيدان والطبول والدفوف والنايات ، وما كان يتفنن به الأدباء من اهداء أقلام قد نقش عليها آيات ظراف .

وختم كتابه بقوله : " هذه جملة مما بلغنا وفيها كفاية لمن اكتفي ، وبيان لمن تبين واقتفي ، وما استوعبنا كل ما انتهي إلينا ، ولو قصدنا إلي تكثيره لما استصعب علينا . . وقد ادينا بعض ما بلغنا ، ووصفنا بعض ما استحسنا . . وإلي الله نرغب في السلامة والسلام .

هذا عرض سريع لكتاب واحد في الظرف والظرفاء بدلنا على ما كان للحضارة الاسلامية من عناية حتى في ادق الأمور وأرقها واظرفها ، وانها لم يفتها شئ حتى في وضع قوانين للياقة او " الايتكيت " كما يسمونها ، وان ذلك الكتاب القيم يصف حالة اجتماعية راها مؤلفه ، وقد مضي عليها الآن اكثر من ألف عام ، فماذا يكون شأنها لو سارت في طريقها من غير ان يعوقها عائق أو يدمرها مدمر ؟(١)

اشترك في نشرتنا البريدية