الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 119الرجوع إلى "الثقافة"

العاطفة والفكرة

Share

في مستطاع المولعين بدراسة السلائق النفسية ، والأنماط المختلفة من الأخلاق والأمزجة والملكات العقلية ، أن يجدوا في تراجم الحاكمين بأمرهم مجالا للدرس ، ومتسعا للبحث ، وقد أدخلهم بعض الباحثين في عداد العظماء صناع التاريخ ، ومحاور حركاته ، واستدلوا على ذلك بنجاحهم في تحقيق أغراضهم ، واستجابة أممهم لهم ، وسيرها خلفهم . وإني أستريب بهذا المقياس العملي " البراجمانيكي " للعظمة ؛ وفي اعتقادي أن مجرد النجاح لا يكفي ليضفي علي أي إنسان يرد العظمة ويضعه في مصاف الأبطال ، وأرجح أن محاولة بعض المفكرين قصر العظمة علي أمثال هؤلاء الطواغيت من مثيري الزوابع والأعاصير ، وسفاكي الدماء ، وهازمي الدول ، وسالبي حرية الأمم ، هو الذي جعل المؤرخ الانجليزي الكبير اللورد أكتون يقول كلمته السائرة : " عظماء الرجال جميعهم أشرار وقد تمقت أساليب هؤلاء القوم القاسية الملتوية ، وخططهم النكراء ، ولا نقر مبادئهم الهادمة القائمة علي نكث العهود ، وانهاز سوائح الفرص ، واستغلال مواطن الضعف في الطبيعة الانسانية ؛ ولكننا مع ذلك لا نجاريهم في تعصبهم الضيق الممقوت ، واجترائهم على الحقائق ، فلا نستطيع أن ننكر عليهم صلابة العزم ، والحيوية الجمة ، والهمة الوثابة ، والمثابرة الدائبة ، وإذا كان أساس العظمة هو الارادة القوية المصممة ، والهمة القمساء الماضية ، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية ، فان نصيبهم من العظمة موفور ، وحظهم منها كبير . وقد كان كارلابل يقدر عظمة بعض أبطاله بما يبذلون من جهد ، وما يظهرون من تصميم وعزم ، وقد عرضه ذلك

لنقدات لإذعة ، وجعل تقديراته موضع الشك . ولا خلاف في أن الرجل الممتاز يحمل في نفسه ذخيرة من النشاط وقدرا ضخما من الطاقة ، وتتملكه في بعض الأوقات أرواح أبعد همة وأكثر حركة من الروح الانسانية العادية ، فلا يقوي إنسان على مجاراته ، وقد تكون هذه الأرواح الغالية شريرة مؤذية مخربة هادمة ، وقد تكون خيرة صالحة ، عاملة على رفع مستوي الانسانية وتقدم الحضارة ؛ ولكن وجه الامتياز وأساس التفوق ، هو أن هذه الأرواح تفوق القوي الانسانية المألوفة ، وتسمو على قدرة الأشخاص العاديين ؛ وهذه القوة الخارقة العجيبة هي سر تفوق هؤلاء الرجال ، سواء غلونا في ذمهم أو اسرفنا في مدحهم . ومثل موسوليني وهتلر وستالين هم من الرجال الذين تتملكهم أمثال هذه الأرواح ، أو تهفو بنفوسهم تلك الشياطين ؛ وقد توحي إليهم بأعمال لا نرضاها ، ولكنها مع ذلك لها قيمتها من الناحية التاريخية ، ومن ناحية الدراسة النفسية .

وقد قطن هؤلاء الرجال لمسألة نفسية مهمة ، كان لها تأثير كبير في نجاحهم ، وتهيئة الجو الذي ارادوا خلقه ، فقد أدركوا بالبداهة أو بالتفكير أن الشجاعة والأقدام وإنكار الذات والتضحية مصدرها جميعا " الفكرة " لان الفكرة هي التي تمدنا بالتصميم ، وتغذي الارادة وتبعث هوامد المزيمة ، والفكرة هي التي تحفز إلى العمل ويجعله متصل الحلقات مترابط الاجزاء موحد الغاية . وليس هناك شك في ان مايختلج بنفوسنا من الافكار هي في اصلها وصميمها عواطف واحاسيس قد ارتدت ثوب العقل وافرغت في قوالب الفكر ، ولكن ليس معنى ذلك أن الشاعر

والعواطف والأهواء أقوى اثرا من الأفكار فالشعور يمدنا بالطاقة ويحبونا الهمة التي لا تعرف الكلال ، ولكن هذا المدد سرعان ما ينقطع تياره الزاخر ويفيض نبعه الفياض إذا لم تلبس مشاعرنا مسوح العقل ، ولم يشع عليها ضوء الفكر ، لأن إفاضة الصبغة العقلية على الشاعر تغني عنها في أكثر الأوقات ، وتكون بديلا منها ، وقد تثيرها عندما تهدأ ، وتؤرث نيرانها عندما تخبو ؛ وليس في طاقة إنسان أن يظل في متعاقب الحالات وتختلف الظروف متقد العاطفة مستوفز المشاعر ، والفكرة تبقي طوال الحياة مائلة للخاطر مستقرة في الضمير . وإذا أقنعنا أنفسنا بصدق الفكرة ومطابقتها للحق فان الفكرة نفسها تبرر المثابرة ، وتحدونا إلي أعمال لا تمليها علينا العاطفة أو تدفعنا إلي القيام بها إلا في حمي اللحظة ، ودرجة الغليان ؛ وإذا قبل الانسان فكرة على أنها حقيقة فلا معدي له عن التأثر بها والسير في ظلالها ، والذي يسوقه حينذاك هو ما يسعى المبدأ الثابت الباقي لا العاطفة المتقلبة الزائلة ؛ وسيفرض عليه المبدأ نفسه إحياء الاحساس السابق الذي كان باعث الفكرة وموحيها ؛ ولكن الاحساس الجديد الذي تحركه الفكرة سيكون أكرم نشأة وأصفي معدنا ، لأنه شعور طريف قد هذبته الفكرة وصقله العقل وطهره من شوائب المادة .

وفي تعزيز ذلك الرأي يقول برتراند رسل في مقال له قيم عن الحقائق والأحلام : " إن تأثير رغباتنا في معتقداتنا من المسائل الشاهدة المعروفة ، ولكن طبيعة ذلك التأثير في الأغلب الأعم تفهم فهما خاطئا ، وقد تعودنا أن نحسب أكثر معتقداتنا مستمدة من العقل ، وعكس ذلك اقرب إلي الحق ، لأن المعتقدات التي تسيرنا في حياتنا اليومية إن هي إلا تجسيم لرغباتنا " .

ورأي رسل صحيح في أن أفكارنا أو ما يسميه معتقداتنا " مصدرها " الرغبة " أو " العاطفة

ولكن الرغبة في أكثر الأحيان إذا أثرت تأثيرها وأنجزت مهمتها تختفى بعد ذلك خلف المعتقد وتتنكر في ثياب العقل ؛ فرغبة الناس مثلا في انتهاب اموال من يحسدونه على ماله الجم وثروته الواسعة ، أو في إيذاء من يمقتونه لانتصاراته المتوالية في ميادن الحب ، تأخذ في الغالب صورة سياسية أو قالب مبدأ اخلاقي أو قاعدة اقتصادية ، فيصبح الغني المحمود مبعث كراهة ، لأنه يمثل نظاما سيئا جديرا بالهدم ، ويصبح المنتصر في ميادين الحب خارجا علي الأداب التي يجب صيانتها وإقامة حدودها . وإذا تم للناس إقناع أنفسهم بضرورة مقاومة ظلم الذين هم موضع الحسد لثروتهم او لتفوقهم في الحب ، فان عاطفة الحسد ترتفع إلي مستوي " الفكرة " وتستحيل عقيدة من العقائد

وإسباغ ثوب العقل على العواطف قد يأخذ صورة العقائد الدينية أو المذاهب الفلسفية والاجتماعية والنحل السياسية ؛ ولكن الفكرة على توالى الأيام يدركها البيلى فتفقد قوة الحركة والقدرة على الايحاء ؛ وهنا تحدث الحيرة ويقع الاضطراب ، لان الانسان لا يستطيع ان يعيش على الأهواء والميول والعواطف وحدها ، ولا مفر له من ان يضمنها مذهبا من المذاهب ويصوغها في قالب فكري جديد .

وقد أجار الحاكمون بأمرهم فهم هذه العملية النفسية ، لأنهم مارسوا هذه التجربة ، فهم انفسهم قد اضفوا على شهواتهم العادية ومطامعهم المترامية ثوب العقل ، واقنعوا أنفسهم قبل ان يحاولوا إقناع غيرهم من الناس بأنهم موقدون من قبل العناية ، وان اراءهم وحي منزل لا يأتيه الباطل ، فلم لا يرغمون غيرهم على سلوك هذا الطريق ليثبتوا مكانتهم ويرفعوا بنياتهم ؟ وهم يضعون الخطط ويحكمون التدبير ، ويوهمون انفسهم وغيرهم انهم يعملون لمصلحة بلادهم ورفعة قومهم . وكثير من دعاة السياسة والدين والاخلاق يعملون للشهرة والمجد الشخصي ،

ولكنهم يخفون ذلك ويمعنون في تجاهله ، حتى يقع في روعهم أنهم إنما يعملون لنصرة المبدا وتأييد العقيدة

وقد أعانت الظروف الحديثة الحاكمين بأمرهم على تحقيق أغراضهم ، لأن التفكير الفلسفي الحديث والتقدم العلمي والأحداث السياسية الكبيرة قد فرضت على الناس الشك فرضا ، سواء في السياسة أو الأخلاق أو الدين وقد كانت اكثر الافكار السائدة من قبل تستلزم الايمان بالغيبيات ، في حين ان الظروف الحديثة تغري بالشك في الغيبيات والتمويل على المشاهد والملموس ، ولعل ذلك نوبة من النوبات العابرة تتبعها موجة من الايمان ومن أجل ذلك اصبح إسباغ حال الفكرة على العواطف والنوازع النفسية يبدو في صور اقرب إلي الشاهد والملموس .

وقد قدم هتلر  لشباب النازي ( فكرة) ملائمة ونظرة للحياة والسكون تثير حماستهم وتتطلب ولاءهم . وكل حركة سياسية مهمة في حاجة ماسة إلي عنصر اليقين وقوة الإيمان ، ولا يأتي ذلك إلا بعد خلق فكرة ملائمة لها وقد كانت اكثر الحركات السياسية المألوفة لا تستلزم من الفرد الولاء الكامل والاخلاص المحض ، ولكن النازيه والفاشية والشيوعية لا تقنع إلا بذلك ولا يرضيها أن يسير الفرد تحت لواءين او ان يعبد إلهين ، ولسنا نستطيع أن نفهم شيئا من أسرار هذه الحركات السياسية الحديثة إن لم ننظر إليها من حيث هي أديان وعقائد ، فهي لا تحتمل مناظرا ولا تطيق معارضا . والنازية عند الاذان دين رسوله هتلر ، بل هو عندهم نصف إله لا مجرد رسول . ونجاح هتلر  في ألمانيا بوجه خاص مرده إلي هذا العنصر الديني والعامل الصوفي ، لأن النكبة التي حلت بالألمان من جراء هزيمتهم في الحرب الكبرى السابقة تركت الكثيرين منهم ينتظرون الخلاص ، ويترقبون الطوالع ، والطبيعة الألمانية تربة خصبة للأحاسيس الصوفية ، والأفكار التالية ؛ وقد كان

الشبان الألمان يتطلعون إلي شئ خيالي غامض يذود عنهم اليأس ، وينقذهم من جحيم القلق والشك ، ويقودهم إلي المجد ، ويشعرهم بقوتهم ، ويرد عليهم ثقتهم بأنفسهم ، ويدفع عنهم مخاوف العزلة والانفراد تلقاء الهزيمة والخيبة ، وتصوح الأمال وقد ادرك ذلك هذا الدرويش الجديد ( هتلر) فطلب إليهم الطاعة العمياء ، والتسليم التام ، ليمحضهم النصح ويلتمس لهم البركات والألمان يفرطون في كل شئ ، فإذا أصابهم اليأس انحدروا إلي أعمق هاوياته واقصي قراراته ؟ وقد رفعهم هتلر الي مستوي عال من الثقة بالنفس ، والإيمان بالقوة . والرغبة في التحدي والعدوان ، وإنما فعل هتلر ذلك لانه شاطرهم شعورهم ، وعرف ماذا يعمل ، وكانت غريزته موفقة وإدراكه صحيحا وقد فطن إلي أن القوة النازية وحدها لا تكفي لبلوغ غرضه وتحقيق برنامجه ، وإلى ان الفكرة هي التي تضم شتيت الأهواء ، وتجمع مختلف الصفوف .

والعقيدة الأساسية عند النازيين هي قداسة الشعب الالماني الذي اختارته العناية لحكم العالم ، وكل قوة تعترضه إنما هي قوة شريرة ويجب سحقها بلا رحمة ، لأنها تعوق رسالته العالية ، وأغراضه القدسية السامية

وقد حاول موسوليني أن يقوم بمثل ذلك فجعل من الفاشية عقيدة في الحياة وموقفا تجاه الكون ، واستخلص من تعالميها تفسيرا للتاريخ ، وإيمان العاشية بالدولة ، وإيمان النازية بالشعوبية ، وإيمان الشيوعية بالقيم النازية ، هو ضرب من الدين ، ولون ممتاز من الوان إظهار الشهوات والعواطف والأهواء والمطامع في الغلائل المسجدية ، والأوشحة الصبوغة ، وهو يشبه من بعض الوجوه ما يسميه فرويد بالتسامي ، وهو اسلوب الفته النفس الانسانية لتخدع به نفسها ، وتغالطها في الحقائق ، وتسومها طلب الحال ، ولتؤمن حيث ينقصها الايمان ، وتعمل حيث يعوزها الخافز إلي العمل ؛

اشترك في نشرتنا البريدية