الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الثقافة"

العالم الجديد، تأليف ألدوس هكسلي (١)

Share

" ألدوس هكسلي " من بين القصصين المحدثين الذين تأثروا بكثير من التقاليد التي انحدرت في أصول الأدب الانجليزي ، وبكثير من العناصر التي اجتمعت في البيئة الأدبية والعلمية الحديثة . فهو من وجه يمثل الفكرة العلمية الحديثة التي استبدت بأصحاب علم الحياة ، وهو من وجه اخر يمضي علي سنن الأدباء والمتفننين في عصره حينما يعرضون للعلاقة بين الإنسان وبين الطبيعة . وهو كاتب اجتماعي يتأثر العلاقات بين الناس على أساس من العلم . وهو يميل في كتبه وقصصه إلي نوع من التفكير الإنساني شاع بين الكتاب الإنجليز فيما بعد الحرب العظمي : نوع من التفكير يؤمن بالسلام ويراه متصلا بحاجات الإنسان من ناحية وبفكرة التقدم من ناحية أخري.

دوالقصة التي نعرضنها من كتابات " الدوس هكسلي " تمثل كل ذلك فهي حديث عن العالم بعد ردح طويل من الزمن . هي تصوير لمدينة فاضلة او " يوتويبا " يراها المؤلف مندفعا إلي ذلك بإيمان عميق بالفن . وهو بذلك لا يخرج عن التقاليد الى أقامها كتاب المدائن الفاضلة منذ أن كتب نوماس مور كتابه في العالم كما ينبغي أن يكون . ولعل الكاتبين القديم والحديث يشتركان في ايمانهما بالسلام إلا إن هكسلي خارج عن تلك التقاليد من وجه آخر لأنه منتأثر بالحياة العلمية والأدبية ، التي تهيأت لكتاب العصر

الحاضر خلال القرون الأربعة التي تفصل الرجلين .

ويذهب " هكسلي " إلي أن السيئة الأولى التي نخبت هذا العالم والتي تكاد ترديه إنما هي عدم الاستقرار . وعنده ان القلق والاضطراب يلازمان المدنية الحاضرة ، وهما قد لازما المدنيات الأولى ، وان عدم الاستقرار الذي صاحب هذه وتلك كان السبب في تدليها وفدائها . وقد عفت آثار المدنيات الأولى لأن عدم الاستقرار بين أمة وأمة أودي بالأمم جميعا . وفنيت الأمم كذلك لأن القلق الذي أحست به كل طبقة من طبقات المجتمع خلق الألم المعض وبعث الحزازات في كل نفس وانتج مدنيات تقوم على النضال في كل مذهب من مذاهب الحياة .

ثم يمضي " ألدوس هكسلي " في وصف عالم الجديد ، فيصور صورة تتألق فيها اشخاصه وتنباح حقائقه . ويخلق في ثنايا قصته دستورا خيالا يخالف ذلك الذي نؤمن به , وهو يخلص من كل الأنار النفسية التي تلقاها ، ويستشرف على عالم آخر ، ويحدثنا عما بري ويخال .

تردي عالمنا الحالي إلي الهوة السحيقة التي هو ماض إليها . وكانت سنة ١٤١ بعد ميلاد " فورد " فإذا العالم بين اثنتين : إما خراب محقق يقوض المدنية وبذروها هباء وإما استقرار بقيمها ثابتة راسخة . ذلك بأن حربا نشبت في تلك السنة فلم تبق ولم تذر . ومضت تسع سنين تستعر استعارا ، وهي تأتي على الأخضر واليابس . وقد اجمع

المفكرون بعدها على أن علاجا واحدا يشفي العالم مما حاق به , وان عاملا واحدا ينتشله من الحمأة التي تردي فيها ؛ أدرك هؤلاء أن الاستقرار هو الكفيل بأن يؤلف بين الأمم ، وان الاستقرار كذلك هو الذي يؤلف بين الطبقات ، فبدأوا عالما جديدا لا يؤمن بأصول العالم الذي نحن فيه ، واتخذوا قواعد ومبادئ وعقائد تكفل لهم الثبات والإستقرار .

والأصل في المدينة المستحدثة التي قامت بعد (حرب السنين التسع) انها لا تؤمن بالفرد ولا تعترف بالأساطير التي تدور حول الحرية الشخصية والفنية والعلمية ، بل لقد تطور العالم حتى أصبح قاصيه ودانيه وحدة يشد بعضها بعضا . واصبح الفرد من هؤلاء لا يستطيع ان ينفرد بعمل ولا بعلم ولا بفن . بل هو مأخوذ بذلك إن حاول أن يظهر أنه فرد مستقل عن الجماعة ، هو مأخوذ بذلك فقد يلقي عقابا له إلي أفق من الآفاق الشمالية البعيدة ، حيث يقضي أيامه التعسة في زمهرير الشتاء ، وقر الصيف ، لأنه خرج على الجماعة التي تحكم وجوده . وقام على رأس هذا العالم حكومة مصطنعة ، ضمت غربي أوربا جميعا ، واتخذت لندن مركزا لها . واختفت الحرب بين الأمم وتلاشي النضال بين الطبقات ، فلم يبق لحرب الأمم ، ولا لنضال الطبقات وزن في حياة هذا المجتمع القوي المتوازن الرصين.

ولكن كيف قام هذا المجتمع المتمدن الذي أسكر الفرد وتلاشت فيه فكرة الحرب ، وتزايلت فيه الاختلافات التي فرقت بين الطبقات ؟ لقد أعان العلم الحديث هؤلاء الفكر بن أسسوا العالم علي أساس ثابت بعد حرب السنين التسع . وقد طوع لهم العلم أن يبثوا مجتمعا ثابتا مستقرا ، لا قلق فيه ولا اضطراب . ذلك ان العالم قد كشف كشوفا حديثة في علم الحياة ، واستطاع العلماء على هديها

أن يتمكنوا من توليد الأجنة وتنشئتها وتوجيهها ، استطاع هؤلاء ان يوفروا على المرأة عناء الحمل والولادة ، واحتيست الأجنه في قوارير وأنابيب خاصة . وأمكن العلماء أن يفرخوا تلك الاجنة في القوارير والإنابيب بل امكن لهؤلاء فوق ذلك أن يتحكموا في توجيه الاطفال ، واستطاعوا بفضل تجاربهم ان يتسموا الاجنة إلي ضروب من الناس . فهذا الضرب الأول من قوارير هذا العمل يخرج الصنف الأول من الناس . وهذا الضرب الثاني يخرج الصنف الثاني . وهكذا تخرج الآجنة في معامل التفريخ وهي إما ! أو ب أو ح أوء .

وتخرج الآجنة من هذه العامل فيستبد بكل فريق نظام خاص من التوجيه ، وهذا التوجيه نفسه إنما هي التربية التى استطاع ان يبلغها هؤلاء العلماء بعد ان تحللوا من قيود الحرية الحديثة . إنها تربية للجماعة الموحدة التى انتجت الوحدة الشائعة في هذا المجتمع المستحدث . ويخرج كل امرئ بعد ذلك التوجيه وله وظيفة خاصة لا يكاد يدرك انه خلق لغيرها . ولانه وجه إلي هذه الوظيفة فهو راض عن نفسه ، راض عن المجتمع الذي يعيش فيه ، ولانه مطبع على هذا الرضى منذ ان كان جنينا ، فقد تخفف العالم من الكفاح الدمي الذي فرق الطبقات بعضها عن بعض ، والذي بث في الأمم روح الغلبة والحرب.

والطبقات التي أطلقوا عليها ! ب ، جـ ، و , هي نفسها الطبقات الحاكمة والحكومة والعاملة . إلا أن طبقات العالم الجديد خلقت لتقوم بعملها دون ان تلتفت إلي الوراء ، فهي راضية بما قسم لها المجتمع ، تجد في عملها كل السعادة ، ولا تشعر بذلك الالم الممض الذي يحز في قلوب طبقاتنا العاملة . والتربية في عالمنا الوحشي هي التي تفسد الطبقات ، لكن التوجيه في العالم الجديد قد جري علي أصول لا ينتكبها ، وقد أفلح في توليد فئة من الناس خاصة بكل وجه من أوجه النشاط الانساني .

وحينما تخلصت المرأة من أعباء الحمل والولادة ، وانتقل لامر في كل ذلك إلي العلماء في معامل التفريخ ، تطور العالم تطورا اجتماعيا خطيرا . وذلك بأن الفكرة عن العلاقة بين الرجل والمرأة تتصل دائما بالنسل . وعلاقات الأسرة هي التي تتحكم في الحياة الجنسية ، وهي التي تبعث في نفس المرأة او الرجل عوامل البغضاء والحب ، والغيرة ، والرحمة . وحينما قامت معامل التفريخ والتوجيه مما كانت تقوم به الأسرة ، تزابلت كل تلك العواطف ، وتزابل معها ذلك الحدب الذي يضفيه الناس على الأنظمة الاجتماعية التى تمت في ظل الأسرة . والأس الأول من أسس المجتمع في العالم الجديد " أن كل إنسان لكل إنسان " فلا أسرة هناك ولا زواج ، ولا عاطفة ولا ألم . بل المعايير الخلقية التي تتخذها نحن فيها يتصل بالشرف والعفة قد انقلبت إلي معايير اخري ، وأصبحت العلاقة بين كل رجل وامرأة علاقة الساعة التي هما فيها . وقد نسي الناس أن في عالمنا نحن أسماء هي الأخ والاخت ، والأب والأم ، وغير هؤلاء

في ذلك المجتمع المنشود استطاع العلم أن يقيد من بعض العقاقير التي تحفظ الشباب . والشراب الذي وصل إليه العلم شراب سائغ اسمه " سوما " يتعاطاه كل واحد من أفراد هذا المجتمع ليعيدوا إلي نفوسهم توازنها . فهو يستطيع ان يعادل بين أنواع الإفرازات التي تنضح بها غدد الجسم ، والجسم الذي يتأثر به ما يزال محتفظا برونق الشباب وقوة الصبي حتي الموت . لذلك لم يعرف هؤلاء ، مرضا ولا عاهة . وظلت جسوم نسائهم يانعة ناضرة لم تفسدها نتائج الحمل ولم يضعضع كيانها الشيخوخة ولا الضبي . والرجال في ذلك مثل النساء وهؤلاء وأولئك سعداء بما اوتوا من فتوة راضون بما يتمرسون به من حياة شهية ناعمة

ولا تحسبن أن العلم الذي آتي هؤلاء بكل تلك النتائج : لاتحسبن ان هذا العلم في تقدم مستمر . فإن الفرد لاوجود

له في ذلك العالم الجديد ، وما دامت قد تلاشت الفردية فقد فقد العلم أول دافع إلي الإمعان فيه . وقد اقتصر طلب العلم على بعض الفئات دون بعض . وهؤلاء الذين يشرفون على توجيه الطبقات الآخري . وأصبحت الصحافة ضربا من اللاسلكي والتلفزيون بل لقد انقلبت السما شيئا " يشعر" به الإنسان ويراه ويستمع إليه ، فلم يصبح العالم في حاجة إلى كثير من تلك الكتب التي تكتب وتطبع وننشر بيننا نحن المتوحشين ! والحق لقد أيس العالم الجديد من كتبنا التي كتبنا وضاق ببحوث التاريخ التي اختلقنا ، فقرر في سنة ١٥٠ ان يصادر الكتب جميعا وان يقوض متاحف التاريخ ومعالمه فأصبح شكسبير عملا وأصبحت الأهرام أوأ بعد عين .

والفن يشاكل العلم فيما آل إليه لولا أنه لم يجد مكانا حتى بين الطبقات الخاصة . ذلك بأن الفن في المدنيات الأولى قد قام على العواطف التي ابتعثتها علاقة المرأة بالرجل . فالغيرة والحب والبغض وتنازع الهوي : كل أولئك كان المعين الذي امد المتفننين بما سميناه آيات الفن الخالد ، وشيء من ذلك الفن الخالد لن يكون حتى يكون للفرد وزن وحتى يكون لتلك العواطف قيمة ، وما دامت قيم الأشياء قد تغيرت وما دامت العواطف قد استقرت في مكانها الأدنى فإن شيئا من الفن لم يعترف به هؤلاء المتمدنون . بل اصبحت كلمات شكسبير مضحكة يضيق بها سامعوها ويزدريها كل الذين يصيبون طرفا منها .

وبعد فهذا ضرب من الخيال تستطيع ان تسميه ضربا من العبث ، او سمه إن شئت ضربا من الخيال الحالم . على أنه ككل المدائن الفاضلة التي صورها الكتاب والفلاسفة تمثل حاجات العصر الذي نعيش فيه . وقد ادرك ألدوس هكسلي تلك الحاجات وبسطها في صراحة المتفنن الموهوب

اشترك في نشرتنا البريدية