الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 312 الرجوع إلى "الثقافة"

العالم العربي، بين عامين

Share

نقف اليوم بين عامنا الدابر وعامنا المقبل ، نتأمل في امس وما اشتمل عليه من احداث وعبر ، ونحدق أمامنا نحو المستقبل لكي نستجلي محياه من بين السحب التي تواريه وتحجبه . نفكر في ماضينا القريب وما اصابنا فيه من خير وضير ، ونعض الأصابع على فرص تركناها تمر ونحن عنها لاهون ، وأخري انتهزناها وجنينا منها خيرا قليلا ، و كنا نستطيع ان نجني منها خيرات كثيرة ؛ وانتهاز الفرص مقياس يقظة الشعوب وحيويتها .

إن البناء الضعيف قد يظل قائما متماسكا ، لأن الهواء راكد والريح رخاء والأحداث هادئة ، فيخاله الذي ينظر إليه كان فيه بقية من قوة ، حتى تزعزعه النكباء وتمزقه العواصف شر ممزق . ونحن في زمن تعصف عواصفه بمنتهي الشدة والعنف ، ولا بقاء فيه إلا للبنيان الراسخ القواعد ، المتماسك الجدران ، المتين الأركان ، القوي الدعائم ؛ وليس يكفي البنيان أن تكون أحجاره طاهرة ، وتربته نظيفة ، بل لابد له من ان يكون قويا متينا ، وما يكفي بنيان العالم العربي ان تكون شعوبه عفيفة لطيفة ، طاهرة الذيل ، صادقة الوعد ، محافظة على العهد ؛ كل هذا حسن وجميل ، ولكنه قليل الغناء إذا أريد للعالم العربي الحياة والبقاء . ولكى يبقى ذلك البنيان لابد لتلك العفة ان تدعمها القوة ، ولذلك الإخلاص أن يعززه الخلق المتين .

لست اريد - ونحن بين هذين العامين ان اسرف في التجنبي أو اغلو في التشاؤم ، فأزعم اننا في عامنا الماضي كنا متخاذلين متواكلين ، بل إنني - على العكس - اري ان ما في سجل العالم العربي في العام المنصرم من

مظاهر التضامن والتضافر لحقيق بأن يقوي الامل في تعاون اقوى ، واتحاد اوثق . بل قد نذهب إلي ابعد من هذا ونقول إن ما بدا بين الشعوب العربية من الإخاء في العام الماضي قد يكون اقوى وأوضح مما كان في أي عام مضي . وإذا وقفنا اليوم نوازن بين ما خسرناه وما كسبناه ، وبين ما أدركنا وبين ما فاتنا ، وبين ما حصلنا وما أفلت من ايدينا ، لوجدنا ان الميزان من غير شك في صالح العالم العربي . ولكنا إذا رضينا عن هذه النتيجة نكون كمن يرضي بالكفاف وهو في حاجة إلي الغذاء الطيب ، وكمن يقنع بالجرعة وهو يتحرق عطشا .

إننا نشاهد اليوم مظهرا رائعا للاتحاد تمثله لأعيننا تلك " الأمم المتحدة " التى تخوض غمار الحرب اليوم ضد عدوها المشترك . وهذه  الأمم المتحدة أمرها عجب أي عجب ، ففيها الروس والشعوب المتضامنة مع الروس على اختلاف ضروبهم وأشكالهم ؛ وفيها الصقالبة الآخرون مثل البولنديين والتشيك والسلوفاك وفيها سكان البانيا ورومانيا ؟ وفيها أهل الصين والهند ، وسكان فرنسا وبلجيكا ، والدولة البريطانية بكل ما تحتويه من امم  وشعوب ؛ وفيها الامريكيون من وسط القارة وجنوبها وشمالها . . وصفوة القول إن هذه الأمم المتحدة تشتمل علي شعوب واجيال من الخلق ،

من جميع الصور والأشكال ليس من السهل عدها ، تتمثل فيها جميع الأجناس البشرية ، وعدد هائل من مختلف اللغات والثقافات .

وفوق هذا كله فإن هذه الأمم المتحدة تمثل أوطانا متباعدة تفرق بينها البحار والجبال والصحاري والمحيطات، الواسعة ، أوطانا موزعة مبعثرة في جميع انحاء الأرض ، مختلفة الهواء ، متعددة الأجواء ، ولم يقم شئ من هذا كله حائلا دون الاتفاق والاتحاد وإنشاء أكبر تعاون دولي عرفه التاريخ البشري .

فكيف يجوز أن تقوم العقبات دون إنشاء اتحاد الأمم العربية ، وهي التي تمثل اوطانا متجاورة ، وتتحدث بلسان واحد ، وتتأدب بأدب واحد ، بل وتجمع بينهم إلي حد بعيد اواصر الدم وقرابة النسب ؛ وطالما كان بينهم تعاون في الحكم السياسي وفي الصلات الاقتصادية ؟ أ كان من الجائز بعد هذا كله ، ان يطول الحديث ويكثر اللجاج حول الوحدة العربية : ما هي وما معناها ، وعلى أي مثال ينبغي أن تصاغ ؟

لا شك أن احاديث الوحدة العربية ، والمشاورات التمهيدية التي سبقتها ، قد استغرقت زمنا طويلا ما كان ينبغي لها ان تستغرقه ، وكانت دائما محاطة بسياج من الحذر والاحتياط ، والتريث والتمهل - وفي التأني السلامة وفي العجلة الندامة . ولا شك أن التمهل حسن جميل ، لو أن احداث الزمان تتريث معنا ، وتتمهل كما تتمهل ، ففي الدهر أوقات تمشى فيه الحوادث الهويني وتمر على مهل ؛ وفيه أوقات تمضي فيه الحوادث عجلة مسرعة لا تعرف الريث ولا الإناة ، وهناك يمر قطار الزمان مر السحاب ، فكيف يريد ان يلحق به من يسعي سعي السلحفاة ؟ !

لقد تفاءلت شعوب العالم العربي تفاؤلا واسعا ، عند ما شهدت موقف حكوماتها من حادثة لبنان ، والاعتداء على استقلال لبنان ، وملأ قلوبنا الإيمان بأن حكوماتنا قد بلغت من اليقظة مبلغا يبعث على الامل بأن هذا التعاون الوقتى سيتخذ صورة البقاء والدوام ، بفضل ما تنويه تلك الحكومات من إقامة نظام تعاوني دائم فيما بينها . ولكن " المشاورات التمهيدية " التي أجريت بعد ذلك استغرقت عاما كاملا ، ثم اجتمعت بعد ذلك " اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي " في سبتمبر الماضي في مدينة الإسكندرية ؟ ولا بد بعد ذلك من اجتماع لجان عديدة ، ثم تعود اللجنة التحضيرية إلى الانعقاد مرة اخري ، تمهيدا لدعوة

المؤتمر العربي العام ، الذي يقر الإجراءات ويوافق على الخطط التي رسمت ؛ ويبدأ نظام التعاون يتخذ صورة عملية . هذه كلها خطوات جميلة مفيدة ، وستؤدي إن شاء الله إلى نتائج طيبة . وكل ما هنالك اننا نبتهل إلي الله الا تعجلنا الحوداث وتدهمنا الخطوب ، قبل ان نفرغ من هذه الإعدادات والتمهيدات .

وبعد ، فلا بد مع هذا كله من التسليم بأن اجتماعات اللجنة التحضيرية كان حادثا عظيما في تاريخ التعاون بين الشعوب العربية . وبفضل هذا الحادث امتاز العام المنصرم على الأعوام التي سبقت . وفي الجزء المتبقى من هذا المقال لابد لنا ان نلخص القرارات الخمسة التي اتخذتها تلك اللجنة مع نقدها نقدا رفيقا بقدر ما يتسع له المقام .

فالقرار الأول قرار بإنشاء   جامعة الدول العربية " - وهو اسم وفق إليه المؤتمرون خير توفيق - ولهذا الجامعة مجلس تمثل فيه الدول العربية علي قدم المساواة ، فلا يكون لعضو فضل على عضو إلا بما يبديه من رأي سديد ، او ما يؤديه من خدمة ممتازة للجامعة

وهذا المجلس الذي قررت إنشاءه اللجنة التحضيرية سيكون بلا شك هو الاداة الرئيسية في التعاون بين الدول العربية ؛ فهو الذي يقضي فيما يشجر بينها من خلاف ؛ وهو الذي يستخدم نفوذه - أي نفوذ الدول العربية مجتمعة - في أي خلاف خارحي مع إحدي الدول غير العربية ؛ وهو حلقة الاتصال الدائم المنتظم بين الأقطار العربية ؛ وهو - فوق هذا كله - الوسيلة التي تمكن الدول العربية من تنسيق خططها السياسية ، تحقيقا للتعاون فيما بينها ، وصيانة لاستقلالها وسيادتها من كل اعتداء - بالوسائل الممكنة . .

ولا شك أن هذه الفقرة من قرارات اللجنة صريحة

جدا في تأكيدها بأن من اهم ما تعني به جامعة الدول العربية صيانة استقلال وسيادة كل قطر عربي . ولكن لا بد لنا أيضا أن نلاحظ بأن هنالك فقرة أقل قوة من هذه وهي التي تنص على ان قرارات المجلس ملزمة فقط للعضو أو للأعضاء الذين يقبلونها . . وهذا يجعل الباب مفتوحا لأن تشذ دولة أو أكثر على قرار اتخذه المجلس . .

والذي نرجوه أن هذا الشذوذ - إن صح من الوجهة النظرية - فإنه لن يصح من الوجهة العملية . وربما لم يكن بد من أن يصاغ النص في المرحلة الحاضرة في شئ من المرونة . وكأن اللجنة التحضيرية قد احست بذلك ، ولهذا نراها في قرارها الثالث تنص على تدعيم الروابط بين اعضاء الجامعة العربية في المستقبل . .

كذلك لم تنص اللجنة التحضيرية على مكان انعقاد هذا المجلس ، ولا على مواعيد اجتماعه ، او غير ذلك من التفاصيل ؛ بل ترك هذا كله إلى " لجنة فرعية " تؤلف " في وقت قريب " من بين اعضاء اللجنة التحضيرية أنفسهم .

ولا بد لنا من أن نخص هذه اللجنة الفرعية بالذكر ، لكيلا يضيع ذكرها وسط اللجان الأخرى . فعلي الرغم من اللجان الكثيرة التي ستنشأ فيما بعد ، فإن هذه اللجنة تختلف عنها بأنها ستنشأ " في وقت قريب " . وهي اهم اللجان جميعا ، لأنها هي التي ستضع نظام مجلس الجامعة ، كما انها ستبحث " المسائل السياسية " التى يمكن ان ينظر فيها هذا المجلس ، والتي يجوز أن تعقد بشأنها اتفاقات بين الدول العربية . .

٢ - ذلك هو القرار الأول - وهو من غير شك أهم قرارات اللجنة التحضيرية كلها . أما القرار الثاني فينص على التعاون بين الدول العربية في شئون الاقتصاد

والثقافة والاجتماع وغيرها ؛ وهي كلها عبارة عن ستة شئون ، تؤلف لها ست  لجان من الخبراء في كل طائفة من المسائل ، لكي تدرس النواحي المختلفة للتعاون الوثيق في جميع هذه الشئون ، والوسائل التي تساعد على تحقيقها ! كما أن هناك لجنة أخرى لتنسيق أعمال تلك الجامعة ، وتكون بمثابة حلقة اتصال بينها . .

وعند ما تنتهي جميع هذه اللجان من اعمالها ، وتتخذ قراراتها وتصوغها صياغة معقولة مقبولة ، تدعي اللجنة التحضيرية مرة اخري للاجتماع تمهيدا لعقد المؤتمر العربي العام . ومعنى التمهيد هنا ان اللجنة التحضيرية ستتناول قرارات اللجان كلها بالبحث والتمحيص حتى تقرها جميعا ، قبل أن تتخذ الخطوات اللازمة لعقد المؤتمر العربي العام ، الذي يبت في وضع هذه القرارات جميعا موضع التنفيذ .

٣ - أما القرار الثالث - من قرارات اللجنة التحضيرية - فهو - كما ذكرت من قبل - يعبر عن أمل الأعضاء في تدعيم الروابط بين البلاد العربية ، بخطوات اخري تتخذ في المستقبل ، ولم يكن بد من ان يوجد مثل هذا النص ، لكى تطمئن قلوب الذين يطمعون في ان يكون التعاون بين الأمم العربية أقوي وامتن .

٤ - أما القرار الرابع : فكان خاصا بلبنان ، ذلك القطر العربي الجميل ، الذي يتمتع سكانه منذ زمن طويل بنصيب وافر من الاستقلال . وربما كان هنالك اشخاص يخشون - او يتظاهرون بأنهم يخشون - ان التعاون بين الدول العربية قد يمس الاستقلال من قريب او بعيد ؟ لذلك رأت اللجنة ان تطمئن الخواطر وتقضي على عبث العابثين ، بأن تعلن احترام الدول العربية جميعا لاستقلال القطر اللبناني بحدوده الحاضرة

) البقية على صفحة ٤٠ (

اشترك في نشرتنا البريدية