الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 259الرجوع إلى "الرسالة"

العالم العربي كما تصوره جريدة إنجليزية

Share

نشرت جريدة إيكونومست مقالا رئيساً بحثت فيه أحوال العالم العربي وأشارت إلى الاقتراح القائل بوجوب عزل فلسطين عن جوارها بسياج من الأسلاك. لكنها أوضحت أن فلسطين غير قابلة للعزل على الإطلاق، لأنها محاطة من كل جانب بالعالم العربي، وما من حاجز مادي يستطيع أن يمنع مليون عربي مقيمين فيها من الشعور والتفكير والعمل بالاتفاق مع أربعين إلى خمسين مليون عربي يعيشون في مناطق واسعة من الأرض الداخلية

ثم قالت إن اللغة العربية هي اللغة الوحيدة في ذلك الفضاء الواسع، بل هي أم اللغات الشائعة بين الأهالي الحاليين في آسيا الجنوبية الغربية وأفريقيا الشمالية ما خلا بضع جزائر غريبة اللسان باق بعضها من الأزمنة السابقة لعهد العرب

فما هي الآمال القائمة اليوم في بعض الصدور؟ هل النزلاء الأوربيون الذين حلوا أخيراً في مملكة العرب القديمة سيزيدون عدداً حتى يملئوا الأرض التي كانت إلى الآن عربية؟ وهل يدفعون سكانها العرب أنفسهم على تخلية المدن والقرى والرجوع القهقري إلى الصحراء الجرداء القاحلة؟

لا شك أن في الدنيا بعض الصهيونيين يحملون في أن يجعلوا اللسان العبراني لسان الشرق من حيفا إلى تل أبيب على الطرف الغربي من الصحراء السورية، كما يوجد أيضاً بعض الفرنسيين الذين يحلمون مثل هذا الحلم ويرجون نقل لغتهم الفرنسوية من وهران والجزائر إلى الطرف الشمالي من الصحراء الأفريقية وتحويل من هنالك من البرابرة الذين لم يصيروا عرباً حتى الآن إلى فرنسيين

فهل هذه الأحلام الأوربية بالتوسع العظيم على نفقة العرب تخيلات وهمية أم سياسة عملية؟

إن الرد على هذا السؤال يتوقف على كيفية تأثر العرب بهذا الاندفاع الأوربي. أن اشتراك اللغة وحدها لا يترتب عليه اشتراك في الشعور الاجتماعي ولا اشتراك في الغايات ولا في الأماني. وقد كان العرب حتى الآن متباعدين. ويستدل على عدم تضامنهم باختلاف الألوان الكثيرة على خريطتهم الجغرافية

فان في العالم العربي اليوم أربع دول: السعودية واليمن والعراق ومصر، مستقلة استقلالاً تاماً، وثلاثا على مقربة من الاستقلال وهي سوريا ولبنان وشرق الأردن، واثنتين ممنوعتين من الاستقلال مكرهتين على قبول نظام الحماية الفرنسوية وهما: تونس والمغرب الأقصى، وثلاثا محكومات فعلا بصفة مستعمرات مع أنهن في الواقع ذوات أحكام مختلفة. ففلسطين تحت الانتداب البريطاني، والسودان تحت السلطتين الإنجليزية والمصرية، ولوبيا تحت السلطة الإيطالية. وأخيراً الجزائر فان فيها ثلاث مقاطعات معدودة فرنسية كأراضي فرنسا الأصلية.

(وهكذا نرى العالم العربي في حالته الحاضرة لا يختلف عن أيام الصليبيين. بل إن الخريطة الحاضرة تشبه خريطة تلك الأيام إلى درجة مدهشة

ففي تلك الأيام كانت فلسطين وتونس كما هما اليوم النقطتين العربيتين اللتين رسخت فيهما قدم الغزاة الأوربيين، وكانتا كما هما اليوم نقطتي الخطر المميت. ومنهما انبعث قبلاً كما ينبعث اليوم النداء العام إلى تعاون العرب الذي كان محسوباً مستحيلاً وقتئذ كما هو محسوب الآن.

أن النورمان أخرجوا من تونس بقوة منقذين أقبلوا لنجدتها عليهم من المغرب الأقصى. وصلاح الدين الأيوبي استطاع وقف الحملة الصليبية الثالثة بقوات متحدة تحت سيطرته من سوريا والعراق ومصر.

فهل ترى التاريخ يعيد نفسه؟ - إن الأدلة التي تشير إلى ذلك عديدة.

اشترك في نشرتنا البريدية