الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 195 الرجوع إلى "الثقافة"

العالم بعد الحرب

Share

انقضي العام الثالث علي هذه الحرب ولما تدخل بعد في الطور الذي يعتبر بداية النهاية ، ومعنى هذا أنها ستطول وسيخيم الظلام علي العالم سنين اخري لا يعرف متي يكون آخرها ، وستظل المذابح البشرية على عنقها وهولها وأكثر الناس يقابل هذه المناظر بالوجوم او يسمع عنها اخبارا متشابهة من غارات وكرات وتقدم وانسحاب ، حتي أصبحت أخبار الحرب جزءا من حياتنا اليومية . واكثر الناس لا يفكر فيها ازاء تفكيرا بعيدا يكشف له ما وراء كل هذا ؛ وفريق من الناس قد يئس من كل خير ، وظن أنها نهاية العالم التي لا تحتمل تفكيرا وراءها ولكن بين الغفلة واليأس ومن خلال دخان الحروب وليلها الطويل يجب أن نرسل بفكرنا عبر الأفق ، ونحاول أن نرسم لأنفسنا صورة واضحة للعالم بعد الحرب ، وأن نتخيل حياتنا في الجيل القادم ، وهي لا شك متأثرة بهذه الحوادث ونتيجة لها ، واين كنا لابد أن تمتد إلينا آثار هذه الحرب

ولا يعتبر هذا النوع من التفكير ضربا من ضروب الخيال أو فرارا من الواقع المرير إلي دنيا الأحلام الجميلة نتعزى به في هذه المحنة ؛ ولكن ما اقصده بهذا التفكير وهذا التدبر هو أن نتخيل أو ننشيء صورة عامة للحياة القادمة على ضوء الحوادث التي سبقت هذه الحرب وما ستتركه هذه الحرب من آثار اقتصادية وسياسية وروحية ، ولن يكون هذا إلا بفهم حقائق هذه الحرب ودراسة الأسباب التي قامت من أجلها ، والنتائج التي جاءت تبعا لها ؛ كما اننا لا نغفل صيحات المصلحين وتنبؤات المفكرين الذين حذروا الناس من هذه الحرب قبل وقوعها - ومن هذا تري أن عنايتنا بدنيا المستقبل

تفكير سليم ومنطق للحوادث محتوم

وبعد هذه المقدمة لابد أن نقول ما هي النظم السياسية التي تعقب انتهاء الحرب ؟ وأول ما نعرض له وهو فترة الانتقال بين نهاية القتال وعودة الحياة العالمية إلي سيرها الطبيعي وهذه الفترة تعتبر أخطر من أيام القتال ، وتحتاج إلى زعامات عالمية رشيدة ، وعلماء من الطراز الأول يقدرون حاجات الأمم بدون اعتبار لجنس خاص أو قبيل من الناس ، وبجانب هؤلاء نحتاج إلي منقذين أكفاء يسرعون في تجديد البيت العالمي المهدم وفي رأيى أن هذا التنظيم الموقوت سوف يكون عبارة عن نظم اشتراكية عالمية ، ولا أقول إنها ستكون اشتراكية ماركسية ؛ فقد طرأت أمور كثيرة في الحياة الاقتصادية للأمم منذ أن كتب كارل ماركس كتابه كما أن بعض جوانب الفلسفة الماركسية لا تقبله الشرائع ، لأنها فلسفة مادية بحتة لا تقيم وزنا للقيم الروحية في حياة الجماعات أو الأفراد وقد تكون هذه الاشتراكية الجديدة مختلفة في مثلها العليا عن الاشتراكية السوفيتية ، ولكن لا يمكننا أن نغفل ما قامت به روسيا في هذا السبيل ، فهي الأمة الوحيدة التي جربت هذا النظام الاشتراكي بحذافيره وعلى ذلك فإن هذه التجربة يمكن أن يستفاد منها لتجنب كثير من الأخطاء التي عانتها روسيا الحمراء كل هذه الأمور يجب أن تدرس الآن وتوضع الخطة مبدئيا حتي يخرج العالم من حالة الفوضي التي تعقب الحرب مباشرة - وسبب هذه الفوضي هو هذه الملايين من البشر التي تسرح من ميادين القتال وسيمضي وقت طويل قبل أن تستطيع العودة إلي أعمالها المعاشية ، وفي هذه الفترة لا بد أن نجد طعاما وملبسا ومأوي ؛ وهذه الصناعات الحربية التي ستقف فجأة ويتعطل معها ملايين من الرجال والنساء ؛ أضف إلي ذلك ازدحام طرق المواصلات بالملايين التي تريد أن تعود لأوطانها من أربع جهات المعمورة - إلي غير ذلك من الأسباب

التي تجعل إعادة تنظيم العالم مشكلة هامة ونقطة تحول في تاريخ الجنس البشري .

وهناك شواهد من التاريخ الحديث نستدل بها علي ضرورة النظام الاشتراكي ونجاحه في أيام الأزمات : فهذه ألمانيا النازية ، وقد جعلت حياة أهلها اشتراكية ، مكنت الجماعة الحاكمة من السيطرة على موارد الأمة وتنظيم العمل : ولكن الدولة في سيطرتها على الإنتاج والاستهلاك وعلي كل الصناعات والتجارة جعلت لهذه الاشتراكية مثلا أعلى هو اشعال نيران الحروب ، وسموها لذلك اشتراكية وطنية وبسبب هذه الحرب أيضا نجد أن انجلترا قد عدلت في حياتها الصناعية والاقتصادية والسياسية ، وأشرفت الدولة على كل الموارد ، كما أنها فرضت ضرائب كثيرة يقع معظمها على الأغنياء حتي تستفيد الدولة من الزائد على حاجة الأفراد . ونظام البطاقات وتحديد كميات الاستهلاك في الطعام والملابس وكل ما يباع ويشتري إن هو إلا نظام اشتراكي لجأت إليه الدولة حتى تكون في موقف أقوي لمواصلة الحرب . وقد قبل الانجليز هذه الإجراءات وضحوا بحرياتهم في سبيل الغرض الموحد - ولا يحتاج نجاح هذا العلاج المؤقت إلا إلي استمرار حالة الحرب هذه بضع سنين تسيطر فيها الحكومات على كل شئ كما كانت أيام الحرب متعاونة مع الدول الأخري غالبة أو مغلوبة حتى تصل سفينة العالم إلي بر السلامة

أما إذا لم يتخذ الناس مثل هذه الخطة ، وتركت كل أمة لشأنها لتحل مشاكلها بدون ان يقاومها غيرها في هذه المرحلة الشاقة ، فإن العالم يصبح مسرحا للقلاقل السياسية لسوء الأحوال الاقتصادية بسبب ما استنزفته الحرب من مال ورجال وما جرته من خراب ودمار ، والنتيجة المحتومة لذلك هو قيام حكومات دكتاتورية كما حدث في ألمانيا وإيطاليا عقب الحرب الكونية الماضية ؛ هذا إذا لم تتطور

الفوضي إلي حروب اهلية ومنازعات داخلية ، وهذه اشد ضررا من الحرب العالمية

وهذا الفرض الأخير هو أسوأ الفروض ولا أظنه يحدث . فلنتصور إذا أن العالم سار في الطريق الأول وأخذ بالحياة التعاونية المشتركة فإن نتيجة ذلك إيجاد جماعات إنسانية سليمة البنية تأمن شر الفاقة والعطلة والخوف وما يؤدي إلي إذلال الفرد وانهيار الجماعات ، ويخلق جيل من الناس يعرف لنفسه كرامتها ويعرف لغيره حق التمتع بفرص الحياة . وبعد ذلك تدخل في المرحلة الأخيرة عندما يكون الجو قد تهيأ للحياة الديمقراطية الصحيحة ، ويعرف الإنسان حقوقه ويستفيد من حرية الكلام والنشر والاعتقاد التي يكون وقتئذ قد عرف كيف يوجهها لخير الجنس البشري كافة . ولن ينسي العالم الأهوال التي جرتها عليها أغلاط الماضي ، ولن يتساهل الناس في هذه الحقوق التي كسبوها بالعناء ، والدموع والدماء ويذهب بعض المفكرين إلي أن العالم يسير نحو حكومة موحدة عالمية ، وعلى رأس هذا الفريق المستر ج ويلز ولكن توجد صعوبات لا يمكن التغلب عليها في طبيعة تكوين الأمم تجعل نجاح هذا النظام مستحيلا ، وخير من هذا أن تقرر كل دولة نوع الحكومة التي يلائمها كما جاء في ميثاق الإطلانطي ، وبعد هذا ترجع الدول إلي ما يشبه عصبة من الأمم تملك من القوي الأدبية والمادية ومن إيمان العالم بضرورتها ما يجعلها قيما على شئون العالم الخارجية .

) أم درمان (

اشترك في نشرتنا البريدية