الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

العالم والمجتمع بإيران

Share

تشهد ايران منذ عدة سنوات تقدما هاما فى الميدان المدرسى : يوجد الآن مليون طفل فى المدارس ( 1959 ) ، فى حين أن عدد الاطفال المدرسيين كان لا يتجاوز الثمانمائة ألف لأربع سنين خلت ، فمجهودات الحكومة في هذا الميدان عظيمة وميزانية التربية القومية ترتفع الى مائة مليون دولار . الا أن عدد الاطفال البالغين سن الدراسة لا يفتأ يرتفع سنة فسنة لسبب نقصان الوفيات بين الاطفال وذلك نتيجة لتحسين المستوى الصحي . فتعد ايران اليوم نسبة 24% من السكان الذين يتراوح عمرهم بين 5 و 14 سنة . ومن ناحية أخرى ، نرى مستوى حاجات البلاد يرتفع والآباء يحثون ابناءهم على متابعة الدرس . والمشكلة الهامة فى الظروف الراهنة هى تكوين معلمين وأساتذة بطريقة سريعة .

فلقد صار للقيمة الفردية مضمون جديد في عقول التلامذة الذين أعرضوا عن القيم التقليدية والقوا بأنفسهم في مجتمع لا يحقق رغباتهم ، ولم تتكون فيه الانظمة الاجتماعية والاقتصادية اللازمة ، لذلك يجد الايراني نفسه بين مشكل أهم عناصره تثقيف النشىء وتطوير البلاد . وان وجود توازن بين هذين العنصرين أمر عسير عسير اذ هو يقضى بأن يتطور المجتمع سريعا بعد ان كان جامدا . فهذا المجتمع تتولد فيه كل يوم ضروريات تنشأ عن  الطبقة الجديدة من جمهور المدرسيين الذين تخرجوا من المعاهد والجامعات

أما النظام المدرسى نفسه الرامى الى جمع المعارف ، فهو قاصر على أن يفى بالضروريات التى يساعد على بعثها ، فالتعليم والسينماء ، والاذاعة والصحافة والرحلات تفتح افاقا جديدة وتأتى بمعلومات جديدة الا انها لا توفر الاسباب الثقافية لارضاء الرغبات التى يطمح اليها الافراد والجماعات . لذلك وجب أن نحور برامج التعليم وان نجعلها أكثر اتجاهها الى العلوم والفنون التطبيقية أما التبحر فى المعلومات فأمر قائم على مضمون ثقافى واجتماعى قبل كل شئ . فتحوير جهازنا التربوى يقتضى على الخصوص تحويرا لجهاز القيم

لذا وجب أن نقيم جهاز للقيم يوافق تربية علمية جديدة . التربية التقليدية نظرية في جوهرها ولا توفر الوسائل المعنوية التى تتفق واستعمال الفنون الحديثة . ولقد انتبه الى مثل هذا المشكل فى أول هذا القرن خيرة أهل الدين عندما اريد تعصير البلاد . وكان موقفهم التعلق بالتعاليم القديمة ، ولكنهم

تركوا المجال لخيرة المثقفين ثقافة أوروبية انسانية . ولقد واجهت هذه الطبقة كذلك مشكل تصنيع ايران ولم تكن لهم العناصر الكافية لحله . ولكنهم اقتدوا فى ذلك بما وقع في القرن التاسع عشر بأوروبا ، فاعتنقوا قانونا اخلاقيا قوامه المبادىء الانسانية . الا ان هذا القانون لا يفى اليوم بالعناصر اللازمة ، وان تذليل هذه العقبات أمر من مشمولات المثقفين . ولكن هؤلاء المثقفين قد وجدوا هم أيضا انفسهم فى صراع نفسانى : لقد حطمت القوالب المعنوية التقليدية ، غير أن انشاء قوالب جديدة لم يكد يشرع فيه بعد

لذلك أصبح المثقفون اليوم فى ذبذبة ولم يظفروا بعد بطريق الانسجام ، ولا بطريقة فى التفكير يقرها الجميع . فمنهم من ينكمش على التقاليد العتيقة ومنهم من يندفع عفوا فى التيار الحديث . وهكذا اتجه الشبان الى آفاق ثقافية متعارضة لا يعرفون كيف يتخيرون افضلها عجزا منهم وقصورا

ودليل ذبذبة هؤلاء الشبان ازدهار التيارات الرومنتيكية الغربية الحديثة ازدهار كبيرا ، وتشاكس الافراد فى عائلاتهم ، وعدم الثقة فى المستقبل والتشاؤم فى خصوص التطورات الاجتماعية

مهمة المثقفين هى وعيهم لهذه الاتجاهات المتضاربة التى تمزق صفوف الشباب وتمزقهم هم انفسهم ، واضطلاعهم باعداد مذهب منسق يجمع الحديث والقديم .

عليهم اذن أن يحددوا تحديدا عقليا قيم الحضارة التقليدية من جهة وقيم الحضارة الفنية من جهة أخرى كى يعوا كلتا الحضارتين وعيا لا تشوبه شائبة

فالمثقفون ثقافة انسانية يقفون موقفا رجعيا ان لم نقل موقفا معارضا ازاء التطورات الاقتصادية والسياسية فى البلاد . ولا نرى الا عددا ضئيلا من لمثقفين على وعيهم لمسؤوليتهم ازاء مشاكل حديثة لا يحجمون عن التمتع بحرية  العمل ، نتيجة تفهمهم للواقع . فقد حذقوا فهم المشاكل الراهنة فى المجتمع الايرانى وصاروا يحاولون الاندماج فى المجموعة كي يحسنوا فقه عناصر المشاكل ويحسنوا كذلك فهم حدود حريتهم بين هذين الفريقين من المثقفين

نجد أغلبية ساحقة تسير على غير هدى ثقافى وهى ممزقة بين هذين المذهبين وهذين الموقفين . وهذا الفريق ، لخلطه بين المسؤولية والحرية الم يلبث ان وجد نفسه فى موقف فوضوى ازاء المشاكل الفردية والاجتماعية

فالموقف العقلي الخالص سيضطلع بمهمة حبوبة في المستقبل ، خصوصا وقد  اسست حول جامعة طهران معاهد للبحوث العلمية ( العلوم المضبوطة والعلوم الانسانية ) نذكر منها معهد الصحراء ومعهد النباتات الطفيلية ومعهد الاحصائيات ، ومعهد الدراسات والبحوث الاجتماعية . .

اشترك في نشرتنا البريدية