وزارات جديدة :
كان الأسبوع الماضي من أكثر الأيام حركة ونشاطًا ، كان من أهم المظاهر فيه اضطلاع الحكومة الجديدة باعبائها الجديدة ، وافتتاح البرلمان وعودة الحياة النيابية إلى نشاطها المألوف . ومن عناصر التجديد في تأليف الحكومة القائمة أمران يستحقان التسجيل ، أولهما إدخال عناصر جديدة ممن يعدون من الشباب ، في العرف الوزاري ، وإن لم يكونوا شبابا في عرف التقاويم الفلكية ، وتقليد هؤلاء (الشبان) وزارات ذات خطر ، مثل : المعارف والخارجية والمالية والشئون الاجتماعية وغيرها ؛ ولا شك أن هذا تجديد محمود بل حيوي وضروري ، لأن الأجسام التي يعوزها التجديد مصيرها حتمًا إلى الذبول والفناء . ومثل هذا التجديد أيسر منالًا للحكومة التي تمثل حزبًا واحدًا ، إذ يتسع أمامها المجال إلى إرضاء القدامى من أنصارها الذين سبق لهم تولي مناصب الوزارة ، وإلى إضافة عدد آخر من الوزراء من أجيال أحدث . والوزارة على كل حال عبء مرهق ثقيل ، ولا بد للشباب الموفور القوة من المساهمة في احتمال هذا العبء ، حتى يمكن الجمع بين تجارب الشيوخ ونشاط الشباب . والحكومات الائتلافية وإن كان لها بعض الميراث فإنها عادة لا تستطيع مثل هذا التجديد إلا في نطاق محدود جدًا ، وذلك لاضطرارها لتقسيم المناصب الوزارية بين الأحزاب المؤلفة مما لا يدع مجالًا للتوسع في إدخال عناصر جديدة .
أما الأمر الثاني الذي ظهر في تأليف الوزارة الجديدة ، فهو إنشاء وزارتين جديدتين الأولى وزارة للاقتصاد الوطني ، وأخرى للمرافق العامةة سميت وزارة الشئون البلدية والقروية . وإنشاء الوزارات الجديدة ظاهرة ليست بجديدة على البلاد التي تنمو أعمالها وتتعدد مرافقها ، وتزداد فيها الأعباء على أولي الأمر فيها ؛ فقد كان المألوف في مصر أن تنشأ إدارات ومصالح جديدة يكتفى بإلحاقها ببعض الوزارات القائمة . فتضخمت أعمال بعض الوزارات وتعددت وثقلت الأعباء على القائمين بالأمر فيها ، حتى أفضى ذلك إلى تعطيل بعض المشروعات وشل حركة النحو والتقدم ، ولا شك ان هاتين الوزارتين الجديدتين متخففتان من الأعباء التي تضطلع بها بعض الوزارات الأخرى . وتستطيع بفضل استقلالها أن ترسم الخطط وتسعى في تنفيذها .
وهناك وزارة ثالثة . كان كثير من الناس يودون أن تنشأ وتستقل بأعمالها ، وهي وزارة الشئون الثقافية ، تعنى عناية خاصة بالفنون والأثار والمتاحف والمكتبات ، والتعاون الثقافي بين مصر وسائر أقطار العالم ، وتشجيع حركة التأليف والترجمة والنشر ، والثقافة الشعبية في مختلف صورها ، وهي التي تعنى بالمسرح والسينما والإذاعة اللاسلكية ، وبالصحافة والمطبوعات ،
هذه الأعمال موزعة في الوقت الحاضر بين جهات متعددة ، أهمها وزارة المعارف العمومية ، وهي من أكثر الوزارات المصرية أعباء . وتشتمل على أكثر من نصف موظفي الدولة . وحركة التعليم في نموها السريع الهائل .
جديرة بأن تشغل من وزارة المعارف ومن رجالها كل ما يستطيعون بذله من مجهود . ولا بد في مثل هذه الحالة أن تحتل الشئون الثقافية المكان الثاني من اهتمام الوزارة وعنايتها . وقد فطنت لهذا الأمر غير واحدة من الدول ، فأنشأت للشئون الثقافية وزارة خاصة ، ولعله لن يمضي وقت طويل حتى تحدو مصر حذوها . ومثل هذه الوزارة ألزم لمصر من وزارة الدعاية التي كثر التحدث فيها ، بل إننا إذا بحثنا اختصاص وزارات الدعاية في البلاد التي أنشأت مثل تلك الوزارات لوجدناه في جملته لا يعدو البرنامج الذي تضطلع به وزارة الشئون الثقافية . وحسبنا دليلًا على الحاجة الشديدة لمثل هذه الوزارة أن نذكر أن أداة من أهم أدوات الدعاية والثقافة العامة في آن واحد ، مثل السينما ، قد وزعت أمورها بين ثلاث وزارات مختلفة على الأقل ، وليس من الممكن والحال هذه أن نرجو للنشاط السنمائي تقدمًا كبيرًا لا في الميدان الفني ولا الثقافي .
مؤتمر كولمبو وزيارة بفن:
من عادة الدول التي تتألف منها الإمبراطورية البريطانية - بقطع النظر عن المستعمرات والحماية وأقاليم الوصاية والانتداب - أن تعقد مؤتمرات من آن لآن لتبادل الآراء والمشاورة عملًا بالمثل العربي ، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار . وقد يكون المؤتمر للاتفاق على الشئون الاقتصادية ، فيبرز فيه رجال الاقتصاد والمال ، أو لتنسيق الخطط السياسية فيحتشد له رجال السياسة ، وعلى رأسهم وزراء الخارجية . وقد اشتهر الإنجليز ، شهرة أظنها لا تستند إلى أساس متين ، بنبوغهم في عالم السياسة . ومجرد وجود هذه الشهرة كفيل بأن يلفت أنظار العالم إلى اجتماع أقطابهم في أي بقعة من بقاع العالم ، لأن مؤتمر كولمبو وإن اشتمل برنامجه على بعض الشئون الاقتصادية ، فقد كانت للشئون السياسية فيه المكان الأول . وقد أريد لهذا المؤتمر أن يجتمع عام ١٩٤٨ ، ثم أجل فترة من الزمن .
ثم تقرر عقده أخيرًا في كولمبو عاصمة أصغر دولة في الاتحاد الإمبراطوري ، وهي دولة سيلان . ولا أدري هل أريد بذلك إزجاء التحية لهذه الدولة الناشئة ، أم لأن إقليم وسط بين بريطانيا من جهة وبين زيلندة الجديدة من جهة أخري ؟ ولكن اختيار كولمبو قد جعل لهذا المؤتمر صفة خاصة ، وهي عنايته بشئون جنوب شرق آسيا ؛ فإن ظهور الحكم الشيوعي في الصين ، وانكماش الحكومة الوطنية فيها إلى جزيرة فرموزا ، قد خلق في الشرق الأقصى حالة جديدة لا بد أن تعنى بها إنجلترة وأخواتها في آسيا والمحيط الهادي عناية خاصة ، ولا بد أن ينسق سياستها التنظيم الذي تفضى به مصالحها في هذا الركن العظيم من العالم ، الذي تشتبك مصالحه مع مصالح عدد كبير من دول الإمبراطورية ، مثل كندا وزيلندة الجديدة وأستراليا والهند وباكستان وسيلان ، إلى جانب المصالح البريطانية الأخرى بحكم ما لإنجلترة من المستعمرات ومناطق النفوذ في تلك الجهات .
ولا شك أن النظر في شئون الشرق الأقصى قد استوعب معظم نشاط المؤتمر ومن أهم هذه الشئون مسألة الاعتراف بحكومة الصين الجديدة ، فقد اعترفت بها كل من إنجلترة والهند وبكستان وسيلان . ويتفرع من هذه المسألة ويصل بها اتصالًا وثيقًا ، مسألة اتساع النفوذ الشيوعي بوجه عام ، واتخاذ إجراء مشترك وسياسة موحدة نحوه .
ولعل الوقت لم يكن ملائمًا كل الملائمة لعقد المؤتمر ، ولولا الضرورة الملحة لكان الأولى إرجاؤه . ذلك بأن الانتخابات البريطانية قد تقرر فجأة عقدها في الشهر المقبل . وقد اتخذ هذا القرار والوفد البريطاني في طريقه إلى المحيط الهندي ؛ وزعيمه مستر بفن من زعماء حكومة العمال ، ولا بد له أن يعود إلى بلاده بسرعة لكل يدلي بدلوه وينهض بواجبه في المعركة الانتخابية .
وهذا السبب نفسه سيمر مستر بفن بمصر مر الكرام ،
دون أن يقطع عرقًا أو يسيح دمًا ، ولن يستطيع أن يقطع برأي أو يناقش اقتراحًا ، أو يهتدي إلى الحق حتى إذا رآه واضحًا ناصعًا ، لأن الوزير المقبل على معركة انتخابية لا يعرف مآلها علم اليقين لا يستطيع أن يبت في أمر خطير .
ولذلك ستكون زيارته على الأرجح زيارة ودية يتعرف فيها إلى رجال الحكومة وقادتها ، وسيلقي على كل حال ، ما اعتادت مصر بذله من الحفاوة والترحيب الحار،
وسيعود إلى وطنه مزودًا بالأماني الطبية ؛ لعله إذا ولته أمته ثقتها مرة أخرى أن يكون أكثر إدراكًا لحق مصر الطبيعى وآمالها المشروعة ، فنحن لا نطلب حقًا في أراضي الإنجليز ولا في الإمبراطورية البريطانية ، بل نطالب بحقنا في أرضنا وديارنا وفي وادي النيل الذي عشنا على ضفافه ناعمين منذ آلاف السنين .

