الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 609الرجوع إلى "الثقافة"

العامة فى التحايا والمجاملات

Share

.. يلحظ المرء فى التحايا والمجاملات العامية أمورا غريبة وظواهر عجيبة ؛ فقد تواضع العوام على استعمال تعبيرات خاصة لهذه النحايا وتلك المجاملات دون بحث فى دقة معناها أو أتجاه مرماها أو صحة أسلوبها ، وإنما هى سارية معروفة يلمس العامى حقيقة معناها ولو كان أسلوبها مفعما بالأخطاء المعنوية أو اللفظية أو ما إلى ذلك ...

.. ففي التعزية مثلا يقول هذا لذاك : " البقية فى حياتك " ، والمفهوم من هذه العبارة أن البقية التى تبقت من حياة المتوفى ستأتى لك لتزيد فى عمرك ، وهذا كلام غريب لو أننا وضعناه على الأسس العقلية والمقاييس الفكرية وفى معيار الدين وميزان الحقيقة ؛ وذلك لأن المفروض فى المتوفى أنه قد أ كمل حياته ، أى أن حياته قد انتهت إلى هذا الحد ، فما يتبقى منها يوم ولا ساعة ولا دقيقة ، ولو تبقى شئ من ذلك لبقى المتوفى لينعم بها ، هذه هى الحقيقة التى أخبرنا بها الله والدين ، والرجل العامى نفسه يعرفها ولا ينكرها لو سألته عنها ، وذلك أيضا تلمسه فى ثنايا حديثه عن المتوفين والأموات ، فيقول مثلا : ( فلان عمره انتهي ) و ( ده أعمار محدودة يا عم 1 ) .. وغير ذلك من التعبيرات ، فلماذا إذا يستعمل ( البقية فى حياتك ) وهى ذات معنى يتنافى مع المعنى الذى يعرفه والهدف الذى يريد أن يعبر عنه ؟ .

.. إن السبب فى ذلك أنه تعبير تواضع عليه العامة فسرى بينهم دون تعديل أو تبديل ودون محاولة لإحداث شئ من هذا القبيل ... ولو سلمنا جدلا بأن المتوفى يتبقى من حياته شئ لك وأنت تقف فى مواقف تعزيات كثيرة وتقال لك ( البقية في حياتك ) مئات المرات من الأصدقاء ، والخلان والمعارف والزملاء والجيران وغيرهم ، فكم بقية تبقى لك وإلى متى تمتد حياتك زيادة عن عمرك المقرر وأعوامك المخطوطة فى الكتاب المسطور ؟! ثم إننا لو نظرنا بعين الحقيقة إلى هذا التعبير لم نجد فيه أى معنى من معانى التعزية ، اللهم إلا فى إزجاء السرور إلى الشخص الذى تعزيه بالبقية

التى اقتطعناها بتعبيرنا من المتوفى لضمها إلى عمره وبقائه فى هذه الحياة ، أليس هذا يدل على تبكيت لهذا الشخص الذي تعزيه ، أي أننا نقول له : لا تحزن ولا يتطرق الشجن إلى قلبك فإنك ستنعم بحياة طويلة طبقا لما زاد فى عمرك من هذا الميت الراحل ؟.. والعجيب أن المثقف أيضا كثيرا ما ينسى أن يدقق فى هذه العبارة فيجرفه تيارها ويقولها كما يقولها الناس فى مواقف التعزية والموت ..

.. ثم لتنظر لهذا الذى يقابلك فى موسم من المواسم الكبرى كشهر رمضان مثلا ، نجده يقول لك : ( رمضان كريم ) ، ولست أدرى ماذا يريد بذلك التعبير ، ومن أين جاء الكرم لرمضان وهو الذى يمنع الناس من الأكل ويبخل عليهم بلقمة من الخبز أو قطرة من الماء طوال ساعات النهار ؟ وإن سلمنا بأن رمضان كريم فهل معنى ذلك أن قائل هذه العبارة يريد من سامعها أن يذكرها فيمنحه بعض النقود تشبها بكرم رمضان ؟ وإن كان المراد بالكرم الرمضانى أن ذلك الشهر جليل أو أن الله تعالى يكرم فيه عباده الصائمين أو أنه شهر يكثر فيه كرم الناس بعضهم لبعض ، فما دخل هذا كله فى هذا الموقف ، وما معنى أن نقول عبارة كهذه فى جو التحية بشهر كل الناس يسلمون بأنه مبارك و جليل و كريم لأن الكرم يكثر فيه ؟ ... و لكن المسألة هى أن هذه عبارة استعملها الناس قدرت دون تبديل أو تحوير ... و الملاحظ أيضا أن العامى فى جو هذه المناسبات يلقى على ملاقيه أو زائره أو مضيفه كثيرا من التحيات والمجاملات و التسليمات ، فمن ( رمضان كريم ) إلى (كل عام و أنتم بخير )  إلى ( كيف الأحوال ) إلى السؤال عن الصحة وعن فلان وفلانة ، إلى غير ذلك من الأشياء ، وهو إنما يلقى كل هذا دون توقف حتى ليعجز المستمع أن يرد كلا من هذه التحايا والأسئلة والتسليمات ، فيكتفى بالرد على أولها وأوسطها وآخرها إن بدا له ألا يلتزم الصمت تجاه هذا السيل الجارف والتيار العنيف ...

ثم هيا تتمعن قليلا فى أسلوب العامة حين يريد الواحد منهم أن يتأسف لذنب جناه أو خطأ وقع منه فيقول : ( لا مؤاخذة ) وهذا التعبير حى جدا ويستعمل ويتداول فى الأوساط الشعبية كثيرا ؛ وذلك يرجع إلى كثرة ما يقع من الناس من أخطاء وما يأنون من فعال تتنافى مع صيغ اللباقة وأقية الذوق في البيوت والمصانع وفى الترام والسيارات وفى المجالس ودار الخيالة وغير ذلك من أمكنة الحياة العامة ؛ فنجد أن هذا التعبير جد غريب وجد شاذ ، فالمفروض أن قائلة يعتذر فكيف به يملى على من يعتذر إليه ألا مؤاخذة على ما فعل ؟! إنه يجبره على ألا يؤاخذ ولا يتكلم ، والمعتذر كما هو معروف إما أن يرجو العفو عما حدث ، وإما أن يتأسف لما وقع ، ولكن ( لا مؤاخذة )  هذه ما فيها رجاء لعفو ولا تأسف على شيء وقع ، إنها إرغام وإجبار ، إنها أمر وإيقاف ، إنها صيغة قوة ، وصيغ الاعتذار فيها الرقة وفيها نغمة الاستعطاف ورنة الأسف والرجاء...

ولكن المعروف أن هذا التعبير العجيب يستعمل زيادة على ذلك فى ثنايا الأحاديث حين يريد المتحدث العامى أن يذ كر شيئا قبيحا أو أمرا غير معهود أو كلاما خارجا عن اللباقة أو الآداب المعهودة المصطلح عليها فى جو العامة ، ونحن لو بحثنا هذا التعبير فى هذا الصدد أيضا وجدناه غريبا فى موضعه مخلا فى ذوقه غير ملائم للمقام ؛ ذلك لأن معناه كما يتفق كل الناس الاعتذار والتأسف ، والمرء لا يتأسف قبل أن يقع منه الخطأ ، ولا يعتذر إلا إذا جاء بالمنافى للذوق أو الخارج عن حدود اللباقة والأخلاق ؛ وذلك لأن التأسف تابع للخطأ ، والاعتذار يقع عادة بعد الوقوع فى ذلك الخطأ ، فكون المرء يريد أن يذكر أمرا قبيحا أو كلاما خارجا عن الحدود الخلقية المتواضع عليها برغبته ومشيئته أى عن عمد ، فيعتذر قبل أن يتحدث ويتأسف لما سوف يقوله من سقط الكلام ولغوه ، فليس لذلك الاعتذار وذاك التأسف من موضع معقول أو علة مقبولة ؛ وذلك لأن الأمر الذي يجدر الاعتذار عن حدوثه لا يقع متعمدا وإلا لما وجب التأسف عليه ، وإنما هو يأتى عفوا وعن غير عمد ، لذا وجب الأسف واستحق قبول الاعتذار ، ثم ما دام العامى يحادث عاميا مثله وقد وجد لديه

الدافع لأن يذكر شيئا قبيحا أو خارجا عن ذوق الجماعة واحترام المجلس ، فلماذا لا يتشجع ويقول ما يريد ، ثم إنه سوف يقول هذا الذى يريد فلماذا يحطه كل لحظة بعبارات التأسف ولا مؤاخذة الاعتذار..

تعليل ذلك أن ( لا مؤاخذة ) هذه فى هذا الجو من المجالس وفى هذا الأسلوب من الكلام شئ يدل على احترام المجلس والجالسين فيه ، ويدل على جلال الشخصية التى تتكلم ، كما أنه دافع على انتباه الحضور ودليل على لباقة المتحدث فى جذبهم إليه واستمالتهم إلى حديثه سواء أكان قبيحا أم غير قبيح ، فصيحا أم غير فصيح ، وتعليل ذلك أيضا أن هذا أسلوب تواضع عليه العامة وطريقة دلف على منهاجها الآناء العوام فى مجالسهم التى كانوا يعقدونها وأحاديثهم التى كانوا يقضون بها أوقاتهم ويرضون بها دوافع ألسنتهم ولغوهم ...

... هذا قليل من كثير مما يستعمله العامة فى تحاياهم ومجاملاتهم ، وأريد هنا أن أشير إلى أن بعض المثقفين وكثيرا من أنصاف المثقفين يستعملون هذه الأساليب وأمثالها دون أن ينتبهوا إلى ما فيها من أخطاء وما يحقها من معان متباينة وما تتجه إليه من منافاة لما يراد والمعروف أن هنالك من الأساليب العربية السهلة المبسطة الكثير مما يستعمل فى جو المثقفين وما يمكن أن يستعمل فى غير هذا الجو من أجواء ، والواجب على كل من حظى بنصيب من الثقافة أو نال قسطا من العلوم سواء العلوم الثقافية أو العلوم الشعبية أن ينبذ تلك الأساليب المنافية لما يريد ، وأن يدقق فيما يريد أن يدلى به وأن يكون ملما بالأسباب التي دعته إلى نبذ هذه الأساليب واستعمال تلك ؛ لأن ذلك يجعله دائما شديد اليقظة والحذر دائم الثحن والتدقيق فى الأمور ، سواء أ كانت تعبيرية أم عملية ، يفكر قبل أن يتحدث ويتأني قبل أن يقدم ، ويتمعن قبل أن يدلى برأيه ويتريث قبل أن ينغمر فى لجة أو فى غمار وقبل أن يجرفه التيار في مجارى عدة من الأغلاط والأخطاء ...

وأما ما كان من أمر العامى ، فإنه يقتبس ما يستطيع من تعبيرات المثقف والتعلم فى تحياته ومجاملاته ؛ وذلك يعتبره على حد تفكيره شيئا مثاليا يدل على الاختلاط بجو المثقفين

والمتعلمين والمتأدبين ويدل على سعة ذوقه وفكره لتقبل هذه الأساليب الخاصة ، كما يدل على مساهمته فى مشاركة هذه الفئات من المتأدبين والمثقفين فى أساليب أحاديثهم ومجالسها ومقابلاتهم ، تزيد على ذلك الناحية النفسية ، إذ يشعر العامى بفخر واعتراز وانتفاخ أوداج حين يستطيع أن يستعمل مجاملات هذه الفئات وتحياتها وحين يستطيع أن يقلد اللهجة التى تقال بها ، كما أن ذلك يجعله علما فى المجلس الذى يجلس فيه أو الجماعة التى يجتمع بها لأنه شذ عن المألوف العامي ، والشذوذ ميزة تسترعى الانتباه وسبيل لاحب للبدو والظهور ودافع لجذب الأنظار واهتمام الألسنة ، ودافع لجنوح الآخرين إلى الاقتداء به إن وجدوا في ذلك طرافة وجمالا وجدة ، وإلى الحسد أو الضيق إن كانت الجنوب تحمل حسدا أو تعمل فى منافسة ، وفى الحسد والمنافسة دواع شتى إلى التحادث والتنابز وإلى الثرثرة والأخذ والرد وإلى المشاجرات والاختلافات ، وعلى هذا كله يقوم ركن ركين من دعائم الحياة العامية فى جو هذه الجماعات وهذه الجماهير من الشعب .

بيد أن الملموس أن هذه الظاهرة فى جنوح العامى إلى الاقتباس من مواضعات المتأدب ومجاملات المتعلم قليلة نادرة ؛ وذلك للمحافظة التى تسود جو العوام والاستمساك بالتقاليد المرعية والموازين العامية والأصول البلدية والدلوف على رسيم السابقين من أبناء الشعب والعوام ، ولكن هذه الظاهرة ترتقى مع الأيام ؛ وذلك لأن الزمن يدفع إلى التطور ومواكبة ركب هذا التطور ، ذلك الذى يبدو ملموسا فى كل مظهر من مظاهر الدنيا ومحسوسا فى كل قديم من تقاليد الحياة . والذكاء عامل مهم كل الأهمية وميزة مفهومة كل الفهم فى أولئك القلائل من العامة الذين يجدون لدى أنفسهم دوافع الاقتباس والأخذ من أجواء أهل العلم والثقافة ، والجميل منهم أن يصمدوا أمام عاصفة زملائهم العامة إن أثاروها ضدهم رامين إياهم بالخروج عن حدود اللباقة والغطرسة والحذلقة والتشبه بأولئك الذين رمى بهم آباؤهم إلى المدرسة فعلمتهم ما هى المفرقعات والتفاعلات وعلمتهم قراءة الكتب ، وربما كان فيها من الفساد والإفساد ما لا يعلمون ومالا يريدون أن يستمعوا إليه ، بيد أن ذلك أيضا نادر ، أى أنه ليست هنالك عواصف كثيرة تثار أو تهب على أولئك

( المجددين ) فى مواضعات الحياة الشعبية ، وذلك أيضا بفضل التطور وبفضل دفع الزمن واندفاع الوجود وانبلاج صبح الحضارة والتقدم رويدا رويدا من احتباس الافق وغياهب الظلمات ...

. . ولقائل أن يقول : إن تحايا العامة ومجاملاتهم قد تواضعوا عليها وتداولوها من قديم ، وكل واحد منهم يفهم مدلول كل منها حتى وإن كان لا يستساغ ذوقا أو يقبل منطقا فى جو الثقافة والتوسع فى الادراك ، ولا يهم أن يبحثوا هذه الأساليب أو أن يصلحوها . بيد أننى أستطيع أن أرد على هذا القول بأنه قد نسى أو تناسى ما يفرضه التطور وما تتطلبه المدنية والثقافة فى عصرنا هذا ، كما أنه قد نسى أو تناسى أن الغرض فى هذه الحقبة الجديدة من الزمن أن ترتقى ونسعى في رقي الفئات التى لم تنل حظا من التوسع الإدراكى أو التفكير الثقافى ؛ وحسبنا أن نعلم أن ذلك جنوح منا إلى انتشال هذه الفئات العامية من جو فيه تناقض فى الحياة والمواضعات ، وأزيد على ذلك ما سبق أن ذكرت من فائدة ذلك فى دفع هذه الفئات إلى الحذر واليقظة وما إلى ذلك من مسوغات التجربة ودواعى الرقى الفكرى في انتهاج مبدأ التطور فى هذه الحياة ، ثم إن العامى نفسه لا يشك أنه سيضحك من نفسه ومن زملائه العوام حين تذكر له تناقض أساليبه فى تحياته ومجاملاته ، وحين تفند له هذه الأساليب والتعابير بما وهبت من مقدرة وما أوتيت من برهان وما اتسم به منطقك من حجة وإقناع ولسانك من بيان وتأثير . .

... إننا لا نأسف على محو هذه النماذج العامية فى الطرافة المنطقية والظرف الفكرى ، ولا نتأسف على إبادتها ؛ لأن لدينا سواها مما يتقبله العقل ويستسيغه المنطق ، وينسجم معه الذوق الإنسانى انسجام النحل مع زهيرات الرياض ؛ ولأن هذه الأساليب لم تكن نماذج للظرف والطرافة إلا حين نميط اللثام عن تناقضها العجيب وشرودها المنطقى ، وقبل ذلك كانت متسقة مع ذوق العامة متزنة مع منطقهم منسجمة مع السنتهم جارية سائرة فى أجواء اختلاطهم وحياتهم غير قابلة للمناقشة والبحث والتبديل ، وبتعبير أدق لم يفكر أحد منهم فى غير ذلك ..

اشترك في نشرتنا البريدية