لم يكن للعامل حتى أواخر القرن الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر أي كيان اجتماعي ؛ ولم يكن يوجد عمال بالمعنى الذي نفهمه اليوم . وكل ما خلفه لنا التاريخ من مبان شامخة وآثار ضخمة قبل اختراع الآلات كان من عمل عبيد مسخرين . وكان هؤلاء كذلك يقومون بالأعمال الزراعية ، لأنهم كانوا جزءاً متمماً للأرض ، يمتلكهم الشريف مع الأرض ، وتنتقل ملكية الأرض وعمالها من شريف إلى شريف.
ولقد بدأت تظهر شخصية العامل في أواخر القرن الثامن عشر في ميدان الزراعة ، حينما بدأت الملكيات الكبيرة تتحول إلى ملكيات صغيرة ساعدت على ازدهارها الثورة الصناعية وما صاحبها من إنتاج المعاول اللازمة للزراعة ، والتنافس بين أصحابها في استغلالها إلي أقصى
حد ممكن . ولم يكن يسعفهم في ذلك الحين نظام العبودية ، لأن العبد بطبيعة كونه عبداً لم يلق بالا إلي عمل لا يعود عليه منه أي نفع . وهنا بدأ العمل بالمعنى الفني الذي تعطىه له اليوم ؛ فاستأجر ملاك الأراضي عمالا كانوا ينقذونهم أجرهم كل أسبوع أو كل شهر . وهذا النظام الجديد ،
على ما كان ينطوي عليه من ذلة في بادىء الأمر ، إذا اعتبرنا الأجر عن أسبوع أو عن شهر ثمناً لشراء العامل واحتكار جهده خلال هذه المدة ، كان على آية حال أكرم من العبودية ؛ وكان من نتائجه المباشرة زيادة نشاط العامل أملا في ارتفاع الأجر ، وبالتالي زيادة الإنتاج .
وربما كان من الضروري ونحن نطرق هذا الموضوع أن نوضح المراد بقولنا " العامل " ، إذ يظهر أن كتابنا المعنيين بالشئون الاجتماعية قد خلطوا في تحديد مدلوله ، وعلى الأخص حينما يعتبرون كل فرد بضعته المصنع عاملا ، والواقع أنه لا اعتراض على ذلك من الناحية اللغوية ؛ فعمال المصنع جميعاً عمال ، وموظفو الحكومة جميعاً عمال ،
وهكذا - ومن الأدلة على خطأ إطلاق لفظ عامل علي جميع عمال المصنع بلا استثناء ، أن من العمال أفراداً مهرة يتقاضى الواحد منهم في اليوم جنيها أو جنيهين أو أكثر . فحينما نتكلم عن بؤس طبقة العمال وشقاء أفرادها يجب أن تستبعد هؤلاء منها .
وعلي ذلك فالعامل بالمعنى الضيق هو الذي يسعي في الاسطلاح بالعامل العادي Common lnbourer. ويمكن أن نطلق هذه التسمية مع التجاوز على العامل القريب من العامل المدرب أو الماهر Semiskiled labourer بل وعلى من يتفقون والعامل العادي في ظروف العيش وإن لم يعملوا في داخل المصانع ، كصغار الكتبة في دواون الحكومة ومكاتب الشركات . أما العمال المهرة والقريبون من أصحاب المهن وأصحاب المهن فهؤلاء عادة يخرجون من دائرة العمال ، وهم في الأغلب لا يعتبرون أنفسهم عمالا
ويتميز العامل العادي : ١ - بالعمل اليدوي . ٢ - بقلة احتياج عمله للذكاء .
٣ - باليون الشاسع بينه وبين أفراد المجتمع الذين يساهمون في التنظيم الاجتماعي وضبط الحياة الاجتماعية . وذلك من حيث أهمية العمل . بدليل أن خطاء في عمله لا يترتب عليه ضرر للجماعة ، بينما تتأثر الجماعة كلها بأي تصرف خطأ يقع من قائد جيش ، أو كاتب كبير ، أو مخترع أو موسيقى ، أو تاجر كبير ، أو استاذ في الجامعة حين بوجه تلاميذه توجيها غير سليم .
وإذن فطبقة العمال بالمعنى الضيق هي التي تتكون من هؤلاء العمال العاديين . وقد كان ينظر إليها علي الأقل فيما مضي على أنها طبقة منحطة ، (وليس هنا مجال تقتيد ذلك الزعم والرد عليه ) ، وهي في جميع العصور أقل تقديرا وابسط أجراً وأضعف نفوذاً من الطبقات الأخرى . ولقد أدى نمو الصناعة ونظام تقسيم العمل إلي تخصيص هؤلاء العمال
في أعمال قد تكون فرعية وصغيرة جداً ، يقضون فيها عشرات السنين من أعمارهم فلا يصلحون آخر الأمر لغيرها ، ويؤدونها بطريقة آلية فينعدم لديهم الابتكار ، وينطفىء ذكاؤهم حتى إنهم لا يدرون ما يفعلون في حالة غلق المصنع وتسريحهم . ومن أجل هذا يقول الأستاذ جد مجز Diddings "إن هذه الطبقة التي طالما قيل لنا إن ثروة العالم تقوم على أكتافها ، لا تكاد تنهض بأعبائها المعيشية لصعوبة حصولها على ما يسد رمقها " !
وطبقة العمال (ونقصد بها دائما العمال العادين الذين أشرنا إليهم وهم الكثرة) في نزاع مستمر مع أصحاب العمل أو الرأسماليين . وربما كان نظام المصنع بالذات هو الذي وسع شقة الخلاف بين الفريقين ؛ فأصحاب العمل ، رغبة منهم في استثمار الأموال بأقل النفقات وفي تنظيم العمل بأقل جهد ، جمعوا مئات العمال وألوفهم في مكان واحد ، ووضعوا لهم نظاما للعمل يحقق هاتين الرغبتين معا ، فكانت النتيجة أن تكونت لهم حالات عقلية خاصة mental patterns نشأت من طبيعة عملهم (اليدوي الآلي) ؛ فقد أثرت بساطة هذا العمل فيهم من ناحيتين : الأولى بأن جعلتهم بسطاء يسلمون قيادتهم بسهولة لأي فرد قوي الشخصية يستطيع أن يؤكد لهم إخلاصه في الدفاع عن مصالح . والثانية بأن قوت عندهم الإحساس بالإخاء الإنساني نتيجة لاجتماعهم معا ساعات طويلة من النهار أو الليل ، تزيد في أكثر الأحيان على الساعات التي يقضونها بين أهلهم وذوبهم . وتدل الوقائع على أن كثيرين منهم لا تقع عيونهم على أولدرهم إلا في أيام الراحة أو العطلة ، بسبب استيقاظهم لعملهم مبكرين أثناء نوم هؤلاء ، وعودتهم منه آخر النهار وقد أووا إلي فراشهم . وهم في العادة لا يتفرقون بعد العمل لأن لهم أندينهم وملاهيهم الخاصة . هذا الإخاء الذي ربط بين العمال جعل العلاقات بينهم قائمة على الأمانة والشرف ، وإننا لنلاحظ في هذه الطبقة الفقيرة مبادئ خلقية عالية ،
قلما تجدها في الطبقات التى اصطلحنا على تسميتها بالطبقات الراقية ؛ فهم بصفة عامة يتعاونون فيما بينهم في حالة البطالة والمرض تعاونا يكاد يكون منظما وإن كان ضعيفاً على قدر مواردهم . وقد ادي إخاؤهم إلى اتحادهم لدفع شرور الرأسمالية . وتتلخص مطالبهم في زيادة الأجر ، وتقليل ساعات العمل ، والتأمين الصحي
أما أصحاب العمل فيرون أن العامل الذي يؤدي بيده عملا صغيرا لا يحتاج لدربة ولا ذكاء ينبغي أن ينقد أجراً تافهاً ؛ بينما يري العامل أن كل رأس ماله وهو جهده يضعه في العمل ، وأن عمله برغم تفاهته بعد مساهمة منه في الاختراعات والإكتشافات ورقي الحياة الاجتماعية .
أما موقف الحكومات بين هؤلاء ، وهؤل ، فيتلخص في أنها لا توافق على أساليب العنف والإضراب ، لأن الإضراب تهديد للدولة أكثر منه لصاحب العمل
والدولة مسئولة عن سلامة الجمهور الذي يتعرض بلا شك لأشد الأخطار في حالة الإضراب . وتري فيما يتعلق بالعمال ناحية إنسانية يدعو إليها المثل الأعلى الاجتماعية ، وهذا يعتمد على تأييد من الدين ومن فكرة الوطن ، فجميع الكتب المقدسة تدعو إلى معالجة الفقر . وقد كان البابا ليون الثالث عشر يشعر بخطر المسألة الاجتماعية ويعمل لوجوب حلها بإزالة الفوارق التي بين طبقة المال والطبقات
الأخرى . وإذا كان رجال السياسة من أمثال بسمرك يرون مسألة العمال من المسائل الاقتصادية البسيطة التي تستطيع الدولة أن تحلها بما لها من سلطان ، فإن البابا ليون الثالث عشر كان يري على العكس من ذلك ان لهذه المسألة ناحيتين خلقية ودينية ، وينبغي أن تتعاون الكنيسة والمجتمع مع الدولة على حلها .
أما تأييد فكرة الوطن للمثل الأعلى الاجتماعي فواضح في قضية بديهية ، مؤداها أن كل أمة ترغب بطبيعتها في تنمية قوتها وإعلاء شأنها ، وهذا لا يتأتي إلا إذا جاهدت كل طبقة من طبقاتها في سبيل تحقيق الخبر العام للجماعة .
وقد شهد القرنان الثامن عشر والتاسع عشر صراعا عنيفاً لتحقيق المساواة الاجتماعية . واليوم تعتبر الدولة من أول واجباتها توكيد هذه المساواة وإزالة كل أثر للخلافات الاقتصادية والاجتماعية ، بحيث تحترم الكرامة الإنسانية لكل عامل عن طريق تيسير حصوله على حاجاته الضرورية .
ومن مبادئ الحكم أن من حق الدولة ، بل من واجبها لمنع النزاع بين الطبقات ، أن تتدخل في الحياة الاقتصادية بطريق التشريع ولو كان في هذا التدخل اعتداء علي الحرية الفردية ، وأن تعمل على أن يكون رأس المال في خدمة العمل ، لا العمل في خدمة رأس المال.

