نحتفل بهذا العدد من (( الثقافة )) بثلاثة أعياد فى عيد ، عيد رأس السنة الهجرية ، وعيد رأس السنة الميلادية ، وعيد مولد (( الثقافة )) إذ بلغت شمعاتها التى أضيئت اليوم ستا ، ولنا فى كل عيد من هذه الأعياد الثلاثة درس مفيد .
فأما درس الهجرة فاستعذاب العذاب فى سبيل الحق ، والاستخفاف بأشد المصاعب فى سبيل العقيدة ، والصبر على المكاره ، والعمل المتواصل حتى يأتى النصر .
هؤلاء حفنة قليلة من المؤمنين فى مكة يصبرون على أذى العدد الكثير من صناديد قريش وعتاتها ، ولهم المال والجاه ، وكل وسائل الاضطهاد ، وكل قوة التقاليد الموروثة ، ولكن كل هذا لم يمنع النابتة الجديدة أن تظهر ، وأن تلح فى ندائها بالوحدانية ، وأن تعلن دينها الجديد فى مظان الفتك بها ، ولا بأس بالموت إذا الموت نزل .
العبد الذى لا عصبية له كبلال بن رباح الحبشى ، يخرجونه إذا حميت الظهيرة إلى بطحاء مكة ، ويمدونه على الأرض فى الشمس ، ويأتون بالحجر العظيم يضعونه فوق صدره ثم يقولون له : لا تزال كذلك حتى تموت أو تكفر بمحمد ، فيكون جوابه (( أحد ، أحد )) ؛ والسيد ذو المال والجاه والعصبية كعثمان بن عفان تهدر عصبيته وينبذ ويهجر ؛ ويساء إليه فى ماله وأهله ، فيحتمل كل ذلك فى صبر ، وأخيرا لا هؤلاء يتحولون عن دينهم ولا يسكتون عن الدعوة ، ولا أولئك يكفون عن تعذيبهم واضطهادهم .
لم يبق حل إلا الهجرة ، وما أشقها على المهاجرين ! يتركون أهلهم ووطنهم ومصالحهم وعلاقاتهم ومآربهم إلى بلد جديد ليس لهم فيه أهل ولا مال ولا صلة ، ولكن كل ذلك هين ما بقيت العقيدة ، فهى وطنهم وهى أهلهم وهى مالهم .
وكان الرائى يرى أحد عشر رجلا وأربع نسوة فيهم عثمان بن عفان وزوجه رقية بنت رسول الله ، والزبير بن العوام ، وليلى العدوية مع زوجها عامر بن ربيعة يمشون على أقدامهم من مكة إلى اليمن ، وإذا تسنى لبعضهم فى الطريق ركوب ركب ، ثم يستأجرون سفينة من اليمن إلى الحبشة بنصف دينار ، وينزلون بين قوم لا يعرفون لغتهم وعاداتهم ، ويشقون فى الحياة طريقا وعرا لكسب قوتهم وهذه هى الهجرة الأولى .
ثم يعودون إلى بلادهم وقد أتعبتهم الغربة وظنوا أن قريشا ثابت إلى رشدها ، وكفت عن تعذبيها ، فوجدوا أن الحال أسوا ، والعذاب أشد ، فعاد بعضهم إلى الحبشة ثانية ومعهم غيرهم ، وكانوا هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا وثمانى عشرة امرأة .
والنبى نفسه ( صلى الله عليه وسلم ) يهاجر إلى الطائف لعل ثقيفا تكون خيرا من قريش ، فتستجيب لدينه وتحمى دعوته ، فيقيم بها شهرا يدعو سادتهم فيجدهم وقريشا فى الشر سواء ، بل لم يراعوا حق الضيافة ولا كانت فيهم حمية النجدة ، فلم يسمحوا حتى بالرد الجميل ، بل حرضوا عليه سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء ، وعاد يائسا من ثقيف أيضا ، ولكن ليس يائسا من ربه إذ يقول : (( اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى ، وهوانى على الناس . اللهم إن لم يكن بك على * غضب فلا أبالى )) .
ثم كانت الهجرة الكبرى إلى المدينة بمشاقها ومصاعبها فكان بعضها خفية وبعضها علنا بعد عذاب ، فالمهاجرون ، قد تعودوا جو مكة وألفوا معيشتها وجبالها وماءها ، وها هم أولاء يدخلون المدينة فلا توافق مزاجهم ، ويصاب كثير منهم بالحمى ، فكان أبو بكر تأخذه الحمى فيقول :
كل امرئ مصبح فى أهله
والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى هاجه الشوق إلى مكة فيرفع عقيرته ويقول :
(( ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة
بواد وحولى إذخر وجليل ( ١ )
وهل أردن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لى شامة وطفيل ( 2 )
اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء )) !!
ولكن لا بأس فكل شئ هين إذا سلمت العقيدة . وزال وباء المدينة كما زال وباء قريش ، وجاء نصر الله والفتح ، وأتم الله نعمته ، وأدى المسلمون الأولون الامتحان على خير وجه وأكمله مع ما بلغ من شدته وقسوته ، ثم رحلوا إلى جوار ربهم وخلفوا لنا درسهم قائما : (( أن العقيدة الحقة تصحح العزيمة وتبعث على العمل الدائب ، وتستخف بالمصاعب ، وتصبر على نار الامتحان حتى تخرج ذهبا إبريزا ، وواجب كل أن يعمل للحق ما دامت له عين تطرف ورجل تسعى ويد تعمل ، لا يخشى فقرا ولا تستعبده شهوة (( والله لا يضيع أجر المحسنين )) .
هذا وحى الهجرة ، أما درس السنة الميلادية فهو أن العالم يلتفت فيرى خامس عام يأتى والناس فى شقاء ، فتحت أبواب جهنم فانطلقت منها زبانية الشر ؛ كم من الملايين يقتلون أو يشوهون ، وكم من الخراب والتدمير والفزع يصيب العالم مما لم يشهد له من قبل نظيرا ، وكم بيوت هدمت , ونفوس فزعت ، وأسر شتتت ، وحريات قيدت ،
وآمال حطمت ، مما لا يستطيع البلغاء أن يصفوه أو يصفوا عشر معشاره ، فلم ذلك كله ؟
لا يبرر هذا إلا أن يكون ألم المخاض لولادة عالم جديد أسعد حالا وأدق نظاما وأحيا قلبا وأصلح نفسا من العالم القديم .
إن هذه الحرب الحاضرة إعلان بإفلاس العالم الماضى ، وكل كارثة مما يحدث معول لهدم قاعدة من قواعده ؛ ليؤسس العالم بعد ذلك على قواعد نظيفة جديدة أصلح للإنسانية . إن العصر الحديث قد ولد القومية وظلت تلهيها التربية والأدب والخطابة والسياسة حتى بلغت منتهى حدتها ، وأفادت كثيرا من الفوائد ، فاستخرجت من الأمم نشاطها وبعثت حيويتها ، وجعلت تتسابق فى ميادين التجارة والصناعة والاختراع ، ولكن هذه المزايا كلها لا تساوى ما نشأ عنها من خصومات حادة بين الأمم سحبها الحقد والبغض ، والشعور العام بأحقية كل أمة فى أسبقيتها ، وخوفها من أن يسبقها غيرها ، والتلهف على انتهاز الفرص لخطف المغانم قبل أن تخطفها أمة أخرى وهكذا ، حتى نتجت هذه الحرب بما نشرت على العالم من تعاسة وشقاء يفوق بمراحل ما خلفته القومية من المزايا التى ذكرتها .
فإذا كان العالم الآن يتمخض عن نزعة إنسانية ، وإخاء شامل ، وعمل للخير العام وشعور بالوحدة فحبذا هذه الضحايا للوصول إلى هذه الغاية .
هذه الأمم الكبيرة الآن تحاول - حتى فى أيام الحرب - أن تصور المولود الجديد صورا جميلة فيها التعاون على توفير الرزق ، وفيها ضمان الحرية للأمم ، وفيها التعاون العام بين الشعوب . وأكثر من ذلك أن فيها حياة القلب بجانب حياة المادة والعلم ، وفيها تأكيد بأنهم يرسمون صورة جدية لا صورة هزلية ، وأنهم اتعظوا بما أصاب مبادئ (( ولسن )) وعصبة الأمم من فشل ، وأنهم لا يريدون أن
يكرروا الغلطة أو يعيدوا المأساة .
لاشك أن هذا النظر الجديد يفيد الشرق كما يفيد الغرب ؛ لقد كان الغرب فى العالم القديم ينظر إلى الشرق نظرة التاجر القصير النظر يهمه الربح العاجل دون الربح الآجل ، أو صاحب المصنع يستغل عماله ، وهمه فى نتاجهم لا فى أنفسهم - أما فى العالم الجديد فيسود الجميع الأمل أن لا مستغل ولا مستغل ، ولا سيد ولا مسود ، وإنما إخوة فى أسرة ، كل يمدها بكفايته ، والكبير يعطف على الصغير ، والقوى يأخذ بيد الضعيف ، والكل يعمل لخير الكل .
هذا هو ما سيسود العالم المستقبل لا محالة ، فإن عقل ربان اليوم فهذه النتيجة حاصلة فورا ؛ وإلا فالحرب تلو الحرب ، والخراب يتبع الخراب . حتى تكون النتيجة التى تحتمها الطبيعة ويريدها الله .
إن التاجر البعيد النظر يهمه أن يرقى عميله ، وصاحب المصنع الحكيم يفضل مصلحة الصناع مع الفائدة الدائمة - ولو قليلة - على فائدة كبيرة تحصل بالبغض والكراهية ، كذلك العالم إذا سادته الإنسانية كان طيب القلب ، واسع الصدر ؛ يرحم الجائع حتى يأكل ، والعارى حتى يلبس ، والجاهل حتى يتعلم ، والفاسد حتى يصلح ، ويرى زمالة الضعيف خيرا من استعباده ، ومصادقة الأجير خيرا من استذلاله .
وهذه النظرة العالمية ستسود بحمد الله طوعا أو كرها ، فالراعى الذى لم يعتنقها طوعا تحمله الرعية على اعتناقها كرها ، لأن كل شئ فى العالم فتح عينها وأرهف أذنها وعلمها ما لم تكن تعلم .
ولعل تقارب العامين الجديدين فى البدء والاستهلال ، ومصافحة المحرم ليناير فى هذا العام ، يكون إرهاصا لطيفا فى الأخوة ، وحل المشاكل بروح العدل ، والنظر إلى الأمور بروح الإنسانية ، واختفاء عهد المغالبة وقصر
النظر ، وحلول الأخذ باليد محل روح الاستغلال .
وأخيرا نرجو أن يحوز العام الجديد وسام الشرف بحمله البشرى السعيدة بولادة العالم الجديد المؤسس على الإنسانية والعدل ، وحياة الضمير .
وتستقبل " الثقافة " عامها السادس مغتبطة بماضيها رغم ما أحاط بها من ظروف الحرب القاسية فى المادة والمعنى ، آملة فى مستقبلها بفضل ما ترى من التفاف قرائها حولها ، وشعورهم بالاتصال الوثيق بها ، ينقدونها إذا أخطأت ، ويوجهونها إلى ما يفيدهم إذا غفلت ، وبريد (( الثقافة )) كل يوم وازدياده كل عام دليل على تأكد هذه الصلة الروحية ونموها ؛ و (( الثقافة )) من جانبها تصغى لنقد الناقد ، وتوجيه المفكر ، واقتراح المقترح ، وتشعر بأن ذلك كله دليل على اهتمام القارئ وشدة ارتباطه بالمجلة ، وبأنها وقراءها مدرسة
يتعاون أعضاؤها على نشر العلم على خير وجه ممكن ، والوصول إلى المبادئ الحقة والمعلومات الصحيحة بقدر المستطاع ، أو قاعة محاضرات واسعة تلقى فيها الآراء المختلفة فى حرية ، وتعرض للبحث والنقد فى صراحة حتى تتجلى الحقيقة من وجوهها المختلفة ، فإن لم نصل إلى هذا كله كاملا فلا أقل من اغتباطنا بالسير فى سبيل تحقيقه .
وقد يعوق الوصول إلى الغاية ما اقتضته ظروف الحرب من تقييد القول وتحديد حرية الرأى ؛ والحرية هى الغذاء الوحيد الصالح للصحافة وللرأى العام ، حتى يتجلى الحق من جميع وجوهه ؛ فإذا نحن أملنا فى العام الجديد غصن الزيتون لسلام العالم وطمأنينته فإننا نأمل فيه أيضا أن يرد إلينا حريتنا كاملة ، حتى تؤدى الصحف والمجلات رسالتها كاملة ، والله الموفق .
