الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 586الرجوع إلى "الرسالة"

العباس بن الأحنف

Share

فى العصر الذى ماج بالعلماء، وزخر بالفلاسفة والشعراء  والكتاب، حيث العلم فى أزهى أيامه، وحيث  (بغداد)   قبلة الشرق، فاتحة أبوابها، يؤمها خلق كثير من مختلف بقاع  الدنيا، وظل الخلافة ممدود، وتاج بنى العباس معقود على جبين (الرشيد)  فى هذا العصر المشرق؛ لمع نجم شاعرنا، وتألق  فى سماء الشعر؛ فكان موضع إعجاب معاصريه، وفى مقدمة  الشعراء الذين أنجبهم ذلك العصر

قمعت الفتن السياسية، فهدأ جو السياسة والإدارة، وولى  الناس وجوههم شطر الملاهي، وانغمسوا فى الترف والأنس.  ففى (بغداد)   الحانات والقيان، وجميع أسباب الملذات والمغريات. ففى مثل هذه البيئة، التى إن لم تكن فاسدة، فإن فيها مجالا  لفساد الأخلاق، عاش العباس بن الأحنف، وقدمه   (أبو الفرج)  فى (أغانيه)  شاعراً مطبوعاً له مذهب حسن، وديباجة مشرقة، ولشعره رونق ولمعانيه عذوبة ولطف؛ وهذا الوصف قد يغلب  على أكثر الشعراء، فهو لم يزدنا علماً بهذا التعريف الذى عرف به  الكثيرين من الشعراء

عاش شاعرنا بين قوم يتنافسون فى المديح طمعاً بالمال والجاه،  ويضرمون نار الفتنة بين العدنانية والقحطانية بفخرهم وهجوهم.  ولكنه لم يجاوز الغزل إلى ضرب آخر من ضروب الشعر، وميزته  تكاد أن تكون معدومة فى ذلك العصر. وأن الباحث ليعجب  كيف لم يتأثر هذا الشاعر بما كان حوله من ملذات الحياة  وزينتها. وكيف أنه لم ينتم إلى حزب سياسي، أو يشايع أميراً،  أو يتملق إلى رجل خطير شأن معاصريه من الشعراء. وفى الحين  الذى نرى فيه أن غيره   (كأبى نؤاس)  و   (الخليع)  و   (صريع الغواني)  وغيرهم قد ألقوا بقلوبهم وعواطفهم فى نيران الشهوات والملذات، وأسرفوا فى المدح والهجاء طمعاً بتأمين رغباتهم  وسد احتياجهم. نرى   (أبن الأحنف)  ينصرف عن كل ذلك  إلى الغزل النبيل فى حب فتاة واحدة لم ينقلب عليها قلبه، ولم

تلتفت عينه إلى واحدة غيرها. فهو فى حبه كشعراء   (بنى عذرة)   من حيث الثبات على حب واحد

وقنع من العمر بقصيدة يودعها ما عنده من الآلام، وأبيات  من الشعر يشكو فيها ما يلقاه من سهد، ويشرح فيها ما يدور  فى خلده من خواطر يثيرها الحزن وتبعثها الأشواق

ردد فى جميع شعره اسم (فوز) وكنى أحيانا بـ (ظلوم)  ويستدل من هذا إنه لم يتصنع الحب كعمر بن أبى ربيعة الذى  يموج ديوانه بأسماء عشرات الملاح، قد وزع عواطفه عليهن  فاعترى أكثرها خمول وفتور. والثبات فى الحب أضمن لخلود  الشاعر فى فراديس الوجدان من التنقل هنا وهناك، فتفنى  مشاعره، وتذوب إحساساته، فإن أبدع فإلى أجل معلوم

شغلت (فوز) شاعرنا فلم يندفع فى ذلك التيار الجارف الذى اندفع فيه أولئك الشعراء و (فوز) كانت أمنيته الوحيدة  فى حياته، وشغله الشاغل عن كل ما يحيط به من صور العبث  والمجون، فلنستمع إليه يقول:

يقولون لى واصل سواها لعلها ... تغار وإلا كان فى ذاك ما يسلى

ووالله ما فى القلب مثقال ذرة ... لأخرى سواها إن قلبى لفى شغل

إننا حين نقرأ شعر غيره من معاصريه لا نكاد نخرج  من ضجيج سمار إلا ونأتى إلى عزف وقيان، وما نكاد نخرج  من خان غص برائديه إلا وجدنا أنفسنا فى لجب عصابة تطرق  أبواب خمارة بعد هجمة من الليل، وقد فرغت أوانيها من الخمر والشراب

ونقرأ شعره فنجد أنفسنا فى جو هادئ من الحب والظرف  والجمال. فى جو يختلف عن ذلك الجو اختلافاً كبيراً، وفى عالم  كله لوعة صادقة وإحساس مرهف، وفى دنيا مترامية الأطراف  من الأمانى والأحلام. قلنا إنه انصرف عن جميع نواحى الشعر  إلى ناحية الغزل، وقلما نجد بين الشعراء فى مختلف العصور  - والعصر العباسى خاصة - رجلا مثله انصرف عن أمور  دنياه بتصوير عواطفه بأبدع الألوان، وتفصيل ما انطوت عليه  نفسه الرفيعة فى شعر سلس بليغ يستهوى القلوب، ويأخذ  بمجامع الألباب، وآثاره تكاد أن تنطق بأنه أحرز سبق  المتقدمين والمتأخرين فى هذا المضمار. وقد شهد له بذلك أكثر

المؤرخين والمفكرين، ومنهم الجاحظ. وقد قال:   (لولا أن  العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاماً  وخاطراً ما قدر أن يكثر فى مذهب واحد من الشعر لا يجاوزه،  لأنه لا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعراً لزم فنا  واحدا لزومه فأحسن وأجاد. . .)

وقدمه   (المبرد)  فى كتاب   (الروضة)  على نظرائه، وأطنب  فى وصفه، ومما قاله: (كان العباس من الظرفاء ولم يكن  من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاجراً، وكان ظاهر النعمة شديد التظرف وذلك بين فى شعره، وكان حلواً مقبولاً غزير  الفكر واسع الكلام) وها هو ذا يستأذن أحبابه بالزيارة فيقول:

أتأذنون لصبّ فى زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر

لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عفّ الضمير ولكن فاسق النظر

ويسترسل العباس فى ظرفه بعد أن يشيع حبه وشغفه  بفوز، وقد مرت به  (سائلة)  فقال:

ألم تر أن سائلة أتتنى ... فقالت وهى فى طلس بوالي

ألا صدق عليّى بحق (فوز)   ... فقلت لها خذى روحى ومالى

وتكتب إليه (فتاة)  أن يصلها فيقول:

فقلت لها إليك هواك عنى ... فأنى عن هواك لذو انشغال

ومالى توبة إن خنت فوزا ... ولم تكن الخيانة من خصالي

إذا ذكر النساء بكل حال ... فهنّ لها الفدا فى كل حال

وكان بينه وبينها مواعيد ورسائل ولقاء، وقد كانت تحدث  بينهما بغضاء أحب إلى النفس من الصفاء، وقد شرح كل ذلك  فى شعره، فديوانه مرآة تنعكس عليها نفسيته الرفيعة،  وأحاسيسه المرهفة فيما يقع بينهما من حوادث ومغامرات، فهو  شاعر محزون فى حالتى الرضا والجفاء. فلنستمع إلى قوله:

أبكى إذا سخطت حتى إذا رضيت ... بكيت عند الرضا خوفاً من الغضب

أنوب من سخطها خوفا إذا سخطت ... فإن سخطتُ تمادت ثم لم تتب

وهو الذى يقول:

سأهجر إلفى وهجراننا ... إذا ما التقينا صدود الخدود

كلانا محبّ ولكننا ... ندافع عن حبنا بالصدود

وابن الأحنف كلف بتسجيل حوادثه فى شعره، وإنى  لأحسب ديوان شعره خير تاريخ له يستمد منه الباحث حياته  التى كان يحياها، فمن ذلك ما كان يعترض حبه من مقاومة  أهله وأهل  (فوز) وفى ذلك يقول:

إلى الله أشكو أن فوزا بخيلة ... تعذبنى بالوعد منها وبالمطل

وأنى أرى أهلى جميعاً وأهلها ... يسرُّهم لو بأن حبلك من حبلي

فيا رب لا تشمت بنا حاسداً لنا ... نراقبه من أهل فوز ولا أهلى

وأما حوادثه مع بعض النسوة اللاتى كن يضايقنه وما لهن  غرض غير تعذيبه فكثيرة جدا وظريفة إلى حد بعيد، وربما  بلغ به الوجد فى بعض الأحايين أن يستعدى عليها أهلها، وما عرفنا شاعراً صنع قبله ذلك ولا قال:

أيا أهل فوز ألا تسمعون ألا ... تنظرون إلى ما لقينا؟!

ألا تعجبون لفوز التي؟! ... تميل وتصغى إلى الكاشحينا

قد عجب الناس من أمرنا ... وأنساهم قصص الأولينا

وصرنا حديثا لمن بعدنا ... يحدث عنه القرون القرونا

وقوله هذا يذكرنى ببعض أبيات لشاعر شاب جنّ فى هواه  فأسموه   (مجنون بهية)  أذكر منها:

شكتنى بالأمس إلى أمها ... ما أعظم الخطب وما أسهله!

يا أمها لا تسمعى قولها ... فحبها للقلب قد زلزله

كونى شفيعى فى الهوى عندها ... فأنت لى سيدة مفضله

ولعل هذا الشاب المسكين - وقد قرأت شعره كله -

قد ارتبط بما ارتبط به شاعرنا من حوادث وآلام، فإنى قد  رأيت فى شعره صوراً من صور العباس بن الأحنف، ولو كنت  ممن يؤمنون بتناسخ الأرواح لم أشك فى أن روح إبن الأحنف  قد حلت فى هذا الشاب المسكين. أقول هذا لأضرب مثلا على  أن الكثيرين من الذين صدقوا فى هواهم قد اتصلوا اتصالاً  مباشراً بروح شاعرنا الظريفة دون هذا الشاعر حوادثه فى شعره إلى جانب تصوير عواطفه

فأصبح ديوانه مجموعة فريدة من أخبار ظريفة محببة إلى النفس  وعواطف صادقة لم تشبها شائبة من التكلف والصنعة، فأى  لوعة أصدق من هذه اللوعة؟!

أتذهب نفسى لم أقل منك نائلاً ... ولم أتعلل منك يوماً بموعد؟!

فإن جاء منى بعض ما تكرهينه ... فعن خطأ والله لا عن تعمّد

وقوله:

صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهى تحترق

وأكثر فى شعره شكواه من تأخير كتب   (فوز)  والرد  على رسائله، وله فى ذلك مذهب لطيف يفيض رقة وجمالا:

أيا من لا يجيب إذا كتبنا ... ولا هو يبتدينا بالكتاب

أما فى حق حرمتنا لديكم ... وحق إخائنا رد الجواب؟!

وقوله فى قصيدة ثانية:

وكنت إذا كتبت إليك أشكو ... ظلمت وقلت ليس له جواب!

فعشت أقوت نفسى بالأمانى ... أقول لكل جامحة غياب

وأن الود ليس بكاد يبقى ... إذا كثر التجنى والعتاب

خفضت لمن يلوذ بكم جناحى ... وتلقونى كأنكم غضاب

وللمؤرخين وسائر أئمة الأدب العربى القديم آراء حسنة  فى هذا الشاعر المجيد، فقد سئل   (الأصمعي)  عن أحسن ما يحفظ للمحدثين فقال. قول العباس بن الأحنف:

لو كنت عاتبة لسكن روعتى ... أملى رضاك وزرت غير مراقب

لكن مللت فلم تكن لى حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب

وكان     (الواثق)   يتمثل بقوله:

عدل من الله أبكانى وأضحكا ... فالحمد لله عدل كل ما صنعا

وقال   (احمد بن إبراهيم)  رأيت   (سلمة بن عاصم)  ومعه  شعر العباس وقلت: مثلك - أعزك الله - يحمل هذا فقال  ألا أحمل شعر الذى يقول:

أسأت إذ أحسنت ظنى بكم ... والحزم سوء الظن بالناس

يقلقنى الشوق فآتيكم ... والقلب مملوء من اليأس

وقال (الواثق) ذات يوم لجلسائه: أريد أن أصنع شعرا  معناه أن الإنسان كائن من كان لا يستطيع الاحتراس من

عدوه فهل تعرفون؟ فأنشدوه ضروبا من الشعر فقال: ما جئتم  بشىء مثل قول العباس:

قلبى إلى ما ضرنى داعى ... يكثر أسقامى وأوجاعى

كيف احتراسى من عدوى إذا ... كان عدوى بين أضلاعى

وقال   (ابن المعتز) : لو قيل لى ما أحسن شيء تعرفه لقلت  قول العباس إذ يقول:

قد سحّب الناس أذيال الظنون بنا ... وقسم الناس فينا قولهم فرقا

فكاذب قد رمى بالحب غيركم ... وصادق ليس يدرى إنه صدقا

وكان (الرشيد)   يعجب بشعره ويستأنس لحديثه، وصادف  مرة أن خرج إلى (خراسان)  فأمر بخروج العباس فى موكب  الخلافة، وطال مقامه فى خراسان وشخص منها إلى (أرمينيا)   والعباس معه، فهزه الشوق إلى (بغداد) وطن صبواته،  فاعترض أمير المؤمنين وأنشده:

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا

ما أقدر الله أن يدنى - على شحط -

سكان   (دجلة)  من سكان   (جيحانا) ؟!

ليت الذى نتمنى عند خلوتنا ... إذا خلا خلوة يوماً تمنانا؟

فأذن له (الرشيد)   بالرجوع

ومات العباس بن الأحنف، وإبراهيم الموصلي، والكسائى  فى يوم واحد. فرفع ذلك إلى الرشيد فأذن للمأمون أن يصلى  عليهم بالناس فبدأ بالصلاة على العباس ولما انتهت مراسيم الدفن  تقدم من المأمون أحد رجال حاشيته واستخبره عن سبب ذلك.  فقال المأمون: كيف لا أبدأ بالصلاة عليه وهو الذى يقول:

سمّاك لى قوم وقالوا إنها ... لهى التى تشقى بها وتكابد

فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم ... إنى ليعجبنى المحب الجاحد

وكانت وفاته سنة   (١٩٢هـ)  وكان له من العمر   (٦٠)  سنة

ودفن فى بغداد. (بغداد)

اشترك في نشرتنا البريدية