كان الرومان في قديم الزمان يقسمون الناس إلي احرار وعبيد ، وكانوا يسخرون العبيد في كل شئ ، ويضربونهم ويعذبونهم ، ويرسلونهم من " روما " إلى شمال " افريقية " ليقوموا بخدمة الآسياد الرومان هناك . وكان اندرو واحدا من هؤلاء العبيد ، أخذه سيده الي افريقية ، وعذبه عذابا شديدا حتى لم يعد يستطيع الصبر على هذه الحالة ، فعزم على الفرار إلي شاطيء البحر لعله يعثر على سفينة او قارب صغير ، فيعبر البحر ويعود إلي بلده " روما " .
انتظر " أندرو " إلي فصل الشتاء ، حيث الليل طويل والظلام شديد ، وفي ليلة من تلك الليالي الحالكة خرج من بيت سيده خفية ، وتسلل إلى خارج المدينة ، وظل طول الليل سائرا على رجليه ، يمشى مرة ، ويجري اخرى . وهو يظن نفسه متجها إلى شاطئ البحر . فلما أصبح الصباح وجد نفسه في جوف الصحراء ، لا يعلم أين هو ، ولا يجد صاحبا ولا رفيقا . ولعا أدركه التعب ، وحل به الجوع والعطش ، نظر فرأي على بعد مغارة في الجبل فقصد إليها ودخل فيها ليستريح ؛ ثم اضطجع على الأرض وغلبه النوم فنام طويلا ، وحلم أحلاما منزعجة مختلطة : رأي كأنه على قمة جبل وقد زلقت رجله فهوي في الفضاء وسقط على قارب صغير في وسط بحر عظيم هائج الأمواج ليس له ساحل ، ثم تحطم القارب ووقع هو في الماء ، وأخذت الأمواج تلعب به، صاعدة ونازلة ، وصاخبة ومصفقة ، حتى القت به على سطح جزيرة فاحلة
فأحاطت به الأسود والحيات والوحوش المفترسة ، تنظر إليه نظرات الوعيد والتهديد .
وبينما هو في هذه الاحلام ايقظه صوت هائل مخيف دوي فملا الفضاء ، فنهض " اندرو واقفا ونظر فرأي إسدا عظيما علي باب المغارة كأنه قطعة من الجبل وقعت فسدت الباب . غلب الخوف على " اندرو وشل حركاته فلم يستطع ان يعمل شيئا ، فوقف مسمرا في مكانه ينتظر ان يهجم عليه الأسد ويقضي على حياته بخبطة واحدة من مخلبه الفظيع ، ولكن الاسد لم يتحرك ، بل وقف ، يئن كما يئن الشخص المريض ، ويلحس احد مخالبه ، والدم يسهل من ذلك المخلب . عند ذلك هدا " اندرو قليلا ، وأدرك أن الأسد المسكين في غاية الألم ، فنسي هو ما عنده من خوف ، وتقدم نحو الأسد فرفع إليه الأسد مخلبه ، كأنه يطلب منه المساعدة
ونظر العبد فرأي شوكة كبيرة في مخلب الأسد قد غاصت فيه وتمكنت منه ، فجذبها بقوة ، ومسح الدم ، وأخذ يدلك الجرح برفق حتي شعر الأسد بشيء من الراحة ، فنظر إلي " اندرو" نظرة الشكر والامتنان ، ثم خرج من الغارة يعرج ، وعاد بعد قليل يحمل في فمه أرنبا بريا ميتا ، ووضعه امام العبد ، فأخذه هذا وشواه واكله ، وبعد ان فرغ من الاكل قاده الأسد إلى مكان تحت الصخور فيه ماء يندفع من الرمل كانه نافورة ، فشرب منه وروي عطشه .
عاش العبد والأسد على ذلك ثلاث سنين ، يخرجان
معا للصيد اثناء النهار ، حتى إذا جاء الليل رجعا إلى المغارة فناما فيها ، وكان الأسد كل ليلة يأخذ مكانه تحت اقدام " اندرو" ويبقي ساهرا مدة يحرك ذيله احيانا كما تفعل القطة الهادئة الراضية تحت أقدام صاحبها .
ولكن " أندرو " بدأ يسأم حياة الصحراء ، ويحن إلي رؤية الناس ومعاشرتهم ، فترك المغارة وسار يتلمس طريقا يوصله إلي شاطئ البحر ، ولم يسر طويلا حتى عثر عليه الجنود وساقوه إلى " روما " ليلقي جزاءه على هروبه من سيده .
وكان الرومان شديدي القسوة على العبيد الهاربين ، فكانوا يأخذون الواحد منهم إلى ميدان المدينة في يوم عطلة عامة ، وهناك يطلقون عليه الوحوش المفترسة ، فتمزق جسمه وتقتله شر قتلة . وهكذا أخذ " أندرو " المسكين إلي الملعب ، واجتمع الناس ليتفرجوا ويشهدوا ذلك النظر المؤلم ، وحضر امبراطور " روما " في موكبه الحافل ، وجلس على كرسي عال يشرف على اليدان ، وجلس من حوله شيوخ المدينة ، وقاد الجنود العبد إلى الساحة ، واعطوه حربة طويلة ليدافع بها عن نفسه - إن قدر - ضد اسد عظيم قد جوعوه أياما حتى اصبح شديد الفتك والافتراس ، ثم أطلقوا ذلك الأسد المخيف من
قفصه ، فاندفع نحو العبد يريد أن ينقض عليه فيجهز على حياته في أقل من طرفة عين ، وزار زئيرا هائلا كانه صوت الرعد هز اركان المكان ، فارتعشت اقدام العبد واضطربت الحربة في يده من الخوف ، واعتقد أنه لا بد هالك . ولكن الأسد - بدل أن ينقض على فريسته - توقف لحظة ، ونظر إلي العبد نظرة دهش واستغراب ، ثم مشي نحوه ببطء ، وأخذ يحرك ذيله حتى وصل إليه ، فشرع يلحس يديه ورجليه في رفق وحنان . ونظر " اندرو " إلي الأسد فإذا هو رفيقه القديمم الذي عاش معه في الصحراء ثلاث سنين ، فانحني العبد عليه ، ومسح على رأسه بيديه ، وأخذ يبكى بكاء طويلا .
دهش المتفرجون لهذا المنظر وتملكهم العجب ، وأرسل الإمبراطور في طلب العبد ليسأله عن شرح هذا الفصل العجيب ، فأخبره العبد بقصته وبكل ما جرى له : فسر الامبراطور وأعتق العبد ، وأصبح " أندرو " حرا مالكا لنفسه ، وكان الناس بعد ذلك يرونه ماشيا في شوارع " روما " ومن خلفه الاسد المخلص يتبعه كما يتبع الكلب الآليف صاحبه في غدواته وروحاته .

