الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الثقافة"

العبرة بالخواتيم

Share

كنتم في عددكم الأول مقالا عن صراع الدكتاتورية والديمقراطية قلتم فيه إن الدكتاتورية أحرزت في مؤتمر ميونيخ ظفرا عظيما لم تكن تعلم به ، وأصيبت الديمقراطية بهزيمة شنيعة بل بكارثة حقة يبلون لها أبعد الأثار . وفي سير الحوادث ما يدل حقيقة على أن يوم ميونيخ كان يوما عصيبا علي الديموقراطية ، وكان يوما حاسما في سير ذلك الصراع الهائل الذي يضطرم بينها وبين الدكتاتورية ..."

وفي زميلتكم الرسالة كتب الدكتور يوسف هيكل يقول إنه " في ميونيخ هزمت الديقراطية آلم انهزام ، وانتصرت الدكتاتورية أعظم انتصار فخسرت فرنسا

وبريطانيا نفوذهما السياسي ، وتضعضع من مركزهما الدولي ، وانتقلت السيادة الأوربية في هذه الأيام على الأقل من يدهما إلي يدي الهر هتلر والسنيور موسوليلى ...))

في الأخطاء ما يهما به وهذا الخطأ منها . لأنه خطأ شائع على أفواه كثير من المتحدثين وعلي أقلام كثير من الكتاب ، يتساوي فيه الشرقيون والغربيون وأبناء الأمم الديمقراطية وأبناء الأمم الدكتاتورية ، فإذا شاء الإنسان أن يخطيء خطأ كثير المؤيدين والموافقين فليكن مثل هذا الخطأ المأمون ، ولو إلي بضع سنين !

ولكن هل من الحق أن مسألة " السوديت " كانت مسألة صراع بين الدكتاتورية والديمقراطية ؟

هل كان مذهب الحكم محور النزاع بين هتلر وشمبرلين أو بين هتلر ودلادييه ؟ كلا ولا ريب .

إنما كان محور الخلاف الاستيلاء على أرض السوديت المجاورة لبلاد الألمان . فلو كانت فرنسا موضع ألمانيا لنجحت مثل هذا النجاح ، ولو كانت المانيا موضع فرنسا لفشلت مثل هذا الفشل . فالمسألة هنا مسألة الموقع لامسالة المذهب الذي يجري عليه الحكم في بلاد هؤلاء أو هؤلاء . وتوكيدا لهذا الرأي نقول : لم لم تهجم ألمانيا على البلجيك أو هولندة ، ولا نقول على الاتزاس واللورين ، في سبيل المطالبة بالمستعمرات ؟؟

إذا كانت المسألة مسألة الموازنة بين قوة الحكومات المطلقة وقوة الحكومات الديمقراطية ، فهذا هو سبيل الترجيح بين القوتين .

لماذا لم تهجم ألمانيا غربا للمطالبة بمستعمراتها الضائعة التي استولت عليها الأمم الغريبة ولا تزال تستولي عليها ؟؟

إذا كان الدكتاتوريون أقوي من الديمقراطيين فلماذا لا يأخذون مستعمراتهم عنوة بتهديد من هذا القبيل ؟؟

إنهم لا يحجمون زهدا ولا توقيرا للمعاهدات ، وإنهم ليحتاجون أشد الحاجة إلي المستعمرات التي في أيدي الدول الديمقراطية الكبرى أو الصغري .

فإذا أحجموا فانما يحجمون لسبب واحد لا يتأتي أن يخترع العقل الانساني سببا غيره في النهاية ، وذلك أنهم أضعف من الديمقراطيين ، وأنهم يجتنبون النزاع الذي يستحق عند بريطانيا العظمي وفرنسا والولايات المتحدة أن تخوض من أجله الحرب وتنقض من أجله السلام .

فليس مقياس القوة لقمة من الخبز يحتاج إليها الرجل الفقير فيتركها الرجل الغني لأنه آمن على مائدته في بيته ، بل مقياس القوة أن مهجم ذلك الفقير على خزانة ذلك الغني ثم ينظر ماذا هو فاعل وماذا هم فاعلون به ؟!

أما إذا اختطف اللقمة التي لا حاجة بالغني إليها فليس من الحق أن نسمى ذلك انتصارا للفقر على الغني وللجوع على الشبع وللحاجة على الاستغناء .

هذه "قبرص" مثلا ، فلتتفضل دولة من الدول المطلقة أن تسوق إليها بارحة واحدة مساق التهديد والانذار إن كانت القوة في جانبها كما يعتقد بعض الكاتبين .

وهذه تونس ، وهذه كورسيكا ، وهذه بقاع الأرض في كل مكان ، فلماذا يعف عنها الدكتاتورون ويجتنبوها في المطالب الرسمية والوسائل الارهابية إن كانوا قادرين ؟؟

كلا . بل هم لا يقدرون ، ولن يجازفوا بالحرب من أجل سبب من هذه الأسباب إلا أن يكون ذلك بأس المستميت ساعة أن تحين الساعة الحاسمة ، ويوم أن يحيق اليوم الأخير .

وهل حق ما قاله الدكتور يوسف هيكل حين قال إن فرنسا وبريطانيا خسرتا نفوذهما بعد مؤتمر ميونيخ ؟ وإن مركزهما الدولي تضعضع ، وإن السيادة الأوربية انتقلت من أيديهما إلي أيدي هتلر وموسوليني في هذه الأيام ؟ !

الحق فيما نقرره وتقرره الحوادث معنا على نقيض ذلك : الحق أن الولايات المتحدة دخلت في الميدان بعد مؤتمر ميونيخ إلي جانب الانجليز والفرنسيين ، وذلك قوة بحسب لها الحساب الأول في ميزان السياسة العالمية .

والحق أن يولونيا انحرفت عن الألمان إلي جانب الروس والفرنسيين .

والحق أن رومانيا تخلصت بعد ميونيخ من "كودرانو" وأصحابه، وهم حزب هتلر في الأمة الرومانية.

والحق أن حكومة دلاديه انتصرت على خصومها من الأحزاب الفرنسية بعد ذلك المؤتمر ، وأنها ظفرت من أملا كها في البحر الأبيض المتوسط بولاء لم تكن تطمع فيه قبل ذاك .

والحق أن أمم الشمال تتوجس اليوم من كل نجاح ينال الدكتاتورون ، ولا تتمني لهم إلا الخيبة والإخفاق .

هذا هو الحق من نتائج المؤتمر المزعوم ، وسنري بعد اليوم من نتائجه أنه كان الناقوس الذي سينعي الدكتاتورية إلي العالمين ، إن كان ينعي شيئا من الأشياء .

وأكاد اقول إن حربا من الحروب في الدنيا قديمها وحديثها ، ثم تنشب بين أمة مقيدة وأمة حرة ، إلا كان النصر فيها للأحرار على المقيدين .

ولا يجزئنا في هذا أن نعود إلى الحرب العظمى وترى كيف كانت الهزيمة للحكومات الدكتاتورية من الجانبين، حتى جانب الحلفاء المنتصرين .

ولا يجزئنا في هذا أن نعود إلي حرب نابليون والانجليز وهو أكبر القواد ومعه حلفاء كثيرون من ملوك الأوربيين .

بل تعود إلي اليونان وهم يهزمون الفرس ، وإلي العرب وهم يهزمون الرومان ، وإلي الرومان وهم يهزمون القارة الحديثة ، وإلي الانجليز وهم يهزمون الأسبان .

بل نعود إلي تيمورلنك وهو يحارب بأناس متطوعين راغبين في القتال ، أناسا فقدوا الحرية وسيقوا راغمين إلي الدفاع أو الهجوم .

فالعالم كله لا يعرض لنا في تاريخه انتصارا واحدا إلا

كان في حقيقته انتصارا لنوع من الديمقراطية على نوع من الدكتاتورية ، ولعل عبرة العبر في هذا الباب إن هتلر وموسوليني لم يحسرا حتى اليوم على إلغاء مجلس النواب ولا قوانين الانتخاب ، لأنهما يعلمان أن الدكتاتورية بغير شفاعة من الديمقراطية لن تعيش في هذا الزمان ولو إلي حين .

إن المقياس الصحيح لمذهب من مذاهب الحكم هو سلامة العالم على يديه او سلامة الأمة التي تحتمي به في وجه العالم .

فأي هذين الأمرين يحكم للدكتاتورية بالفلاح فيما نراه من الحاضر أو نتوقعه من المستقبل القريب ؟

أما سلامة العالم فحسبنا من مصائب الدكتاتورية أنها استنزفت ثروة الشعوب كلها وجهود العاملين كلهم في التسليح والتجنيد . فهذه الملايين - بل ملايين الملايين- التي ينفقها الأدميون كل عام على النار والحديد أثر من آثار الدكتاتورية لا يغتبط به إنسان .

وأما سلامة الأمم فلا تخال أحدا بزعم أن الأمن على مسير ألمانيا وإيطاليا أعظم وأضمن من الأمن على مصير بريطانيا العظمي وفرضا والولايات المتحدة ، ولو نشب القتال غدا ولا نقول بعد سنوات قصار أو طوال .

وزد على هذا نعمة الأمن على الحياة والأمن على الحرية ، وعما نعمتان لا يرخصان في نظر أحد إلا أن تكون حياته وحريته من سقط المتاع .

وعندنا أن شيوع التقريظ للدكتاتورية في الآونة الحاضرة إنما يجيء من غلبة العدد على الصفة ، أو من غلبة السواد علي ذوي الرأي ، أو من وجود أناس كثيرين في الأمم لا يعنيهم أن يفقدوا حرية التفكير لأنهم لا يملكون

التفكير نفسه حتى يأسوا على ضياع الحرية فيه ، ولا يعنيهم أن يفقدوا الكرامة لأنهم لم يجدوها قبل أن يفقدوها ، ولا يعنيهم أن يدرسوا ولا أن يبحثوا ولا أن يقابلوا بين السيئات والحسنات ، ولا بين البدايات والعواقب ، كما يعنيهم الزعيق والتهليل والسير في المواكب والضرب والعدوان وإطلاق الغرائز الهمجية بغير عنان .

وأجهل الجهل أن تسمع هنا فى مصر شباناً يدينون لهتلر ويطلبون سيادة الشباب من أجل ذلك ، وهم لم يقرأوا شيئاً لهتلر ولا عرفوا رأيه فى السيادة السياسية ، وإلا لعرفوا أنه يحظر فى كتابه أن يشتغل بالرأى السياسى رجل لم يبلغ الثلاثين .

فالحكاية (( هيصة )) لا موجب فيها عند هؤلاء  الأغرار للبحث ولا للنظر في العواقب ، أو هى حكم على ميدان السياسة كالحكم على ميدان الحسينية وشجار الزفات والأعراس ، ولتخرب بعد ذلك الدنيا ولتهدر الدماء ولتبطل الحرمات ، فإن عطف هؤلاء وأشباههم فى جانب المشتتين للزفة (( بالعافية )) لا فى جانب العريس والعروس والمحتفلين ، ونظام المجتمع وهناءة البيوت .

لقد ظهرت النازية فى ألمانيا لأسباب خاصة بها فى تاريخها البعيد وتاريخها القريب .

فنظام الفروسية والاقطاع والولايات المتفرقة كانت له الغلبة على الحكم الألمانى إلى ما قبل سنين معدودة ، ثم بلغت قداسة الحكومة عندهم أوجها بعد أن تعلقت آمال المفكرين والفلاسفة والدعاة بينهم بحكومة عليا تجمع سائر الحكومات فى دولة واحدة ، ثم تمكنت هذه النزعة بما كان ولا يزال من التمكين عندهم للجيش ورئاسة القواد والضباط ، ثم جاءت الهزيمة فى الحرب العظمى فأحيت

ما تقدم وما تأخر فيهم من عادات الطاعة والخضوع والتحفز والإنتقام .

فالدكتاتورية حالة خاصة فى أمم خاصة لها تاريخ خاص ومطلب خاص ، لامشابهة بينها وبين الأمم الأخرى فى شئ من ذلك ، ولا موضع للمقابلة بين فضائل الدكتاتورية وفضائل الديمقراطية على النحو الذى يتردد فى بعض الآراء .

وللديمقراطية عيوبها ولا خلاف . ولكن أين هو العمل الإنسانى المعصوم من العيوب ؟ أليس من مزايا الديمقراطية أنك تتحدث فى ظلها عن عيوبها ؟ فمن ذا الذى يتحدث عن عيوب النازية فى ألمانيا أو عيوب الفاشية فى إيطاليا أو عيوب الشيوعية فى الجمهوريات الروسية ؟ و كيف تتقى عيوب لا تجسر على الإشارة إليها وأنت تراها ؟ و كيف تنقذ أمم من عواقبها الجائحة إلا بعد أن تهوى بها فى الهاوية ؟

إنما العبرة بالخواتيم ، وإنما الدكتاتورية حالة عارضة لأسباب عارضة ، كحالة الجواد الذى تحقنه بالسموم قبل ساعة السباق ليسبق فى شوطه ثم يموت .... أما الديمقراطية فهى قرينة الإنسانية فى الارتقاء من الجهل إلى المعرفة ، ومن الخضوع الأعمى إلى الحرية الرشيدة ، ومن الفرد الذى لا قيمة له فى القبيلة إلى الفرد الذى له القيمة الكبرى فى الحياة ، وحسبها فخراً وشهادة أن العالم قد ارتقى فى ظلالها خلال قرن واحد ما لم يكتب له ارتقاؤه فى مئات القرون ، فمن قال إنها ذات عيوب وسيئات ، فمن ذا الذى قال إن الإنسانية تنتهى اليوم ولا تطرد فى نهج التقدم والارتقاء ؟؟ خير لنا أن ننتظر صلاحها من أن نهدمها وهى أنفس ماربحناه من الحضارة ، لأن الحضارة قائمة على حماية الروح وحماية الفكر ، ولا أمان على هذين فى حكم الاستبداد .

اشترك في نشرتنا البريدية