الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 256 الرجوع إلى "الثقافة"

العبرة بالساعد لا بالسيف

Share

أقرأ فى صحفنا بين حين وآخر أن الوزير الفلانى عزم على أن يطلب إلى الممالك المجاورة أن ترسل إليه نسخا من قوانينها ، وأن الوزير الفلانى قرر أن ينظر فى تعديل برامج المدارس ، وغير ذلك من الأخبار التى إذا دلت على شىء فإنها تدل على أنا نعتقد الاعتقاد كله أن الإصلاح إنما يكون فى القوانين وحدها ، أو فى البرامج وحدها ، فلا نهتم بإصلاح القضاة الذين ينفذون أحكام هذه القوانين ، أو الأساتيذ الذين يدرسون مواد هذه البرامج اهتمامنا بإصلاح القوانين والبرامج ، إنا نعتقد أن برامجنا إذا كانت مقتبسة عن برامج الدول الأجنبية فإن هذا الاقتباس وحده يرفعنا إلى منازل هذه الأمم ، أو أن قوانيننا إذا كانت مستنبطة من قوانين الأجانب فإن هذا الاستنباط وحده يبسط العدل فى أفيائنا !

وقد ذكرتنى هذه الأخبار التى أطالعها فى صحفنا خبرا قرأته فى كتب أدبنا ، قال العشى : بعث عمر بن الخطاب إلى عمرو بن معديكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصمصامة ، فبعث به إليه ، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه ؛ فكتب إليه فى ذلك ، فرد عليه إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث بالساعد الذى بضرب به !

فالقوانين التى نسعى فى الحصول عليها تشبه سيف عمرو ابن معديكرب ، والرجال الذين ينفذون أحكام هذه القوانين يشبهون ساعد عمرو الذي يضرب به ؛ فماذا نقول غدا إذا أرسلت الممالك المجاورة قوانينها إلينا ، ونفذ قضاتنا أحكامها فوجدناها دون ما كان يبلغنا عنها ؟! فالمهم فى مثل هذه الأمور القضاة أنفسهم ، لا القضاء وحده .

أذكر أنى فى سنة ١٩٢٦ شكوت إلى محكمة يافا جماعة بينى وبينهم مشاكل مالية ، وكان قوام المحكمة

رئيسا انجليزيا وعضوا مسلما وعضوا يهوديا ، وكان الجماعة الذين حاكمتهم على شىء من الأمر النافذ ، فقد استطاعوا أن يتوسطوا فى جعل الجلسة الأولى يوم الأحد ، أى فى اليوم الذى يغيب فيه الرئيس الانجليزى عن المحكمة ، وقد أدركت الأمر وفهمت سر هذه الوساطة ؛ فأشار على بعض القوم أن أراجع الرئيس فى هذا الشأن ، فترددت فى بدء الأمر لعلمى بأن القضاة الإنجليز لا يحبون أمثال هذه المراجعات ، ثم عزمت على مواجهة الرئيس كيف كان الأمر ، فزرته فى فندقه قبل الجلسة بثلاثة أيام ، دامت الزيارة بضع دقائق ، سألنى عن حاجتى ، قلت له : إن لى قضية فى محكمتكم وقضاتنا تعودوا من سنين بعيدة الانقياد إلى بعض الوساطات ، فلست ألتمس منكم إلا أمرا واحدا ، هل فى استطاعتكم أن تحضروا الجلسة يوم الأحد ؟ فسكت قليلا ، ثم ابتسم ، ودل ابتسامه على فهم ما أريد ، ثم قال : ستصدر الأوامر اللازمة . فرأى فى وجهى بعض الارتياح ، فأضاف إلى كلامه ؛ سأحضر الجلسة بنفسى يوم الأحد ، وهذه أول مرة يحضر فيها قاض إنجليزى المحكمة يوم الأحد ، فشكرت له ، واستأذنته فى الانصراف . وبعد ثلاثة أيام عقدت الجلسة ، وإذا بالرئيس يشهدها ، ولم يشهد غيرها . وبعد أن سمع كلام وكيلى وكلام وكيل خصومى قال للأخير : اليوم الأحد ، فإذا انقضى عليه ثلاثة أيام ولم يدفع المال الذى يطلبه خصمكم ، فإنى أعلن الإفلاس ، وأنفذ ما يستلزمه هذا الإفلاس ، وختم الجلسة وانصرف من المحكمة !

ولما انقضت الأيام الثلاثة دفع إلى المال وانتهت المحاكمة . إنى اختصرت قصة هذه القضية ، وحافظت على روحها ، فإن قضية مثل هذه القضية إذا عرضت على محاكمنا فقد يمضى عليها سنتان أو أكثر دون أن تصل فيها إلى نتيجة من النتائج ؛ وليس العيب فى ذلك عيب قضائنا ، وإنما العيب إنما هو عيب رجال القضاء أنفسهم ،

فبعضهم قد تؤثر فيه الوساطة ، وبعضهم قد تستفزه الأهواء ، وآخرون يحتاجون إلى الجرأة ، وآخرون يحتاجون إلى الفهم . فماذا تنفعنا مثلا قوانين فلسطين إذا بعثوا إلينا بهذه القوانين ولم يبعثوا إلينا بأخلاق تشبه أخلاق الذين ينفذونها ، فلا نجد فى القوانين إلا ما وجده عمر بن الخطاب فى سيف عمرو بن معد يكرب !

وما يقال فى القوانين يقال فى البرامج ، فإن وزراء المعارف ينظرون فى تعديل البرامج من ثلاث وعشرين سنة وإذا استطعنا فى خلال هذه المدة أن نحسن أساليب التدريس بعض الشئ ، فلم نستطع أن نحسن أخلاقنا ، والسبب فى ذلك يرجع إلى أساتيذنا لا إلى برامجنا . أذكر أنى قرأت ؛ روح التربية ، لصاحبه الدكتور (( جستاف لوبون )) ؛ نقد الدكتور وزراء المعارف الذين ينظرون فى تعديل البرامج بين وقت وآخر ، وكان نقده منطويا على كثير من الحقائق ، وقد قال فى بعض نقده ما معناه : ليست المسألة مسئلة تعديل البرامج ، إنما المسألة مسئلة تعديل روح الأساتيذ ، فإذا لم نغير أخلاق الأساتيذ فلا فائدة لنا فى تغيير مواد البرامج !

فماذا تنفعنا تقوية النزعة القومية فى برامجنا إذا كان بعض الذين يدرسون مواد هذه البرامج أو يشرفون على تدريسها لا يفقهون معنى هذه القومية ، أو ماذا تنفعنا تنمية روح الاستقلال إذا كان الذين يتولون تنمية هذه الروح لم تذق أخلاقهم لذة الحرية ولم تفهم مداركهم معنى الاستقلال !

قد تكون نيات الذين يحاولون استصلاح القضاء أو المعارف حسنة ، ولا شك فى ذلك ، ولكن المسالك التى يسلكونها فى هذا الاستصلاح لا تؤدى إلى العواقب المحمودة ، لأن السر فى ذلك كما قلت إنما هو فى أخلاق القضاة والأساتيذ أنفسهم لا فى القوانين وحدها ، ولا فى البرامج وحدها ؛ وهذه أمور تكاد تكون من بدائه الأمور . وليس معنى هذا أن اقتباس بعض القوانين أو بعض

البرامج لا ينفعنا فى شئ . فقد تكون كثيرة من قوانيننا وبرامجنا مفتقرة إلى الإصلاح ، ولكن افتقار قضاتنا وأساتيذنا إلى مثل هذا الإصلاح إنما هو أشد ، فإذا لم يدرك الذين يتولون مقاليد القضاء أو المعارف هذه الحقيقة فلا يكون عملهم عملا ، ولا تصل مجهوداتهم إلى نتيجة حسنة !

ماذا كانت قوانيننا وماذا كانت برامجنا لما ولد الإسلام وفتح من الدنيا ما فتح ؟ أظن أن رجالنا فى تلك الأيام لم يعرفوا إلا قانونا واحدا وهو كتاب الله عز وجل أو سنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وأظن أن برنامج كتاتيبهم لم يشتمل إلا على مادة واحدة وهى تعليم الأميين ، فكيف بلغ بهم هذا القانون وهذا البرنامج أن فتحوا الدنيا بحذافيرها ؟! أفكانت أحكام القرآن والسنة وحدها السر فى هذا الفتح الجليل ؟ لاشك فى أنه لولا أخلاق الذين نفذوا هذه الأحكام واتبعوا هذه السنة لما فتح الإسلام من البلدان ما فتح ؛ فهذا كتاب الله عز وجل لا نزال نصوب نظرنا فيه ونصعده فى الصبح والمساء ، ولا تزال أذاننا تسمع تجويده فى كل يوم ، وهذا أقوال النبى صلى الله عليه وسلم لا نزال نحفظها ونستشهد بها ، فلماذا ملك رجالنا فى قديم الدهر ما ملكوا ولم يكن لهم من القوانين والبرامج ألا ما أشرت إليه ، ولماذا أضعنا هذه الممالك وهذه الفتوحات وقد ملأنا دور كتبنا بأحسن القوانين والبرامج فى العالم ؟ إنا لا نعجز عن الجواب عن ذلك ، لقد كانت أخلاقهم فى نشأة الإسلام غير أخلاقنا فى هذا العصر ، فتحوا الدنيا بمحاسن أخلاقهم وأضعنا فتوحاتهم بمساوئ أخلاقنا ، لم تضرهم فى عصرهم قلة قوانينهم وبساطتها ولم تنفعنا فى عصرناكثرة قوانينا وتكاملها . فإذا أدركنا هذه الحقائق الثابتة وعملنا بها فقد يجوز أن نحتفظ بما بقى لنا من ميراث الأولين إذا نحن عجزنا عن إضافة شئ إلى هذا الميراث !

( دمشق )

اشترك في نشرتنا البريدية