أقرأ فى صحفنا بين حين وآخر أن الوزير الفلانى عزم على أن يطلب إلى الممالك المجاورة أن ترسل إليه نسخا من قوانينها ، وأن الوزير الفلانى قرر أن ينظر فى تعديل برامج المدارس ، وغير ذلك من الأخبار التى إذا دلت على شىء فإنها تدل على أنا نعتقد الاعتقاد كله أن الإصلاح إنما يكون فى القوانين وحدها ، أو فى البرامج وحدها ، فلا نهتم بإصلاح القضاة الذين ينفذون أحكام هذه القوانين ، أو الأساتيذ الذين يدرسون مواد هذه البرامج اهتمامنا بإصلاح القوانين والبرامج ، إنا نعتقد أن برامجنا إذا كانت مقتبسة عن برامج الدول الأجنبية فإن هذا الاقتباس وحده يرفعنا إلى منازل هذه الأمم ، أو أن قوانيننا إذا كانت مستنبطة من قوانين الأجانب فإن هذا الاستنباط وحده يبسط العدل فى أفيائنا !
وقد ذكرتنى هذه الأخبار التى أطالعها فى صحفنا خبرا قرأته فى كتب أدبنا ، قال العشى : بعث عمر بن الخطاب إلى عمرو بن معديكرب أن يبعث إليه بسيفه المعروف بالصمصامة ، فبعث به إليه ، فلما ضرب به وجده دون ما كان يبلغه عنه ؛ فكتب إليه فى ذلك ، فرد عليه إنما بعثت إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبعث بالساعد الذى بضرب به !
فالقوانين التى نسعى فى الحصول عليها تشبه سيف عمرو ابن معديكرب ، والرجال الذين ينفذون أحكام هذه القوانين يشبهون ساعد عمرو الذي يضرب به ؛ فماذا نقول غدا إذا أرسلت الممالك المجاورة قوانينها إلينا ، ونفذ قضاتنا أحكامها فوجدناها دون ما كان يبلغنا عنها ؟! فالمهم فى مثل هذه الأمور القضاة أنفسهم ، لا القضاء وحده .
أذكر أنى فى سنة ١٩٢٦ شكوت إلى محكمة يافا جماعة بينى وبينهم مشاكل مالية ، وكان قوام المحكمة
رئيسا انجليزيا وعضوا مسلما وعضوا يهوديا ، وكان الجماعة الذين حاكمتهم على شىء من الأمر النافذ ، فقد استطاعوا أن يتوسطوا فى جعل الجلسة الأولى يوم الأحد ، أى فى اليوم الذى يغيب فيه الرئيس الانجليزى عن المحكمة ، وقد أدركت الأمر وفهمت سر هذه الوساطة ؛ فأشار على بعض القوم أن أراجع الرئيس فى هذا الشأن ، فترددت فى بدء الأمر لعلمى بأن القضاة الإنجليز لا يحبون أمثال هذه المراجعات ، ثم عزمت على مواجهة الرئيس كيف كان الأمر ، فزرته فى فندقه قبل الجلسة بثلاثة أيام ، دامت الزيارة بضع دقائق ، سألنى عن حاجتى ، قلت له : إن لى قضية فى محكمتكم وقضاتنا تعودوا من سنين بعيدة الانقياد إلى بعض الوساطات ، فلست ألتمس منكم إلا أمرا واحدا ، هل فى استطاعتكم أن تحضروا الجلسة يوم الأحد ؟ فسكت قليلا ، ثم ابتسم ، ودل ابتسامه على فهم ما أريد ، ثم قال : ستصدر الأوامر اللازمة . فرأى فى وجهى بعض الارتياح ، فأضاف إلى كلامه ؛ سأحضر الجلسة بنفسى يوم الأحد ، وهذه أول مرة يحضر فيها قاض إنجليزى المحكمة يوم الأحد ، فشكرت له ، واستأذنته فى الانصراف . وبعد ثلاثة أيام عقدت الجلسة ، وإذا بالرئيس يشهدها ، ولم يشهد غيرها . وبعد أن سمع كلام وكيلى وكلام وكيل خصومى قال للأخير : اليوم الأحد ، فإذا انقضى عليه ثلاثة أيام ولم يدفع المال الذى يطلبه خصمكم ، فإنى أعلن الإفلاس ، وأنفذ ما يستلزمه هذا الإفلاس ، وختم الجلسة وانصرف من المحكمة !
ولما انقضت الأيام الثلاثة دفع إلى المال وانتهت المحاكمة . إنى اختصرت قصة هذه القضية ، وحافظت على روحها ، فإن قضية مثل هذه القضية إذا عرضت على محاكمنا فقد يمضى عليها سنتان أو أكثر دون أن تصل فيها إلى نتيجة من النتائج ؛ وليس العيب فى ذلك عيب قضائنا ، وإنما العيب إنما هو عيب رجال القضاء أنفسهم ،
فبعضهم قد تؤثر فيه الوساطة ، وبعضهم قد تستفزه الأهواء ، وآخرون يحتاجون إلى الجرأة ، وآخرون يحتاجون إلى الفهم . فماذا تنفعنا مثلا قوانين فلسطين إذا بعثوا إلينا بهذه القوانين ولم يبعثوا إلينا بأخلاق تشبه أخلاق الذين ينفذونها ، فلا نجد فى القوانين إلا ما وجده عمر بن الخطاب فى سيف عمرو بن معد يكرب !
وما يقال فى القوانين يقال فى البرامج ، فإن وزراء المعارف ينظرون فى تعديل البرامج من ثلاث وعشرين سنة وإذا استطعنا فى خلال هذه المدة أن نحسن أساليب التدريس بعض الشئ ، فلم نستطع أن نحسن أخلاقنا ، والسبب فى ذلك يرجع إلى أساتيذنا لا إلى برامجنا . أذكر أنى قرأت ؛ روح التربية ، لصاحبه الدكتور (( جستاف لوبون )) ؛ نقد الدكتور وزراء المعارف الذين ينظرون فى تعديل البرامج بين وقت وآخر ، وكان نقده منطويا على كثير من الحقائق ، وقد قال فى بعض نقده ما معناه : ليست المسألة مسئلة تعديل البرامج ، إنما المسألة مسئلة تعديل روح الأساتيذ ، فإذا لم نغير أخلاق الأساتيذ فلا فائدة لنا فى تغيير مواد البرامج !
فماذا تنفعنا تقوية النزعة القومية فى برامجنا إذا كان بعض الذين يدرسون مواد هذه البرامج أو يشرفون على تدريسها لا يفقهون معنى هذه القومية ، أو ماذا تنفعنا تنمية روح الاستقلال إذا كان الذين يتولون تنمية هذه الروح لم تذق أخلاقهم لذة الحرية ولم تفهم مداركهم معنى الاستقلال !
قد تكون نيات الذين يحاولون استصلاح القضاء أو المعارف حسنة ، ولا شك فى ذلك ، ولكن المسالك التى يسلكونها فى هذا الاستصلاح لا تؤدى إلى العواقب المحمودة ، لأن السر فى ذلك كما قلت إنما هو فى أخلاق القضاة والأساتيذ أنفسهم لا فى القوانين وحدها ، ولا فى البرامج وحدها ؛ وهذه أمور تكاد تكون من بدائه الأمور . وليس معنى هذا أن اقتباس بعض القوانين أو بعض
البرامج لا ينفعنا فى شئ . فقد تكون كثيرة من قوانيننا وبرامجنا مفتقرة إلى الإصلاح ، ولكن افتقار قضاتنا وأساتيذنا إلى مثل هذا الإصلاح إنما هو أشد ، فإذا لم يدرك الذين يتولون مقاليد القضاء أو المعارف هذه الحقيقة فلا يكون عملهم عملا ، ولا تصل مجهوداتهم إلى نتيجة حسنة !
ماذا كانت قوانيننا وماذا كانت برامجنا لما ولد الإسلام وفتح من الدنيا ما فتح ؟ أظن أن رجالنا فى تلك الأيام لم يعرفوا إلا قانونا واحدا وهو كتاب الله عز وجل أو سنة النبى صلى الله عليه وسلم ، وأظن أن برنامج كتاتيبهم لم يشتمل إلا على مادة واحدة وهى تعليم الأميين ، فكيف بلغ بهم هذا القانون وهذا البرنامج أن فتحوا الدنيا بحذافيرها ؟! أفكانت أحكام القرآن والسنة وحدها السر فى هذا الفتح الجليل ؟ لاشك فى أنه لولا أخلاق الذين نفذوا هذه الأحكام واتبعوا هذه السنة لما فتح الإسلام من البلدان ما فتح ؛ فهذا كتاب الله عز وجل لا نزال نصوب نظرنا فيه ونصعده فى الصبح والمساء ، ولا تزال أذاننا تسمع تجويده فى كل يوم ، وهذا أقوال النبى صلى الله عليه وسلم لا نزال نحفظها ونستشهد بها ، فلماذا ملك رجالنا فى قديم الدهر ما ملكوا ولم يكن لهم من القوانين والبرامج ألا ما أشرت إليه ، ولماذا أضعنا هذه الممالك وهذه الفتوحات وقد ملأنا دور كتبنا بأحسن القوانين والبرامج فى العالم ؟ إنا لا نعجز عن الجواب عن ذلك ، لقد كانت أخلاقهم فى نشأة الإسلام غير أخلاقنا فى هذا العصر ، فتحوا الدنيا بمحاسن أخلاقهم وأضعنا فتوحاتهم بمساوئ أخلاقنا ، لم تضرهم فى عصرهم قلة قوانينهم وبساطتها ولم تنفعنا فى عصرناكثرة قوانينا وتكاملها . فإذا أدركنا هذه الحقائق الثابتة وعملنا بها فقد يجوز أن نحتفظ بما بقى لنا من ميراث الأولين إذا نحن عجزنا عن إضافة شئ إلى هذا الميراث !
( دمشق )
