الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 187 الرجوع إلى "الرسالة"

العبقرى الملعون

Share

ذهبت إلى براغ مرتين ولكنى لم أستطع لقاءه . فى المرة الأولى لم أجرؤ على التطلع إلى بيته . وفي الثانية لم أهتد إلى منزله الجديد ، فقضيت ليلة فى تلك المدينة الغريبة أسائل الناس عنه وأنا مسوق إليه سوقى إلى المصير المحتوم.

لقد كنت فى تلك الليلة متشبعاً بكلامه وأفكاره حتى أخذت أحلم أحلامه وأغنى أغانيه وأتابع تيارات تفكيره وأتمثل نفسى أحد أبطال قصصه . لم أخضع لرجل من قبل كما خضعت لذلك الرجل الغريب الذي يزداد تأثيره فىَّ يوماَ بعد يوم حتى لم أعد أفكر فى أمل الخلاص منه . كنت أعتقد أنه أعظم رجل أنجبت اوربا . ففى فنه روعة " بو " وتهاويله ، وقوة نيتشه ووحدته ،

وموسيقى شيلى وعذوبته ، والآم " دستوفسكى " ومرارته . فيه حمرة الجحيم وزرقة السماء . فيه طلاقة الطفل وعبوس الشيطان ، ولكن شيئاً آخر كان خافياً علىَّ هو عبقريته الفذة التى لم يكن يدركها او يشرف عليها إلا القليلون . ولم تكن شهرته الذائعة التى نالها في سنين قلائل إلا مجداً خالداً يشدو بذ كره . لقد رماه الناس بالكبرياء والنفور ، ولكنهم لم يدروا شيئاً عن مؤلفاته ولم يحيطوا بأركان عبقريته . لقد أحببت قصصه إذ كانت كلها سيرة لشخصه من نسج غريب . تزأر أرواح أبطاله وتدوى بين أحزان الحياة ومخاوفها .

لم أستطع أن أ كبت ذلك الإعجاب طويلا، بل أحسست بدافع قوى لأن أراه وأتطلع إلى وجهه وأسمع كلمات تخرج من فمه . أردت أن أقرأ فى سطور وجهه تلك الآلام العاصفة التى

صبها فى أبطال قصصه فوطنت العزم على لقائه . وقد ساعدنى على ذلك رجل فرنسى قادنى إلى بيته ، فدلفت إلى سلمه وقد ازدادت دقات قلبى شدة كلما دنوت من الطابق الذى كان يقطنه . وقفت أمام الباب وحاولت الكلام ولكن لسانى كان قد لصق بسقف حلقى فوقفت برهة أنظر إلى تلك اللوحة النحاسية المنقو ش عليها اسمه فى حروف كبيرة سوداء فازددت هلعاً ورعبا . وأخيرا استجمعت قواى ومددت يدي إلى الباب أقرعه ، فجاءتنى خادمة نَصَف فى لباس أسود ، فهمست فى أذنها باسم ذلك الكاتب العظيم ، فقادتنى إلى ممر طويل ينبعث فيه نور ضئيل شاحب حتى وصلت إلى غرفة نظيفة قد أغلقت نوافذها وتدلت مصابيح الكهرباء فى وسطها ، فلمحت فى أحد جوانبها مكتبا صغيراً عليه دفتر كبير شبيه بدفاتر المحامين وقد كسيت الجدران بالخرائط والصور .

شعرت بخيبة الأمل عندما وقع نظرى على تلك الغرفة العادية التى لم تكن تختلف عن سائر الغرف ولا سيما وقد كنت أتوقع صومعة لقديس أو عريناً لاسد لا مكتب أحد المحامين؛ فأخذت أسائل نفسى: أحقا هذا بيته وتلك غرفته ، أم أنا فى بيت أحد أقربائه ؟ ولكنى لم أطل التفكير فى هذا إذ رأيت أمامى رجلا ضئيلا قد أربى على الخمسين يحيينى بلغة فرنسية صحيحة ،فارتعت لمرآه ، أيعقل أن يكون رجل أحلامى وآمانى هذا الرجل الضئيل الذى يرمقنى بعينين صغيرتين وتنفرج شفتاه عن ابتسامة هى أقرب إلى ابتسامات البله والسذج ؟ أيعقل أن يكون هذا الرجل الذى يرتدى ثوبًا أسود ويضع يديه فى جيبه كما يصنع ضابط

الاستيداع أو موظف بالمعاش ؟ ذلك الذى جعل قلبى يخفق بروعة آثاره وقوة أسلوبه ؟ وهل يمكن أن تكون تلك الأفكار العظيمة التى حيرتنى وجعلتنى أقطع الليالي ساهراً قد نبعت من ذلك الرأس الأصلع الصغير ؟ لم أكن لأصدق هذا ، بل كنت كلما أنعمت النظر فيه ازدادت دهشة وعجبا ، حتى لم أستطع أن

أخفى دهشتى فقلت . أأنت الكاتب الذى أبحث عنه والشاعر الذى كتب " نفسي " و " الله " "ومشاكل نصف الليل " ؟فأجابنى فى هدوء وابتسام : نعم ، وكأنه لم يشعر أننى أهنته بسؤالى هذا فدعانى إلى الجلوس وسألنى حاجتى .

لم أكن أعرف مكانى ، ولم أكن أستطيع التفكير فى شىء أقوله ، فلاحظ على بعض هذا الارتباك فدنا منى متلطفاً وقال : أراك أحد المعجبين الأجانب الذين يأتون لرؤيتى . إن هذا أمر يسير ، فأنى أستطيع أن أقوم لك بما تريد . ثم أسرع إلى مكتبه وأخرج ورقة ومجموعة من الصور وعاد ثانية يستأنف حديثه : " هاك بعض تاريخ حياتى مدوناً بالفرنسية ، وفهرسا كاملا لجميع مؤلفاتى . أى صورة تعجيك ؛ إننى أظن أن أحسن صورى ما كان جانبيا " ولكن لك الاختيار . فى أى صحيفة ستنشر هذا المقال ؟ أفى صحيفة يومية أم فى مجلة ؟فلما رأى أننى لم أجبه إلا بنظرة

حائرة ساهمة عاد إلى مكتبه وأخرج كتابا صغيرا وقدمه إلى قائلا : هاك أشهر المقالات التى نشرتها كبرى الصحف عن مؤلفاتى ، إنها مدبجة بأقلام كبار الناقدين . ألا تريد صورة تنشرها مع المقال ؟ثم أسرع ذلك الرجل الذى لا يعرف التعب إلى مكتبه وجاءنى بأقاصيص من الورق مكتوبة بخط يده ، فلم أستطع أن أخفى دهشتى ، ولكن صاحبى مضى فى حديثه قائلا :أليس هذا كل ما تحتاج إليه ؟ أظنك تريد أن تعرف كيف أكتب ، سأخبرك حالا: إنى اعمل أربع ساعات فى اليوم ولا أ كتب أكثر من خمسين صفحة فى جلسة واحدة . إنى لا أستعمل الكتب القديمة ولا المعاجم البالية ، لأنى صنفت كل مواد الكتابة تصنيفا جديدا .

ففي هذا الصندوق تجد الصفات ، وفى - ذلك تجد التشابيه والاستعارات ، وفى الثالث تجد المتناقضات ، وفى الأخير تجد أوصاف المناظر الطبيعية ، وفى ذلك الذى عن يمينه تجد الأوصاف الغريبة لجميع الناس .أما الذى عن يساره فقد جمعت فيه كل عناوين القصص والمسرحيات . أظنك الآن تستطيع أن تفهم أن عملى ليس شاقا جدا بفضل هذا الترتيب . إنى أكتب بدون تفكير كأنى آلة : فإذا أردت أن أكتب شيئاً فما على إلا أن أضع يدى فأخرج ما أحتاج إليه . إني لست أحد أولئك البلهاء الذين ينتظرون الوحى والألهام ، فاننى أكتب بانتظام وفى أوقات معينة .فماذا ترى فى هذا ؟ فحاولت أن أتكلم ولكنى لم أستطع .

فمضى صاحبى يقول: "أخبرنى.ألا يمكن أن تؤدى لى عملا فى

إيطاليا؟ ألا يمكنك أن تنقل بعض كتبى إلى الايطالية ؟ إن أعطيك ٤٠ % فى المائة من الأرباح وحق النشر فى بلادك . دعنا    نكتب العقد.

ومن حسن الحظ أن دق جرس التليفون فى الغرفة الثانية فأسرع إليه الرجل دون استئذان ، ولكنه ما لبث أن جاءنى يقول : عفوا إن ناشرى كتبى فى ميونيخ يطلبوننى . دعنا نستأنف حديثنا . قل لى بصراحة: ألا تستطيع أن تقوم بهذا !  فنهضت مذعورا وأنا أعجب أن تكون هذه اليد الغليظة قد جرت بتلك الروائع الخالدة ، تم صوبت نظرى إلى الباب ولكنه لم يكد يرانى أنهض حتى صاح: ألا تنتظر الشاى ! إن زوجى وطفلي سيعودان حالا

وسنتناول الشاى معا . ألا تريد أن ترى طفلي ؟ إنهما طفلان جميلان ، أحدهما فى السابعة والآخر فى الحادية عشرة ، إن زوجى تجيد العزف على " البيان " وتتقن فن التصوير . إن هذه اللوحات الفنية التي تراها على الجدران من ريشتها ، فقبعت فى كرسى وأنا أتفرس فى وجه ذلك الرجل الذى لم يفتأ يقوم ثم يقعد ويفتح الأدراج ثم يقفلها واخيراً قال لى : هنا نجد الطبعة الأولى من كتبى ، وفى الدرج الآخر تجد الطبعات الثانية ، وتحتها التراجم . إنه محصول كبير ، أليس كذلك ؟ إنى أعنى بها عنايتى بأطفالى . ثم أخذ يقهقه عاليا فلم أطق أن أرى فكيه ينفرجان عن فم واسع كريه ، فصحت : يجب أن أذهب ، ثم اندفعت إلى الباب وتدحرجت على السلم ؛ وبدون أن أشعر وجدت نفسى خارج المنزل ، وماكدت أصل إلى منزلى حتى ألقيت جميع مؤلفات ذلك الملعون فى النار

اشترك في نشرتنا البريدية