الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 188 الرجوع إلى "الثقافة"

العدالة الالهية

Share

في الاصحاح الثالث عشر من سفر ايوب يقول ايوب في رده على اصحابه وتحدثه عن الذات العلية : " إنه ولو قتلني أبني املا له ، غير أني احتج عن طرفي أمامه " وهذه الكلمة التي يجتمع فيها الايمان التام بطائف من الانكار والمروق ، وتمتزج فيها الثقة المطلقة بظل من الشك والأرتياب ، تختصر تلك الحجج والبينات التى يقدمها

أيوب دفاعا عن نفسه ، وتعزيزا لموقفه ، بعد أن حاول كتم بثه ، وقمع عواطفه ، والصبر على ما ابتلاء به الله من فادح الخطب ، ومبرح الالم ، في ذلك السفر القيم البعيد المغزي المنسوب إليه ، وهو من اروع اسفار العهد القديم ، وأحفلها باللمحات الكاشفة ، والنظرات النافذة والخواطر الجريئة ؛ وقد تناول بصراحة قليلة النار موقف الإنسان " مولود المرأة ، قليل الأيام ، كثير الشقاء من الله " صانع عظائم نفوت البحث وعجائب تفوق العد "

والتماس الانسان العدالة ، وبحثه عن الحكمة ، في حوادث الحياة ، وحقائق الوجود ؛ وهو يصور ابدع تصور وادقه واصدقه الصراع الشديد بين الشكوك التي تساور الانسان من ناحية وجود عدالة إلهية متجلية في تجارب البشر ، ومصاير الامم ، والايمان القوي الذي يحاول ان يدرأ من نفسه غوالب الشكوك ، وينفي هجمائها ، وتمكنه في النهاية من مطاردتها وقهرها .

وهذا السفر يكشف عن مرحلة هامة من مراحل تفكير بني إسرائيل الديني ، عند ما بدأت الشكوك تتسرب إلى الاعتقاد القائل بأن الرجل الصالح المستقيم ، يلقي في حياته المثوبة العاجلة ، لاستقامة طرقه ، وسلامة طويته ، وان من يجانب الصلاح ويقترف الانام يحل به " العقاب ، وينال الجزاء الوفاق ؛ فقد لوحظ ان حقائق الحياة اليومية وحوادثها المتواترة المألوفة لا تؤيد هذا الاعتقاد الساذج ،

ولا تؤكد أن الشرير يلقي جزاء شره ، وأن الخير يثاب على ما قدمت يداه ، بل قد يغلب على امره وتجني عليه استقامته ؛ وقد أخذت هذه المسألة تشغل العقول ، وتقلق النفوس ، وتثير الخواطر ؛ فهل يشكون في العدالة الالهية ، أو أن هناك في وقائع الحياة ، وحركات الكون ، عدالة تخفي على العين وتدق عن الفكر ، متوارية في هذا

الظلم البادي ، وبذلك تتسع آفاق فكرة العدالة ، وتسمو وتكتسح ما في طريقها من الاعتراضات التي تتم عن النظر الكليل والفهم القاصر ؟ وكان يزيد الأمر خطورة أن فكرة الحياة الآخرى لم تكن بعد قد استبانت ظلالها واتجهت إليها الأفكار .

وسفر أيوب يتناول هذه المسألة بحذافيرها ، ويقلبها على وجوهها المختلفة ، ويبين معضلاتها في صورة سافرة ، وبمنطق أخاذ ، وبلاغة ساحرة ؛ فأيوب في هذا السفر النفيس بتحدث عن حنين الروح إلى العدالة ، وظمئها إلى الاطمئنان على إيمانها الصادق ، واستسلامها الكامل ، وتورتها على حقائق الحياة البغيضة وتجاربها المريرة ، وما يثيره في النفس من ألم فشل الخيرين الصالحين والاتقياء البررة ، وتوفيق الأشرار الفجرة ، وجماعة

المنافقين والسلابين والدجالين ؛ بل يحاول أيوب أن يوضح ان السكوت على ذلك ، واحتماله والصبر عليه ، والاحجام عن مواجهته ، ضرب من النفاق والمخادعة وعدم الأمانة ؛ فهو يقول لاصحابه في حواره معهم في الاصحاح الثالث عشرة : " ذلك كله قد رأته عيني وسمعته أذني ، وفطنت له ، وما تعلمون فإني أنا ايضا أعلمه لا اقصر عنكم في شيء ؛ لكني إنما اخاطب القدير ، وأود ان احاح الله ، أما انتم

فانما تضمدون بالكذب وطبكم باطل ، من لي بأن تسكنوا فيكون لكم في ذلك حكمة ، اسمعوا حججي وأصيخوا إلى دعاوي شفتي ، الأ يرضاه الله تتكلمون بالظلم ، أم لأجله تنطقون بالبهتان ، العليكم تحابونه أم عن الله

تخاضمون ؟ أيحمد ذلك يوم يفحصكم أم أنتم تخدعونه كما يخدع إنسان ؟ بل ليوبخنكم على محاباتكم الخفية وليرعبنكم جلاله ويقع عليكم ذعره " .

فيجب إذا مواجهة المشكل من جميع نواحيه ، والإحاطة بجملته وتفصيله . وقد ظل ايوب خلال الشكوك التي طغت على نفسه ، والآلام التي وقدته ، محتفظا بيقينه في الله ، واثقا منه ، متكلا عليه ؛ وفي البهاخ زكاه الله وأيده لاستقامته التي أنكرها عليه أصحابه لما قرعت مروته الخطوب ، ونزلت به ، نوازل الشقاء . وواضح أن الفكرة

التي يرمي إليها السفر هي أن تلك النكبات المتلاحقة لا ينبغي أن تعصف باليقين ، أو ان تضعف الايمان ، لأنها اختبار بصهر معدن الرجل ، ويعجم عوده ، ويخرج منه المؤمن أقوي وأصلب ، وأطهر وانقي .

ولكي يوضح السفر المظاهر المختلفة ، والجوانب المتعددة لهذا الشكل ، يعرض المسألة في قالب تمثيلي ، وثوب روائي ، فهو يرسم لنا صورة شيخ او امير من امراء البادية جم الثراء ، عظيم الجاه ، وراس اسرة كبيرة ، وهو رجل موفق في اعماله ، بار بأهله وبالناس ، يجبر كسر الفقراء ويغمرهم بشآبيب كرمه ، وينصحهم في مشكلاتهم . ويعينهم على احتمال الأعباء ، وهو يخشى الله ، فلا يتداخله

العجب ، ولا يمشي في الأرض مرحا ، وكلما أمعن في الخير وجاد بالهبات ، زكت ثروته ، ورغدت عيشته ، ولنسمح له بأن يتحدث قليلا عن نفسه ) ١ ( : " كنت أتحرر البائس المستغيث واليتيم الذي لا معين له ، فتحل على بركة الهالك واجعل قلب الأرملة متهللا ، لبست العدل فكان كسائي ، وما برح قضائي حلتي وتاجي ، كنت عينا للأعمي ورجلا للأعرج ، وكنت أبا المساكين استقصي دعوي من لم أعرفه ، وأحطم انياب الظالم ، وأتزع فريسته من بين اسنانه

ولكن هذه الحياة المثمرة المباركة ، والسيرة الصالحة العطرة ، تعدو عليها العوادى ويصيبها من الدهر ريب ، وذلك ان الشيطان يبدو امام الله ويتحدي صلاح ايوب ، وتدور هذه المحادثة بين الله والشيطان :

الرب : " من أين أقبلت " .

الشيطان : " من الطواف في الأرض والتردد فيها "

الرب : " هل املت بالك إلي عبدي ايوب فانه ليس له مثيل في الأرض ، إنه رجل سليم مستقيم يتقي الله ويجانب الشر "

الشيطان : " أمجانا ينقي أيوب الله ! ألم تكن سبحت حوله وحول بيته وحول كل شئ له من كل جهة ، وقد باركت أعمال يديه فانتشرت أمواله في الأرض ، ولكن ابسط يدك ، وامس جميع ماله فتنظر ألا يحدف عليك في وجهك " .

فيرخص الله للشيطان في أن يختبر أيوب ويبلو عقيدته ، فيفني خالده وطارفه ، ويرميه بالمرض العضال ، والالم المضنية ، ولكن أيوب يثبت ويصبر ؛ ولما قالت له امرأته : " جدف على الله ومت أجابها : " إنما كلامك كلام إحدي السفيهات . أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر ؟ " ولا يخالجه الشك في الله ، ولكنه على عميق إيمانه ، وراسخ اعتقاده ، في كربة حرجة ، وازمة شديدة ، وفي حدة ودهشة من أمر العدالة الالهية . ولما جاء اخلاؤه

لمواساته والتخفيف عنه والتهوين عليه ، ورأوا شدة كآبته ، لم يكلمه احد منهم بكلمة ؛ وبعد صمت طويل حاول أيوب تنفيس كربته بالتحدث عما أصابه ، فانفجر قائلا : " لا كان نهار ولدت فيه ولا ليل قيل فيه قد حبل برجل ، ليكن ذلك النهار ظلاما ، ولا رعاء الله من فوق ولا اشرق عليه نور ، لتستبد به الظلمات وظلال الموت ، وليقر عليه القيام ولتروعه كواسف النهار ، وذلك الليل ليشمل الدجور ولا يحصين بين أيام السنة ولا يدخلان في عداد الشهور ،

ليكن ذلك الليل ثاكلا ولا يسمع فيه ترنيم . . لتظلم كواكب غسقه ، وليترقب النور فلا يكون ولا ير أجفان الفجر . . لم م أمت من الرحم ؟ هلا فاضت روحي عند خروجي من البطن ؟ ما كنت اخشاء قد غشيني ، وما فزعت منه قد رهقني ، فلا طمانة لي ولا قرار ولا راحة ، وقد داهمني الاضطراب "

وكبر علي اصدقائه ان تنتقض مرائره ، وبهى جلده ، ويثور بالقضاء ثورته ، فأخذوا بيصحونه بإعادة النظر في ماضيه ، والاعتراف بالآثام التي استوجبت سخط الله ، واستنزلت عقابه ، واشتدوا عليه في ذلك ، وسلقوه بالسنتهم ، وحاولوا ان يفرضوا عليه فرضا فكرة ان كل ما يصب الانسان من كوارث الدهر إما سببه اخطاء تورط فيها الانسان ، وذنوب ارتكبها ، وان على الانسان

ان يلقي الحادثان بنفس راضية مستسلمة ، مذعنة للقضاء مطمئنة إلى عدالته ؛ ولكن ايوب لا يقتنع بهذه الحجة ويرفض رفضا قاطعا هذه الوجهة من وجهات النظر ؛ فهو اعرف من غيره بماضيه الناصع الصفحات ، وحياته الخالية من الشوائب . وهبه أخطأ مثل سائر أبناء الأرض الفانين فأين عفو الله ، وواسع رحمته وفائض جناته ؟ وكيف يلتمس الصفح ، ويرجو المغفرة عن أثام لم يقترفها ولم يأنه عنها خير فهو يقول لاصحابه : " علموني وانا أصمت أنبئوني في أي شيء ضللت ، ما أوقع كلمات الحق : لكن في أي شيء ملامتكم "

فينبري له صاحبه بملاد الشوحى ويقول له : " إلى متى انت تنطق مثل هذا وافوال فيك كريح عاصف ، العل الله يحرف القضاء ، أم القدير بأود العدل ، إن كان بنوك قد خطئوا إليه فقد أسلمهم إلي يد معصيتهم ، أما انت فإن بكرت إلى الله والتمست رحمة القدير ، وكنت زكيا مستقيما فإنه ينسبه إليك ويرد إلي السلام مقر برك " . ولكن أصحابه في واد وهو في واد آخر ؛ فهو يأتي

ان يكون منافقا تجاه الله ، ولا يقبل ان يزيف شعوره ، ويزور عواطفه ، ويقول كلاما هو غير مقتنع بصحته ، وهو يعلم علما ليس بالظن ان الله شديد البأس ، وانه " يزلزل الأرض من أساسها ، فترتجف عمدها ، يأمر الشمس فلا تشرق ، ويختم على الكوا كب ، هو الباسط السماوات ،والسائر على متون البحر، إن ساب فمن ذا يرده أو من يقول له ماذا تفعل " هو يعلم ذلك كله ، ولكنه

يود الاحتجاج بين يديه ، وعرض قضيته عليه " ذلك الذي يسحقني في الزوبعة ويتخنني بالجراح لغير علة " ، وليس الله بانسان مثله حتى يجاوبه ، ويرد عليه حججه وهو واثق من براءته ، ولذا يحرص على أن يستمسك بحقه ، ويرفع صوته ليقول : " ليرفع عنى عصاه ، ولا تروعني مخافته ، حينئذ اتكلم ولا ارتاع منه ، لاني لا أجد مثل تلك التهم في نفسي ،

وأيوب كما يظهر من سيرته رجل إنساني النزعة ، واسع العطف ، لا يعيش لنفسه وحدها ، فهو لا ينظر إلي الرزايا التي أصابته من الناحية الفردية ، وإنما يتخذ نفسه مثلا لما يحدث في الدنيا ، ويناضل عن قضيته من الوجهة العامة ، لأنها قضية البشر جميعا لا قضية ايوب وحده ؛ فالحظوظ في الحياة البشرية غير قائمة على ذلك المبدأ البسيط مبدأ المثوبة والعقاب الذي يحاول اصدقاؤه أن يرغموه على قبوله ؛ وكيف يغلالط في الحقيقة نفسه

وهو يري الصالحين الانتقياء يظلمون ويقهرون ، ويري الأشرار يتقلبون في الرقاعة وأحوالهم زاكية ؟ فالحظوظ ليست مرتبطة بالقيم الأخلاقية والفوارق الأدبية بين الناس ، وأحوال الحياة توحي إلي الانسان أن السعادة والشقاء والألام والمسرات موزعة في هذه الدنيا توزيعا غير معقول ؛ فهو يتساءل : " لماذا يحيا المنافقون ويستمون ولماذا يعظم اقتدارهم ويصف فوضى الحفظوظ فيقول : " هذا يموت في معظم وقره وقد عمته الدعة والطمأنينة ،

وذاك يموت في حرارة نفسه ولم يذق طيبا " .

وهكذا تروعه عثرات الحظ ، ومتناقضات الحياة ، ولكنها لا تهز اعتقاده بالله ولا تنال من يقينه ؛ وهذا الاعتقاد المتين يفجر في نفسه ينابيع الأمل ، والله في رأيه قد تفرد بالحكمة ، وهو يقول في ذلك : " أما الحكمة فأين توجد ، والفطنة اين مقرها ؟ لا يعرف الإنسان قيمتها ولا وجود لها في ارض الاحياء ، الغمر قال ليست في ، والبحر قال ليست عندي . . إنها محجوبة عن عيني كل حي ومتوارية عن طير السماء ؛ الهاوية والموت قالا قد بلغ مسامعنا خبرها ، الله يبصر سبلها وهو عالم بمكانها

لأنه يبلغ بطرفة أقاصي الأرض ، ويحيط بجميع ما تحت السماوات ، وإذا جعل للريح وزنا ، وعاير المياه بمقدار وجعل احكاما للمطر وسبيلا للصواعق القاصفة ، حينئذ رآها وأخبر بها وأثبتها وسيرها ، وقال للبشر ها إن خشية الرب هي الحكمة واجتناب الشر هو الفطنة ) ١

وأيوب في أشد أوقات محنته ، وعندما اشتملت عليه الهموم ، وارمضته الآلام ، وانثالت إليه الخوامار السود ، وزعزت ثباته ، وهزت بنيانه ، لم يفارقه الإيمان بالله ، وإنما تطلع إلي استيضاح أثر العدالة الالهية ، والمناية الربانية ، في طرائق الحياة وتجارب البشر ؛ ولما أشكل عليه امرها ، واستبهمت طرفها ، ود من صميم نفسه ، واعماق وجدانه ، لو ان الله يجعل طرقه واساليبه قريبة من الأفهام ، بينة للمخلوقات ، حتى يكون إعانيهم بعدالته

قائما على أساس متين ومدعما بالحجج الواضحة وفي ختام السفر يجاوب الله أيوب من العاصفة ، ويوبخه على نقص إيمانه ، ويقول له : " إني سائلك فاخبرني ، اين كنت حين أسست الأرض ؟ بين إن كنت تعلم الحكمة ، على أي شئ اقرت قواعدها ام من وضع حجر زاويتها ؟ . . أأنت في أيامك أمرت الصبح وعرفت الفجر موضعه ؟ .

هل اخترقت إلي لجج البحر أم تخطيت في مخادع العمر ؟ هل انفتحت لك أبواب الموت ، أم عاينت أبواب ظلال الموت ؟ هل احطت بعرض الأرض ؟ اخبر إن كنت عالما بذلك أأنت تشد عقد الثريا ، أم أنت تحل نطق الجوزاء ؟ من وضع الحكمة في الإعصار ام من آتي النوء الفهم ؟ . أبحكمتك يستقل البازي في الجو ويبسط جناحية نحو الجنوب ، أم بأمرك يحلق النسر ويجعل وكره في العلاء ؟ هل يخاصم القدير لائمه ، ويجيب الله مشتكيه ؟ "

فيجيب أيوب قائلا : " هأنذا ذليل فبماذا أجيبك ؟ إني اجعل يدي علي فمي " فيسترسل الله في لومه وتعنيفه ويقول له : " الملك تنقض قضائي ، اتؤتمني لتبرر نفسك ؟ ألك مثل ذراع الله ، أترعد بمثل صوته ؟ إذا فزين بالعظمة والسمو والبس المجد والبهاء

ويقر أيوب بعجزه وحسور فهمه فيقول : " إني قد نطقت مما لا ادرك ، بمعجزات تفوقني ولا أعلمها " ويرفع الله غضبه عن ايوب ، ويتم عليه نعمته ، ويبارك آخرته ، ويغضب على أصحابه لأنهم قد داهنوا في دينهم ولم يتكلموا أمامه بحسب الحق كعبده أيوب .

وبيت القصيد في هذا السفر هو ان مسألة الإيمان بالله ليست مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاعتقاد بالعدالة المباشرة ، والتوبة السريعة ، والعقاب العاجل ، لان هذه الفكرة مناقضة لحقائق الحياة ، وتجر إلى اتهامات باطلة ، وتستدعي النفاق والمغالطة وتزييف الواقع ، وما يصيبنا من شقاء قد يكون اختبارا ليقيننا ، وقد يطول شقاء الانسان وتمتد

محنتة ، ولكن واجب الانسان ان يتجمل ويصبر ، ويحتمل الاذي ، قرير العين ، وادع النفس ، لان الله قوي المراس ، بعيد الحكمة ، وما دام الله قادرا وحكيما فإن ما قدم الانسان من خير لن يذهب عبثا

فأي ضوء يرسله هذا السفر القديم على مشكلات عصرنا الحاضر وموقفنا اليوم ؟ لا ريب أن عصرنا الحاضر عصر نقد وتمحيص ، فكل عقيدة تعرض الآن على محك

البحث ، وكل مفكر امين يحاول أن يغربل عقائده . ويفحص محتوياتها ، ويشرح اجزاءها ، ايري ويستخلص الجوهر الأصيل ويستبعد القشور والدخيل ؛ وبعض الناس يقون من مشكلات العصر الحاضر موقف اصحاب ايوب ، ويأبون مواجهة معضلات العصر الحديث ، او يعرضون لها حلولا لا تلائم جذبها ولا تتفق مع طبيعتها وأساس

الحياة الروحية الحق هو الاعتقاد بأن نظام العالم نظام يقره العقل وتشرف عليه العناية ، وان القوي الكونية التي يبدو طرف منها في حياتنا الانسانية وحياة العالم قاطبة قوة حكيمة وخبرة ، وان وجودنا له غاية كبرى مقدسة ، لو عملنا على تحقيقها دنونا من الكمال النشود ، وإنت قصرنا عمت الفوض وساد الاضطراب

وما يتطلع إليه الإنسان في العصر الحاضر ليس المثوبة الشخصية أو العقاب الفردي ، وإنما إنقاذ الانسان من سيطرة الشر ، وانتشاله من مخالب الهلاك والدمار الذي ساقته إليه الأنانية العمياء والمطامع الملتوية ، وتمكينه من توسيع دائرة عطفه ، والسمو بتفكيره ، وان يقلل من النظرة الفردية ، والتفكير الطائفي ، والتعصب الطبقي .

وأن يعتبر الأفراد والأمم اعضاء أسرة واحدة ، وأن الخير الآسمى لا يمكن أن تحتكره أمة أو تستتأثر به طبقة ، والحياة الانسانية معقدة متراكبة متداخلة الإجزاء متشابكة الفروع ؛ فلا يمكن أن تسمو بالإنسان من الناحية العقلية أو الفنية ، أو الأخلاقية ، إذا أهملنا الناحية الاقتصادية ، وعدم تقدير هذه الناحية جعل الكثير من مجهودات المصلحين ذوي المثالية السامية تذهب أدراج الرياح .

ومعركة تنازع البقاء القائمة في العصر الحاضر تكشف لنا عما تنطوي عليه الحياة من قسوة رهيبة ، وفظاعات منكرة ، وتتمخض من الكثير من الماسى المروعة التي تلقي ظلالا ضخمة على اليقين والأيمان ؛ ولا مفر للانسان من أن يتساءل : كيف ينشأ الخير ، ويتحقق الأمل ، في

عالم غاص بالكراهة والأحقاد الغائرة ، والشرور والأثام ، والعصف والأرهاق ؟ وما قيمة الحضارة والتقدم إذا كانت الكثرة الساحقة من الناس في بقاع الأرض لا تزال تعانى الجهل والحرمان ، ولا تستتمتع بنصيب معقول من خيرات الحضارة ؟ وهذه مشكلات قد يعجز عن الجواب عنها أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة . ولقد استجار

أيوب في أحلك أوقات محنته بالقوة الالهية ، واعتقد في النهاية أن للعناية الالهية خطة وتدبيرا قد تعجز عقولنا عن إدراكه ، وان العدالة المطلقة والصلاح الكامل هما المسيطران على العالم ، وان هناك غاية سامية يعمل السكون على تحقيقها ، ويبدو اثرها في حياتنا المهدورة . والجواب الذي تلقاه أيوب من الله على ما وجهه إليه من ملاحظات ،

هو أن يتأمل عظمة الكون وجلاله ، ويحيل الطرف في روائعه وبدائعه ، وهل مثل هذا الخالق العظيم والمدير القدير لا يوثق بعد ذلك بعدالته ولا يعتمد عليه ؟ الم يكشف العلم وغرائب لم يعرفها ايوب ولا عصر ايوب ؟ إننا نشكو وجود الألم في الحياة ، ولكن تطور الحياة ، وحركة التقدم ، وطبيعة التجديد ، تستلزم وجود الاثم وربا كان من الخطأ ان تذكر ان الانسانية برغم الهفوات والجرائم والحروب والويلات تتقدم إلي الامام وترتفع تدريجا إلي مستوي ارفع من الفكر والأخلاق ، وقد اتسع المثل الأعلى وتهذب ؛ ونفس هذا الاتساع

والتهذيب يحفز النفوس ويوجه العزائم ؛ والتبرم بالحياة والملل من الحاضر دافع إلي استكمال النقص واستدراك العيوب . وكل من يشك في عدالة الكون ويتطاول على نظامة وأحكامه يصح أن يوجه إليه قول الأستاذ عبد الرحمن شكري :

أليس الكون أكبر منك شأنا

                                       وأولي بالقادر والنظام ؟

اشترك في نشرتنا البريدية