في الاصحاح الثالث عشر من سفر ايوب يقول ايوب في رده على اصحابه وتحدثه عن الذات العلية : " إنه ولو قتلني أبني املا له ، غير أني احتج عن طرفي أمامه " وهذه الكلمة التي يجتمع فيها الايمان التام بطائف من الانكار والمروق ، وتمتزج فيها الثقة المطلقة بظل من الشك والأرتياب ، تختصر تلك الحجج والبينات التى يقدمها
أيوب دفاعا عن نفسه ، وتعزيزا لموقفه ، بعد أن حاول كتم بثه ، وقمع عواطفه ، والصبر على ما ابتلاء به الله من فادح الخطب ، ومبرح الالم ، في ذلك السفر القيم البعيد المغزي المنسوب إليه ، وهو من اروع اسفار العهد القديم ، وأحفلها باللمحات الكاشفة ، والنظرات النافذة والخواطر الجريئة ؛ وقد تناول بصراحة قليلة النار موقف الإنسان " مولود المرأة ، قليل الأيام ، كثير الشقاء من الله " صانع عظائم نفوت البحث وعجائب تفوق العد "
والتماس الانسان العدالة ، وبحثه عن الحكمة ، في حوادث الحياة ، وحقائق الوجود ؛ وهو يصور ابدع تصور وادقه واصدقه الصراع الشديد بين الشكوك التي تساور الانسان من ناحية وجود عدالة إلهية متجلية في تجارب البشر ، ومصاير الامم ، والايمان القوي الذي يحاول ان يدرأ من نفسه غوالب الشكوك ، وينفي هجمائها ، وتمكنه في النهاية من مطاردتها وقهرها .
وهذا السفر يكشف عن مرحلة هامة من مراحل تفكير بني إسرائيل الديني ، عند ما بدأت الشكوك تتسرب إلى الاعتقاد القائل بأن الرجل الصالح المستقيم ، يلقي في حياته المثوبة العاجلة ، لاستقامة طرقه ، وسلامة طويته ، وان من يجانب الصلاح ويقترف الانام يحل به " العقاب ، وينال الجزاء الوفاق ؛ فقد لوحظ ان حقائق الحياة اليومية وحوادثها المتواترة المألوفة لا تؤيد هذا الاعتقاد الساذج ،
ولا تؤكد أن الشرير يلقي جزاء شره ، وأن الخير يثاب على ما قدمت يداه ، بل قد يغلب على امره وتجني عليه استقامته ؛ وقد أخذت هذه المسألة تشغل العقول ، وتقلق النفوس ، وتثير الخواطر ؛ فهل يشكون في العدالة الالهية ، أو أن هناك في وقائع الحياة ، وحركات الكون ، عدالة تخفي على العين وتدق عن الفكر ، متوارية في هذا
الظلم البادي ، وبذلك تتسع آفاق فكرة العدالة ، وتسمو وتكتسح ما في طريقها من الاعتراضات التي تتم عن النظر الكليل والفهم القاصر ؟ وكان يزيد الأمر خطورة أن فكرة الحياة الآخرى لم تكن بعد قد استبانت ظلالها واتجهت إليها الأفكار .
وسفر أيوب يتناول هذه المسألة بحذافيرها ، ويقلبها على وجوهها المختلفة ، ويبين معضلاتها في صورة سافرة ، وبمنطق أخاذ ، وبلاغة ساحرة ؛ فأيوب في هذا السفر النفيس بتحدث عن حنين الروح إلى العدالة ، وظمئها إلى الاطمئنان على إيمانها الصادق ، واستسلامها الكامل ، وتورتها على حقائق الحياة البغيضة وتجاربها المريرة ، وما يثيره في النفس من ألم فشل الخيرين الصالحين والاتقياء البررة ، وتوفيق الأشرار الفجرة ، وجماعة
المنافقين والسلابين والدجالين ؛ بل يحاول أيوب أن يوضح ان السكوت على ذلك ، واحتماله والصبر عليه ، والاحجام عن مواجهته ، ضرب من النفاق والمخادعة وعدم الأمانة ؛ فهو يقول لاصحابه في حواره معهم في الاصحاح الثالث عشرة : " ذلك كله قد رأته عيني وسمعته أذني ، وفطنت له ، وما تعلمون فإني أنا ايضا أعلمه لا اقصر عنكم في شيء ؛ لكني إنما اخاطب القدير ، وأود ان احاح الله ، أما انتم
فانما تضمدون بالكذب وطبكم باطل ، من لي بأن تسكنوا فيكون لكم في ذلك حكمة ، اسمعوا حججي وأصيخوا إلى دعاوي شفتي ، الأ يرضاه الله تتكلمون بالظلم ، أم لأجله تنطقون بالبهتان ، العليكم تحابونه أم عن الله
تخاضمون ؟ أيحمد ذلك يوم يفحصكم أم أنتم تخدعونه كما يخدع إنسان ؟ بل ليوبخنكم على محاباتكم الخفية وليرعبنكم جلاله ويقع عليكم ذعره " .
فيجب إذا مواجهة المشكل من جميع نواحيه ، والإحاطة بجملته وتفصيله . وقد ظل ايوب خلال الشكوك التي طغت على نفسه ، والآلام التي وقدته ، محتفظا بيقينه في الله ، واثقا منه ، متكلا عليه ؛ وفي البهاخ زكاه الله وأيده لاستقامته التي أنكرها عليه أصحابه لما قرعت مروته الخطوب ، ونزلت به ، نوازل الشقاء . وواضح أن الفكرة
التي يرمي إليها السفر هي أن تلك النكبات المتلاحقة لا ينبغي أن تعصف باليقين ، أو ان تضعف الايمان ، لأنها اختبار بصهر معدن الرجل ، ويعجم عوده ، ويخرج منه المؤمن أقوي وأصلب ، وأطهر وانقي .
ولكي يوضح السفر المظاهر المختلفة ، والجوانب المتعددة لهذا الشكل ، يعرض المسألة في قالب تمثيلي ، وثوب روائي ، فهو يرسم لنا صورة شيخ او امير من امراء البادية جم الثراء ، عظيم الجاه ، وراس اسرة كبيرة ، وهو رجل موفق في اعماله ، بار بأهله وبالناس ، يجبر كسر الفقراء ويغمرهم بشآبيب كرمه ، وينصحهم في مشكلاتهم . ويعينهم على احتمال الأعباء ، وهو يخشى الله ، فلا يتداخله
العجب ، ولا يمشي في الأرض مرحا ، وكلما أمعن في الخير وجاد بالهبات ، زكت ثروته ، ورغدت عيشته ، ولنسمح له بأن يتحدث قليلا عن نفسه ) ١ ( : " كنت أتحرر البائس المستغيث واليتيم الذي لا معين له ، فتحل على بركة الهالك واجعل قلب الأرملة متهللا ، لبست العدل فكان كسائي ، وما برح قضائي حلتي وتاجي ، كنت عينا للأعمي ورجلا للأعرج ، وكنت أبا المساكين استقصي دعوي من لم أعرفه ، وأحطم انياب الظالم ، وأتزع فريسته من بين اسنانه
ولكن هذه الحياة المثمرة المباركة ، والسيرة الصالحة العطرة ، تعدو عليها العوادى ويصيبها من الدهر ريب ، وذلك ان الشيطان يبدو امام الله ويتحدي صلاح ايوب ، وتدور هذه المحادثة بين الله والشيطان :
الرب : " من أين أقبلت " .
الشيطان : " من الطواف في الأرض والتردد فيها "
الرب : " هل املت بالك إلي عبدي ايوب فانه ليس له مثيل في الأرض ، إنه رجل سليم مستقيم يتقي الله ويجانب الشر "
الشيطان : " أمجانا ينقي أيوب الله ! ألم تكن سبحت حوله وحول بيته وحول كل شئ له من كل جهة ، وقد باركت أعمال يديه فانتشرت أمواله في الأرض ، ولكن ابسط يدك ، وامس جميع ماله فتنظر ألا يحدف عليك في وجهك " .
فيرخص الله للشيطان في أن يختبر أيوب ويبلو عقيدته ، فيفني خالده وطارفه ، ويرميه بالمرض العضال ، والالم المضنية ، ولكن أيوب يثبت ويصبر ؛ ولما قالت له امرأته : " جدف على الله ومت أجابها : " إنما كلامك كلام إحدي السفيهات . أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر ؟ " ولا يخالجه الشك في الله ، ولكنه على عميق إيمانه ، وراسخ اعتقاده ، في كربة حرجة ، وازمة شديدة ، وفي حدة ودهشة من أمر العدالة الالهية . ولما جاء اخلاؤه
لمواساته والتخفيف عنه والتهوين عليه ، ورأوا شدة كآبته ، لم يكلمه احد منهم بكلمة ؛ وبعد صمت طويل حاول أيوب تنفيس كربته بالتحدث عما أصابه ، فانفجر قائلا : " لا كان نهار ولدت فيه ولا ليل قيل فيه قد حبل برجل ، ليكن ذلك النهار ظلاما ، ولا رعاء الله من فوق ولا اشرق عليه نور ، لتستبد به الظلمات وظلال الموت ، وليقر عليه القيام ولتروعه كواسف النهار ، وذلك الليل ليشمل الدجور ولا يحصين بين أيام السنة ولا يدخلان في عداد الشهور ،
ليكن ذلك الليل ثاكلا ولا يسمع فيه ترنيم . . لتظلم كواكب غسقه ، وليترقب النور فلا يكون ولا ير أجفان الفجر . . لم م أمت من الرحم ؟ هلا فاضت روحي عند خروجي من البطن ؟ ما كنت اخشاء قد غشيني ، وما فزعت منه قد رهقني ، فلا طمانة لي ولا قرار ولا راحة ، وقد داهمني الاضطراب "
وكبر علي اصدقائه ان تنتقض مرائره ، وبهى جلده ، ويثور بالقضاء ثورته ، فأخذوا بيصحونه بإعادة النظر في ماضيه ، والاعتراف بالآثام التي استوجبت سخط الله ، واستنزلت عقابه ، واشتدوا عليه في ذلك ، وسلقوه بالسنتهم ، وحاولوا ان يفرضوا عليه فرضا فكرة ان كل ما يصب الانسان من كوارث الدهر إما سببه اخطاء تورط فيها الانسان ، وذنوب ارتكبها ، وان على الانسان
ان يلقي الحادثان بنفس راضية مستسلمة ، مذعنة للقضاء مطمئنة إلى عدالته ؛ ولكن ايوب لا يقتنع بهذه الحجة ويرفض رفضا قاطعا هذه الوجهة من وجهات النظر ؛ فهو اعرف من غيره بماضيه الناصع الصفحات ، وحياته الخالية من الشوائب . وهبه أخطأ مثل سائر أبناء الأرض الفانين فأين عفو الله ، وواسع رحمته وفائض جناته ؟ وكيف يلتمس الصفح ، ويرجو المغفرة عن أثام لم يقترفها ولم يأنه عنها خير فهو يقول لاصحابه : " علموني وانا أصمت أنبئوني في أي شيء ضللت ، ما أوقع كلمات الحق : لكن في أي شيء ملامتكم "
فينبري له صاحبه بملاد الشوحى ويقول له : " إلى متى انت تنطق مثل هذا وافوال فيك كريح عاصف ، العل الله يحرف القضاء ، أم القدير بأود العدل ، إن كان بنوك قد خطئوا إليه فقد أسلمهم إلي يد معصيتهم ، أما انت فإن بكرت إلى الله والتمست رحمة القدير ، وكنت زكيا مستقيما فإنه ينسبه إليك ويرد إلي السلام مقر برك " . ولكن أصحابه في واد وهو في واد آخر ؛ فهو يأتي
ان يكون منافقا تجاه الله ، ولا يقبل ان يزيف شعوره ، ويزور عواطفه ، ويقول كلاما هو غير مقتنع بصحته ، وهو يعلم علما ليس بالظن ان الله شديد البأس ، وانه " يزلزل الأرض من أساسها ، فترتجف عمدها ، يأمر الشمس فلا تشرق ، ويختم على الكوا كب ، هو الباسط السماوات ،والسائر على متون البحر، إن ساب فمن ذا يرده أو من يقول له ماذا تفعل " هو يعلم ذلك كله ، ولكنه
يود الاحتجاج بين يديه ، وعرض قضيته عليه " ذلك الذي يسحقني في الزوبعة ويتخنني بالجراح لغير علة " ، وليس الله بانسان مثله حتى يجاوبه ، ويرد عليه حججه وهو واثق من براءته ، ولذا يحرص على أن يستمسك بحقه ، ويرفع صوته ليقول : " ليرفع عنى عصاه ، ولا تروعني مخافته ، حينئذ اتكلم ولا ارتاع منه ، لاني لا أجد مثل تلك التهم في نفسي ،
وأيوب كما يظهر من سيرته رجل إنساني النزعة ، واسع العطف ، لا يعيش لنفسه وحدها ، فهو لا ينظر إلي الرزايا التي أصابته من الناحية الفردية ، وإنما يتخذ نفسه مثلا لما يحدث في الدنيا ، ويناضل عن قضيته من الوجهة العامة ، لأنها قضية البشر جميعا لا قضية ايوب وحده ؛ فالحظوظ في الحياة البشرية غير قائمة على ذلك المبدأ البسيط مبدأ المثوبة والعقاب الذي يحاول اصدقاؤه أن يرغموه على قبوله ؛ وكيف يغلالط في الحقيقة نفسه
وهو يري الصالحين الانتقياء يظلمون ويقهرون ، ويري الأشرار يتقلبون في الرقاعة وأحوالهم زاكية ؟ فالحظوظ ليست مرتبطة بالقيم الأخلاقية والفوارق الأدبية بين الناس ، وأحوال الحياة توحي إلي الانسان أن السعادة والشقاء والألام والمسرات موزعة في هذه الدنيا توزيعا غير معقول ؛ فهو يتساءل : " لماذا يحيا المنافقون ويستمون ولماذا يعظم اقتدارهم ويصف فوضى الحفظوظ فيقول : " هذا يموت في معظم وقره وقد عمته الدعة والطمأنينة ،
وذاك يموت في حرارة نفسه ولم يذق طيبا " .
وهكذا تروعه عثرات الحظ ، ومتناقضات الحياة ، ولكنها لا تهز اعتقاده بالله ولا تنال من يقينه ؛ وهذا الاعتقاد المتين يفجر في نفسه ينابيع الأمل ، والله في رأيه قد تفرد بالحكمة ، وهو يقول في ذلك : " أما الحكمة فأين توجد ، والفطنة اين مقرها ؟ لا يعرف الإنسان قيمتها ولا وجود لها في ارض الاحياء ، الغمر قال ليست في ، والبحر قال ليست عندي . . إنها محجوبة عن عيني كل حي ومتوارية عن طير السماء ؛ الهاوية والموت قالا قد بلغ مسامعنا خبرها ، الله يبصر سبلها وهو عالم بمكانها
لأنه يبلغ بطرفة أقاصي الأرض ، ويحيط بجميع ما تحت السماوات ، وإذا جعل للريح وزنا ، وعاير المياه بمقدار وجعل احكاما للمطر وسبيلا للصواعق القاصفة ، حينئذ رآها وأخبر بها وأثبتها وسيرها ، وقال للبشر ها إن خشية الرب هي الحكمة واجتناب الشر هو الفطنة ) ١
وأيوب في أشد أوقات محنته ، وعندما اشتملت عليه الهموم ، وارمضته الآلام ، وانثالت إليه الخوامار السود ، وزعزت ثباته ، وهزت بنيانه ، لم يفارقه الإيمان بالله ، وإنما تطلع إلي استيضاح أثر العدالة الالهية ، والمناية الربانية ، في طرائق الحياة وتجارب البشر ؛ ولما أشكل عليه امرها ، واستبهمت طرفها ، ود من صميم نفسه ، واعماق وجدانه ، لو ان الله يجعل طرقه واساليبه قريبة من الأفهام ، بينة للمخلوقات ، حتى يكون إعانيهم بعدالته
قائما على أساس متين ومدعما بالحجج الواضحة وفي ختام السفر يجاوب الله أيوب من العاصفة ، ويوبخه على نقص إيمانه ، ويقول له : " إني سائلك فاخبرني ، اين كنت حين أسست الأرض ؟ بين إن كنت تعلم الحكمة ، على أي شئ اقرت قواعدها ام من وضع حجر زاويتها ؟ . . أأنت في أيامك أمرت الصبح وعرفت الفجر موضعه ؟ .
هل اخترقت إلي لجج البحر أم تخطيت في مخادع العمر ؟ هل انفتحت لك أبواب الموت ، أم عاينت أبواب ظلال الموت ؟ هل احطت بعرض الأرض ؟ اخبر إن كنت عالما بذلك أأنت تشد عقد الثريا ، أم أنت تحل نطق الجوزاء ؟ من وضع الحكمة في الإعصار ام من آتي النوء الفهم ؟ . أبحكمتك يستقل البازي في الجو ويبسط جناحية نحو الجنوب ، أم بأمرك يحلق النسر ويجعل وكره في العلاء ؟ هل يخاصم القدير لائمه ، ويجيب الله مشتكيه ؟ "
فيجيب أيوب قائلا : " هأنذا ذليل فبماذا أجيبك ؟ إني اجعل يدي علي فمي " فيسترسل الله في لومه وتعنيفه ويقول له : " الملك تنقض قضائي ، اتؤتمني لتبرر نفسك ؟ ألك مثل ذراع الله ، أترعد بمثل صوته ؟ إذا فزين بالعظمة والسمو والبس المجد والبهاء
ويقر أيوب بعجزه وحسور فهمه فيقول : " إني قد نطقت مما لا ادرك ، بمعجزات تفوقني ولا أعلمها " ويرفع الله غضبه عن ايوب ، ويتم عليه نعمته ، ويبارك آخرته ، ويغضب على أصحابه لأنهم قد داهنوا في دينهم ولم يتكلموا أمامه بحسب الحق كعبده أيوب .
وبيت القصيد في هذا السفر هو ان مسألة الإيمان بالله ليست مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاعتقاد بالعدالة المباشرة ، والتوبة السريعة ، والعقاب العاجل ، لان هذه الفكرة مناقضة لحقائق الحياة ، وتجر إلى اتهامات باطلة ، وتستدعي النفاق والمغالطة وتزييف الواقع ، وما يصيبنا من شقاء قد يكون اختبارا ليقيننا ، وقد يطول شقاء الانسان وتمتد
محنتة ، ولكن واجب الانسان ان يتجمل ويصبر ، ويحتمل الاذي ، قرير العين ، وادع النفس ، لان الله قوي المراس ، بعيد الحكمة ، وما دام الله قادرا وحكيما فإن ما قدم الانسان من خير لن يذهب عبثا
فأي ضوء يرسله هذا السفر القديم على مشكلات عصرنا الحاضر وموقفنا اليوم ؟ لا ريب أن عصرنا الحاضر عصر نقد وتمحيص ، فكل عقيدة تعرض الآن على محك
البحث ، وكل مفكر امين يحاول أن يغربل عقائده . ويفحص محتوياتها ، ويشرح اجزاءها ، ايري ويستخلص الجوهر الأصيل ويستبعد القشور والدخيل ؛ وبعض الناس يقون من مشكلات العصر الحاضر موقف اصحاب ايوب ، ويأبون مواجهة معضلات العصر الحديث ، او يعرضون لها حلولا لا تلائم جذبها ولا تتفق مع طبيعتها وأساس
الحياة الروحية الحق هو الاعتقاد بأن نظام العالم نظام يقره العقل وتشرف عليه العناية ، وان القوي الكونية التي يبدو طرف منها في حياتنا الانسانية وحياة العالم قاطبة قوة حكيمة وخبرة ، وان وجودنا له غاية كبرى مقدسة ، لو عملنا على تحقيقها دنونا من الكمال النشود ، وإنت قصرنا عمت الفوض وساد الاضطراب
وما يتطلع إليه الإنسان في العصر الحاضر ليس المثوبة الشخصية أو العقاب الفردي ، وإنما إنقاذ الانسان من سيطرة الشر ، وانتشاله من مخالب الهلاك والدمار الذي ساقته إليه الأنانية العمياء والمطامع الملتوية ، وتمكينه من توسيع دائرة عطفه ، والسمو بتفكيره ، وان يقلل من النظرة الفردية ، والتفكير الطائفي ، والتعصب الطبقي .
وأن يعتبر الأفراد والأمم اعضاء أسرة واحدة ، وأن الخير الآسمى لا يمكن أن تحتكره أمة أو تستتأثر به طبقة ، والحياة الانسانية معقدة متراكبة متداخلة الإجزاء متشابكة الفروع ؛ فلا يمكن أن تسمو بالإنسان من الناحية العقلية أو الفنية ، أو الأخلاقية ، إذا أهملنا الناحية الاقتصادية ، وعدم تقدير هذه الناحية جعل الكثير من مجهودات المصلحين ذوي المثالية السامية تذهب أدراج الرياح .
ومعركة تنازع البقاء القائمة في العصر الحاضر تكشف لنا عما تنطوي عليه الحياة من قسوة رهيبة ، وفظاعات منكرة ، وتتمخض من الكثير من الماسى المروعة التي تلقي ظلالا ضخمة على اليقين والأيمان ؛ ولا مفر للانسان من أن يتساءل : كيف ينشأ الخير ، ويتحقق الأمل ، في
عالم غاص بالكراهة والأحقاد الغائرة ، والشرور والأثام ، والعصف والأرهاق ؟ وما قيمة الحضارة والتقدم إذا كانت الكثرة الساحقة من الناس في بقاع الأرض لا تزال تعانى الجهل والحرمان ، ولا تستتمتع بنصيب معقول من خيرات الحضارة ؟ وهذه مشكلات قد يعجز عن الجواب عنها أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة . ولقد استجار
أيوب في أحلك أوقات محنته بالقوة الالهية ، واعتقد في النهاية أن للعناية الالهية خطة وتدبيرا قد تعجز عقولنا عن إدراكه ، وان العدالة المطلقة والصلاح الكامل هما المسيطران على العالم ، وان هناك غاية سامية يعمل السكون على تحقيقها ، ويبدو اثرها في حياتنا المهدورة . والجواب الذي تلقاه أيوب من الله على ما وجهه إليه من ملاحظات ،
هو أن يتأمل عظمة الكون وجلاله ، ويحيل الطرف في روائعه وبدائعه ، وهل مثل هذا الخالق العظيم والمدير القدير لا يوثق بعد ذلك بعدالته ولا يعتمد عليه ؟ الم يكشف العلم وغرائب لم يعرفها ايوب ولا عصر ايوب ؟ إننا نشكو وجود الألم في الحياة ، ولكن تطور الحياة ، وحركة التقدم ، وطبيعة التجديد ، تستلزم وجود الاثم وربا كان من الخطأ ان تذكر ان الانسانية برغم الهفوات والجرائم والحروب والويلات تتقدم إلي الامام وترتفع تدريجا إلي مستوي ارفع من الفكر والأخلاق ، وقد اتسع المثل الأعلى وتهذب ؛ ونفس هذا الاتساع
والتهذيب يحفز النفوس ويوجه العزائم ؛ والتبرم بالحياة والملل من الحاضر دافع إلي استكمال النقص واستدراك العيوب . وكل من يشك في عدالة الكون ويتطاول على نظامة وأحكامه يصح أن يوجه إليه قول الأستاذ عبد الرحمن شكري :
أليس الكون أكبر منك شأنا
وأولي بالقادر والنظام ؟
