الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 138 الرجوع إلى "الثقافة"

العدالة

Share

ينقص الشرق الآن فى (( العدالة )) شيئان : الأول عقلى ، وهو الفهم الصحيح لمعناها ، والثانى شعورى وهو إجلالها وتقديسها .

ولست أقصد هنا العدل الفردى ، كأن يكون عليك دين فالعدل يقضى أن تؤديه والظلم أن تنكره ، ونحو ذلك ؛ فهذا شىء ساذج وصل الناس إلى فهمه من قديم ، وقدسوه من الأزل ، وإن غمض منه شىء فتقدم القانون حل أكثر غموضه ، وأوضح أكثر تعقيده .

وإنما أريد العدل الاجتماعى والتصرفات التى لها أثر مباشر فى حياتنا الاجتماعية . وأهم خطأ نرتكبه فى هذا الباب أننا لا ننظر إلى أثر العمل فى الأمة ، حيث يجب أن ننظر إليها ، وننظر إلى الأفراد حيث يجب ألا ننظر إليهم ؛ ولأضرب لذلك أمثلة قليلة بما يحدث كل يوم :

١ - هذا شخص يعين فى عمل لأنه قريب لعظيم ، ويترك من هو أكفأ منه لأنه لا قريب له ، أو لأنه من حزب الحكومة والأكفأ من الحزب المعارض .

٢ - وهذا شخص يستبقى فى عمله مع عدم صلاحيته لمرضه ، ولا يستغنى عنه ويحل محله الصالح للعمل ، لأن هذا المريض خدم المصلحة مدة طويلة ، أو لأن له أسرة كبيرة ولا عائل لها غيره .

والأمثلة فى هذا الباب كثيرة ، والخطأ فيها ناشىء من النظر للأفراد والواجب أن ينظر للأمة ؛ فهذا الذى عين لقرابته أو لحزبيته أساء إلى الأمة أكثر مما أفادها ؛ فقد حرمها عمل من هو أكفأ منه من جهة ، ومن جهة أخرى كان فى تعيينه إفساد لمعنى العدالة فى عقول

الناس ، وإشعار للأكفاء بأن كفاءاتهم ونبوغهم وتفوقهم كل هذا لا يساوى شيئا بجانب القرابة أو النسب أو الحزبية ؛ وضرر هذا على الأمة كبير ، إذ يجعلها تقوم ما لا يستحق التقويم ، وتهدر ما يستحق الإعزاز ، تهدر الكفاية وتعزز المحسوبية ، وفى ذلك قلب للعدالة وإفساد لصحة التقويم ، وحمل الأ كفاء على العدول عن إثبات كفايتهم بعملهم - وهو الطريق المشروع - إلى البحث عن وجيه أو قريب أو حزب ، يتقربون إليه من طريق الملق لا من طريق العمل ؛ وحسبك هذا من إفساد للخلق .

وهذا الذى استبقى مع مرضه لخدمته السابقة أو لأسرته الكبيرة ، لو نظر فيه إلى الأمة لم يستبق ؛ إذ كيف يعهد إليه بالتدريس - مثلا - وهو مريض ، أو بالقضاء بين الناس وهو غير قادر ، أو نحو ذلك من الأعمال ؟ وكيف ينظر إلى شخصه أو أسرته ، ولا ينظر إلى من يتعدى إليهم عمله من التلاميذ أو المتقاضين ؟ وكيف يخلط بين أجر يتقاضاه فى مقابل عمل ، وبين صدقة يراد أن تجرى عليه فى معهد عمل لا فى مكان إحسان ؟

إن الأمة إذا عقلت أنشأت معاهد الاحسان بجانب معاهد العمل ولم تخلط بينهما ، فلم تبق فى العمل إلا من صلح للعمل ، فإذا لم يصلح فمكانه معاهد الاحسان ؛ وبذلك توفق بين مصالح الناس ومصاح المرضى والمستضعفين ؛ فإذا لم تستطع فلنضح الأفراد لمصلحة المجموع .

فالتفرقة يجب أن تكون تامة بين إحسان يعطى لنوع من أنواع الضعف كالفقر والمرض ، وبين أجرة تعطى فى مقابل نوع من أنواع القوة كعمل أو تفكير أو إدارة ؛ أما الخلط بينهما فى السلوك فخلط فى التفكير .

وخطأ آخر غريب فى فهم معنى العدالة يكثر الوقوع فيه ، وله أمثلة أخرى :

(١) تكون رئيس مصلحة أو مشرفا على عمل ، فيقدم إليك أحد الموظفين فى (( مصلحتك )) خدمة شخصية لك فى إصلاح أرضك أو الأشراف على بناء بيتك أو نحو ذلك ، فتكون مكافأته منك الترقية فى (( المصلحة )) قبل أقرانه ، أو علاوة استثنائية قبل أوانها .

(٢) لك صلة شخصية برجل يجالسك ويلاعبك أو يضحكك أو يتولى لك بعض شؤونك ، أو يهاديك أو يقرظك ويشيد بذكرك ، فتبذل جاهك فى تعيينه أو ترقيته من غير نظر إلى كفايته أو أحقيته .

هذا الخطأ فى فهم العدالة منشؤه الخلط بين النظر الشخصى والنظر للأمة ، وملك الشخص وملك الأمة .

معروف يسدى إلى شخصك فتبخل أن تكافئه مما تملك ، ثم تكافئه بما تملك الأمة ، فيكون القسم لك والغرم على الأمة ، هو ضرب مستور من الرشوة ، إذ لا فرق بين هذا وبين قاض يأخذ الرشوة ويحكم حكما ظالما على حساب الأمة ، فينتفع هو ويتضرر الناس ، بل هذا فى نظرى أخطر من رشوة القاضى ، لأن الرأى العام فى الشرق تكون على احتقار القاضى المرتشى وعد الرشوة جريمة منكرة - ولما يتكون بعد لاحتقار الرشوة من هذا الضرب الذى ذكرت ، وكل يوم يرى منه صنوفا وألوانا من غير أن يظهر استياؤه ظهورا كافيا .

إذا - نحن فى حاجة قصوى إلى التفرقة أيضا تفرقة تامة بين ما يعمل لشخصك وما يعمل للأمة ؛ فما يعمل لشخصك يجب أن تكون المكافأة عليه من مالك ، وما يعمل للأمة يكافأ عليه من الأمة من غير خلط ولا اشتباك .

وهذا الضرب يحتاج من ذى الضمير الحى إلى عناية شديدة ومراقبة للنفس دقيقة ، فانه يلبس فيه على النفس ، ويدخل فيه الوهم ، فيخيل للشخص أن فلانا

أكفأ وأحق وذو صفات ممتازة ؛ ولو حاسب نفسه حسابا شديدا لرأى أن حكمه هذا راجع إلى منفعة شخصية كسبها منه أو ملق تملقه به ، أو نحو ذلك من مسارب النفس الخفية التى لا ينجو من شباكها إلا الراسخون فى العلم ، وقليل ما هم .

قرأت مرة أن وزير مالية فى دولة أوربية عرف بالنزاهة التامة وتحرى العدالة ، عرض عليه أمر يتصل بشركه ولها من ورائه ربح ، فتردد فى إمضائه ، إذ لم يتبين فيه النفع لأمته ؛ ولكنه كان مغرما بلعب الورق فدست إليه الشركة من يلاعبه ، فلاعبه وخسر له مبلغا كبيرا ، ثم بعثت إليه الشركة هذا اللاعب الخاسر يوضح له مسألة الشركة ويبين له فيها وجه النفع للأمة ، فدعا بالورق وأمضاه وهو يكذب نفسه ويظن أنه اقتنع بمعدالة المطلب ، وإنما الذى أقنعه فى الحقيقة مكسبه فى اللعب .                          * * *

وخطأ ثالث يتجلى أكثر ما يكون فى وظائف الحكومة وأمثالها ، وهو إهدار الكفاية وحسن الانتاج لمراعاة الأقدمية أو نحوها .

ويتجلى هذا الخطأ إذا راعيت أن الآلة الحكومية ليست إلا صورة مكبرة لمصنع أو شركة ، فواضح أن المصنع أو الشركة إنما تضع أجور عمالها أو موظفيها على حسب مقدرة كل على الانتاج وقيمة العمل الذى يقوم به المصنع أو الشركة ؛ وبعبارة أخرى غرم الشركة أو المصنع يتناسب تمام المناسبة مع غنمها من العامل ؛ فمن لم يعمل لا يأكل ، ومن عمل أكل بمقدار ما عمل ، سواء كان هذا الموظف جديدا أو قديما ، وشابا أو مسنا ؛ فلا بأس أن يكون الجديد والشاب رئيس القديم المسن ، لأن الأجرة غير الصدقة ؛ قد يراعى فى الصدقة السن والقدم وكبر الأسرة والعجز ونحو ذلك . أما الأجرة فهى نظير

عمل ونظير كفاية ؛ مثلها مثل أجرة البيت وأجرة كل شىء ، تتناسب مع الشىء المؤجر فى جودته أو رداءته ، وصلاحيته وعدم صلاحيته ، وجماله وقبحه ، ثم لا يرعى بعد ذلك أى اعتبار آخر خارج عن الانتفاع بالشىء المؤجر .

فأى نظام لحكومة أو بنك أو شركة يراعى فيه أى اعتبار غير الكفاية والمقدرة وخدمة المصلحة المكلف بها نظام فاسد ، ونظام ظالم ، ونظام خلط فيه بين الرحمة والعدل ، وبين الصدقة والأجر ، وبين معهد الانتاج ومأوى المساكين .

وهذا النظام الذى أدعو إليه وحده هو الذى يفسح الطريق أمام القادرين على العمل ، ويخلق التنافس فى الاجادة ، ويبعث على التسابق إلى المجد ؛ أما نظام الأقدمية وأشباهها فمدعاة للكسل ، وانتظار الزمن فى جمود لإثبات الأحقية بالأقدمية ، وانتشار الخمول الذى نشاهده ونشعر به ونلمسه فى كل تصرف ، ثم قتل الكفايات ، والقضاء على الزهرة الجميلة قبل أن تتفتح ، والمكافأة على الضعف وعدم الاكتراث ، بحكم الأقدمية .

هناك نظام عادل ونظام ظالم فى كلمة ؛ أما النظام العادل فالمكافأة بمقدار الصلاحية والانتاج ؛ وأما النظام الظالم فالمكافأة بالأقدمية أو المحسوبية أو القرابة أو الحزبية ؛ أما النظام العادل فتقدير الشىء من حيث هو ومن غير خلط بين الرحمة والاستحقاق ؛ وأما النظام الظالم فتقدير الشىء لامتيارات لا ترجع إلى العمل ، والخلط الفاسد بين الرحمة والاستحقاق . أما النظام العادل فكتربية الأولاد على أساس المصلحة فقط ، وأما النظام الظالم فكإضاعة المصلحة لداعى الشفقة .

وجه الحق فى هذا الكلام واضح جلى ، ولكن تنفيذه فى منتهى الصعوبة ؛ وكثير من الناس يؤمن بهذا المبدأ ، ولكن يحمله على العدول عنه فساد الميزان فى يد

أولى الأمر وعدم قدرتهم على الحكم الصحيح ؛ فإذا قرر مبدأ المكافأة للكفاية وحدها فكم يرتكب من الجرائم المحسوبية والحزبية تحت ستار اسم الكفاية .

فهذا الميزان الذى أدعو إليه إنما يصلح فى يد القدير الخازم النزيه ، وإلا انقلب إلى ضده وساد الفساد وعمت الفوضى فهيىء الرجال القادرين على استعمال الميزان الصحيح ، ثم ضمه فى أيديهم ، وإلا كان أسوأ من الميزان الفاسد .

هذه هى بعض النواحى العقلية فى (( فهم العدالة )) ؛ أما الناحية الشعورية فهى تعليم الشعب إرهاف الشعور نحوها ، والغيرة عليها غيرة أهل (( الصعيد )) على أعراضهم ، والصرخة تخرج من أعماق القلب الظلم يحدث وعدالة تنتهك ، والثورة على الظالمين حتى لا يعودوا إلى مثل ظلمهم ، وتكون رأى عام يحمى العدالة ويقدسها تقديس عبادة فى كل مكان : فى القرية ، فلا يستطيع عمدة أن يظلم ، لأن الرأى العام للفلاحين يحتقره لظلمه ويهينه لجوره ، ويصرخ فى وجهه لانحرافه عن العدالة ؛ وفى المركز ، فلا يستطيع مأمور أن يظلم ، لأنه لا يستطيع بعد ظلمه أن يبقى فى مركزه لقوة الرأى العام فى دائرته ؛ وفى الأمة كلها ، فالحكومة تحسب ألف حساب للرأى العام ، فيسقطها إذا ظلمت ، ويؤيدها إذا عدلت ، ويقوم الأحزاب فيها بمقدار حبهم للعدالة .

إذ ذاك - وإذ ذاك فقط - تسير الآلة الحكومية فى إدارتها وفى قضائها وفى كل مرفق من مرافقها نحو العدل ، والعدل دائما ، لخوفها من الرأى العام ، وشعورها التام بأن كل عضو من أعضائها ، وأنها فى جملتها مرتكزة فى بقائها على (( العدالة )) والعدالة وحدها .

اشترك في نشرتنا البريدية