أدرك العرب مصر في أواخر النصف الأول من القرن السابع الميلادي ولغة الحكومة فيها يونانية ، تتأدي بها الأغراض الرسمية الرومانية ، ولا عجب أن تكون الحكومة رومانية ولغتها يونانية ، فقد كان كل شيء في البلاط الروماني الشرقي أغريقيا ؛ غير أنه منذ القرن الثالث الميلادي أخذت الروح المصرية القومية في الظهور والقوة ؛ وكان من أثر ذلك أن بدأ رجال الدين المصريون يعظون الناس باللغة القبطية ، بعد أن كانوا يعظونهم باليونانية لغة الحكومة والكنيسة الرسمية . ويبدأ القبط منذ ذلك التاريخ يقفلون الأداب الأغريقية ، ويكتبون أدبهم الخاص بلغتهم الخاصة ، فدونوا بها أشعارهم وتاليفهم في حياة القديسين وتواريخ الشهداء
وهكذا ناهضت اللغة القبطية اللغة اليونانية الرسمية ؛ ولكنها لم تستطع أن تقهرها ، لأنها كانت لغة السلطان ، فلا سبيل إلي القضاء عليها إلا بالقضاء على ذلك السلطان وكان القبط رغم قوة حركتهم وإثمارها ووضوحها ، ما يزالون بعيدين عن التغلب على نفوذ الروم
سارت اللغة القبطية جنبا إلي جنب مع اللغة اليونانية التي بقيت لغة البلاد الرسمية بعد الفتح العربي زمنا ليس بالقصير ، غير أنه على الرغم من نهوض القبطية لم ينتج بها أصحابها أدبا ينافس الآداب اليونانية التي ظلت صاحبة الغلبة والنفوذ . والحق ان اليونانية بقيت بالنسبة لجمهور الأدباء طوال العصر الروماني ضرورة ثقافية لا غني عنها ، بها يكتب الأدباء والشعراء نثرا وشعرا ومن أشهر من كتب باليونانية في القرن الرابع الميلادي
" لوسيانوس " صاحب ) محاورات الموتى " و اخيلاس ثانيوس " المؤلف الروائي ومن أذيعهم صيتا في القرن الخامس الشاعر المصري " قيرس الأخميمي وفي القرن السادس الشاعر الطيبي " كرستودورس "
وإلي جانب اليونانية وآدابها ، والقبطية وما كان لها من ادب خاص ، كانت هناك لغة ثالثة ، هي لغة السريان الذين هاجروا إلي مصر تحت ضغط الغزو الفارسي علي بلدان آسيا الغربية ، وعكفوا علي العمل في أديرة وادي النطرون . ومن عجب أن تصبح لغة السريان هذه " لغة العلم " ولا سيما العلم الطبي فيها كانت تدرس العلوم الطبية في القرنين السادس والسابع الميلاديين . سايرت هذه اللغة السريانية لغة البلاد الرسمية ولغتها القومية . وبلغ من شيوعها ان ترجم إليها الكتاب المقدس ، وكتب بها القس " إهرون " الإسكندري مقالاته في الطب ، وغدت السريانية ضرورة من ضرورات العصر الأدبية لا غني لطالب العلم عن حذقها ، وظلت كذلك حتى عصر النقل الأعظم ، حين قام حذائها بخدمة العرب في عصري المنصور والمأمون ، فنقلوا إلي العربية الكثير من كتب العلم
وعلي الرغم من قوة هانين اللغتين - اليونانية والسريانية كانت لغة البلاد القومية تكافح وتناضل لتتخذ لنفسها مكانة تليق بأمة تطمح إلي الاستقلال وتعمل في سبيله جاهدة ؛ واستطاع القبط ان ينجحوا في الانفصال عن جسيم الدولة انفصالا روحيا تجلي في اتخاذهم مذهبا دينيا مخالف المذهب الرسمي ، وان ينهضوا بفن خاص عرفوا به ، وأن يحبوا لغة آبائهم في شكل من أشكالها ، وأن يستخدموا هذه اللغة في الوعظ والصلاة والتأليف . فكتب بها المؤرخ " حنا النقيوسي ديوانه المشهور ،
وإن يكن قد دون جزءا منه باليونانية . وكذلك كتب بها الرهبان تواريخ البطارقة والقديسين والشهداء ، وترجم إليها " العهد الجديد " .
ومهما يكن من الأمر فلسنا بمستطيعين أن نبالغ في قيمة الآداب القبطية ، فلم تعد أن تكون آدابا دينية في مجموعها ، ولم يعرف عن القبط إنتاج ادبي بحت يمكن بأن يفخروا اللهم إلا القليل من مأثور الحكم وبعض الأشعار
وظل القبط في معزل عن الإسكندريين ورثة العلم اليوناني ، ولعلهم كانوا ما يزالون على اعتقادهم القديم بأن العلم الإسكندري علم وثني لا يجدر بهم ان يتناولوه ولا أن يخوضوا فيه
ادرك العرب الإسكندرية وبها بقية من العلم اليوناني أفسدها الزمن أهم ما فيها مقالات من طب جالينوس " ومأثور من حكم " سقراط " وشيء غير يسير من التنجيم والمعجزات ، وعلم الصنعة ) الكيمياء ( وفلسفة ممتزجة بالدين اشد الامتزاج ، غرضها خدمة المثلي الأعلى المسيحي على أسس من مذاهب أفلاطون وأرسطو
وكان العلم الديني أهم ميدان حال فيه مسيحيو الإسكندرية ، وأغلب الظن أن هؤلاء المسيحيين لم يكونوا من القبط ، فقد كره القبط دراسة فلسفة " الإسكندريين كراهية عظيمة ، ولم يحاولوا ما حاوله غيرهم من استخدام هذه الفلسفة لتقوية العقيدة المسيحية ، بل لقد آثروا أسلوبهم الخاص في الدفاع عن العقيدة ، متخدين من الصعيد معاقل يحتمون فيها من اضطهاد مخالفيهم وعنهم وعدوانهم ؛ لهذا كله وفد العرب على القبط فلم يجدوا بين أيديهم أدبا أو علما أو فلسفة ؟ ولم يفت العرب أن يستفيدوا مما وجدوا في الإسكندرية من طب القدماء وعلومهم المختلفة ، فنقلوا منها الشئ
الكثير في العصرين الأموي والعباسي . ومن أشهر الناقلين عن علوم الإسكندرية في العصر الأموي " خالد ابن يزيد بن معاوية " الأمير الذي ينسب إليه استخدامه لكثير من العلماء ذوي الدراية باللغة السريانية في نقل طائفة من معارف الإسكندريين في علم الكيمياء ، و " ابن أبجر الكناني " الطبيب الذي استخدمه الخليفة عمر بن عبد العزيز في نقل عدد من كتب الطب إلي العربية . ومن أشهرهم في العصر العباسي " حنين بن اسحق " و " سرجيوس الرسمني " و ابن الداعمي وابن أخته . وقد قدر للعربية في هذا الطور من أطوار العلم أن تصبح لغة من لغاته الكبرى ، وغدت بفضل هذه الحركة المباركة تقف بين اللغات الكبرى مفاخرة بما ادته للثروة العلمية الانسانية ؟ ومنذ ذلك الحين أصبح من الضروري لكل باحث في التراث العلمي الانساني حذق العربية ؛ وما تزال لها في أوساط الاستشراق منزلتها الرفيعة ؛ فمن من المستشرقين يستطيع أن يغفل تعلمها ، أو يفض من شأنها في البحث العلمي ولقد قام فريق من المستشرقين بنقل كثير من المصنفات العربية إلي اللغات الأوربية ، بقصد أن ييسروا مهمة الباحث الأوربي ، وأن يكفوه مؤنة الالمام بالعربية ، ولكن بحثا يعتمد علي المراجع العربية ، ولا تكون العربية مصدره المباشر ، بحث لا يسلم من الخطأ إلا في القليل النادر ؛ لهذا كان الكثير من آراء المستشرقين ، ولا سيما الذين يجهلون العربية منهم ، أو بل يلمون بها إلماما ضئيلا ، أبعد ما تكون عن الصواب ؛ ولا يجدر بنا - ولغتنا هي العربية ، وحذقنا لها أشد وأقرب إلي السليقة - أن تلجأ إلي ما كتب المستشرقون ، نستشهد به في تواليفنا ، ما دامت المراجع العربية الأصلية في متناول أيدينا ، لا تخلو منها مكتبة من مكتباتنا الكبري .
ويثير الدهشة ويدعو إلي العجب حقا ان ينزل العرب بلدا كمصر لغته الرسمية يونانية ، وبها من اللغات الاخري السريانية والقبطية : الأولى لغة العلم والثانية لغة مناهضه للغة الدولة الرسمية ، يعمل القبط غاية جهدهم في نشرها ، ويتخذون منها اداة لهدم ما بينهم وبين الدولة الحاكمة من روابط ، فلا ينقضي طويل زمن حتى تغزو العربية هذه اللغات جميعها في مكانتها ، فتقضي علي اليونانية قبل انصرام القرن الأول الهجري بعد مهادنة قصيرة ، ثم لم تلبث أن اتخذت من السريانية وسيلة لنقل علوم الإسكندريين ولم ينفض القرن الثالث الهجري حتى وجدت سبيلها إلي الكنائس القبطية ، فوعظ بها رجال الدين ، وكتبوا بها سير الآباء المسيحيين ، وخطوا بها الإنجيل . وفي القرن الرابع الهجري قام الأسقف " ساويرس بن المقفع " بمعاونة نفر من رجال الدين الأقباط بنقل ما وجدوه بالقلم القبطي والقلم اليوناني إلي القلم العربي
وكانت العربية في كل ذلك قوية جارفة ، ثم تقو اليونانية أو السريانية أو القبطية على الوقوف في سبيلها
كان انتشار العربية غداة الفتح محدودا ، فلم يكن يتكلمها إلا العرب في مضاربهم ، ومن جاورهم من أهل البلاد ممن دفعهم الضرورة المعاشية إلي تعلمها . وكان الاسلام ذاته دافعا كافيا لمتنقيه إلي تعلم العربية حتى يتمكنوا بها من قراءة الكتاب والسنة وتفهم اصول الدين ؛ وكان لانسياب العرب في الريف المصري في كل خريف ، واتصالهم بالمصريين أثر كبير في انتشار العربية بين طبقات المصريين
ثم جاءت حركة الاستعراب الكبرى ، فذهب القبط فيها إلى إهمال كثير من مظاهر قوميتهم ، وسارعوا إلي اعتناق الدين الجديد ، واتخاذ لغته في أمورهم الخاصة وفي معاملاتهم مع المسلمين وتحمل لنا اوراق البردي
المتخلفة عن العصر العربي الأول والمحفوظة بقسم الأوراق البردية بدار الكتب المصرية ، أصدق الأدلة على شيوع استعمال العربية بين القبط ؛ ففيها وردت اسماء قبطية في عاملات جرت بين مسلمين واقباط ، وبين اقباط واخرين من بني ملتهم ، بحيث اصبحت لغتهم القومية في المحل الثاني بالنسبة للعربية التى غدت لغة الحكومة منذ عربي الدواوين في خواتيم القرن الاول الهجري ، ولغة الأفراد منذ زمن أكثر تبكيرا من ذلك .
وقامت القبطية في الكنائس والأديرة . ولم تنج من مهاجمة العربية لها في عقر دارها كما قدمنا ، فقد عمرتها هذه وشاركت " اللغة القومية " في مهمتها الدينية ذاتها ، فكانت المراسيم الكنسية تصدر بلغة البلاد الأصلية ، ثم تشرح بالعربية لتتمكن غالبية الاقباط من فهمها ، إذ بغير ذلك لم يكن إلى فهمها من سبيل ؛ وأصبحت اللغة القبطية بدورها لغة كمالية ، لا يحذقها إلا المثقفون من المصريين ، كما كان الحال قبيل الفتح العربي ، حين كان العالم يفخر بحذقه لغة اليونان او لغة السريان ، وكما هو الحال الآن بين طوائف المثقفين الذين يحذقون اللاتينية والأغريقية من قبيل الترف الفكري . وهكذا قضت العربية بالتدريج علي لغات اليونان والسريان والقبط ، وكتب لها في عالم الثقافة نصر كبير

