-٣-
ولننطلق الآن من نطاق تاريخ العصور الوسطى لننظر في دوائر السياسة العالمية في عصرنا الراهن. من ذلك التاريخ المجيد ، الذي لخصته لكم فيما سبق . تخلص إلى نتيجتين جديرتين ، في نظري ، بالتأمل والتقدير :
النتيجة الاولى :
هي أن وظيفة العرب وثقافتهم من النواحي التي بحثناها في هذا المقال . كان لها من الأثر في حوض البحر الأبيض المتوسط ما يجعلنا تعتبرها عاملاً قوياً من عوامل تاريخ الغرب الثقافى . فعقلية الرجل الأوربي قد بنيت على أساس من الثقافة العربية ، تماما مثلما تشبعت عقلية الرجل العربي ثقافة الإغريق في العصر القديم وثقافة الغربيين في العصر الحديث .
هناك إذاً تراث مشترك بين هذين العالمين المتقابلين . وهذا التراث قد يكون خلال حقبة طويلة من تاريخ الحضارة وكان ثمرة عمل متصل شاق من الجانبين . وهو بما أعطى من نتائج خصبة عظيمة ، قد مهد لمستقبل من التفاهم والتعاون يستند إلى أساس قوى مشترك بين كلنا ضفتى البحر الأبيض المتوسط . .
النتيجة الثانية :
هي أن أمجاد تاريخ العرب وثقافاتهم يجب أن لا يعتبرها الغربيون مسألة ثانوية في موضوع علاقاتهم السياسية الحالية مع دول الشرق . فالوحدة الثقافية " العربية الإسلامية كانت أساس الحركات السياسية العربية في القرن العشرين ، وما زالت عاملاً مهماً يدفع البلاد الشرقية إلى الاتحاد والتكتل فيما بينها ؛ ونحن نشهد اليوم الكثير من هذه الأدوار السياسية . والشعوب العربية مزهوة - وهي على حق في ذلك - بتاريخها المجيد الذى ينجلى لنا ويتضح يوماً بعد يوم . .
ولا شئ يدلنا على أثر مثل هذه الأفكار أكثر من النتائج العظيمة التي حصلت عليها في الشرق تلك الحركة الثقافية التي قامت بها المدرسة الإسبانية للدراسات العربية :
فالعلماء الإسبان من أمثال كوديرا وآسين بالاثيوس وجونزالز بالفياو ومنتدذ بيدال وجارثيا جوميث ، قد كشفوا للناس عن قيمة العلاقات التاريخية التي كانت بين إسبانيا والشرق ، وجعلوا من انتصارات إسبانيا الإسلامية في مبادئ الثقافة والفن مجال فخر للشعب الإسباني في العصر الحديث . وأثر شبه الجزيرة الاميرية في تطور الحضارة الغربية لجدير حقاً بالتقدير والتعظيم . . .
والإيطاليون من ناحيتهم يقدرون أيضاً حق قدرها الثقافات العربية التي انحدرت إليهم من صقلية خلال ثلاثة قرون متوالية ، منذ عهد ملوك النور ماند بين إلى حكم الملك فردريك الثاني .
وحديثا في هذا المقام لا يعني الماضي وحسب . فعلى أساس من التقدير والتعاون ، بين دول ذات تاريخ مجيد وتراث مشترك ، يجب أن تقوم علاقات دائمة بين أوربا الغربية والشرق الأدنى ، لكي تستقر الأمور ويستتب السلام .
وإني أعلم جيداً أنه لا يوجد بيننا أحد يجب أن ينهم يقصر النظر وعدم فهم حقيقة هذه المشا كل ، كما أعلم كذلك أن أحداً منا لا يستحق هذه التهمة .
وعلى هذا أقول إنه يتحتم علينا ، في أعمالنا وتسرعاتنا ، أن نعترف اعترافاً جلياً بأن أهل الغرب ليسوا أصحاب الكلمة العليا في الشرق ، وأن ليس من حقهم التصرف فيه كيفما شاءوا ؛ بل هم أصدقاء تدفعهم المصلحة المشتركة إلى التعاون مع الشرقيين لتنمية ميراث موحد من الحضارة ، خلفته الأجيال السالفة من الأجداد على ضفاف البحر الأبيض المتوسط . .
فلنتتبع باهتمام تلك الجهود التي تقوم بها دول الشرق الأدنى في سبيل المحافظة على استقلالها في هذا الجو المضطرب الذي يميز عصرنا الحاضر .
بل علينا أن نقوم بعمل إيجابي مثمر في هذا المجال ؛ ودول أوربا الغربية يجب أن تتخذ حيال البلاد الشرقية المستقلة سياسة من التعاون الصحيح تكفل بقاء هذا
( البقية على الصفحة التالية )
الاستقلال بقاء حبا حقيقيا في مختلف المبادئ : فهناك أخطار جسيمة تتهددنا في الشرق الأدنى إذا جارت إحدى الدول الغربية على استقلال بلدانه . . وحالة العالم اليوم من الاضطراب بحيث لا نسمح لأحد أن يساهم في خلق أزمة جديدة بين ربوع هذا الجزء الخامس من الكرة الأرضية . . .
ولكن هذه السياسة القائمة على أساس من الصداقة بين الغرب والشرق ، يجب أن تستند أيضا إلى عامل مهم من الجانب الغربي : ألا وهو أن تؤمن الدول الأوربية كل الإيمان بأن سياسة التعاون - التي رسمت لكم خطوطها الرئيسية - ينبغي أن تكون عامة ، وشاملة لجميع البلاد دون استثناء ، في فكرتها ومبادئها ، وفي تفاصيلها إن أمكن . . .
فمن الغرور أن نتجاهل تلك الحقيقة القديمة التي تقول بوحدة السلام في العالم كله .
وإن الحقيقة تتمثل لنا في أغلب الحوادث التي نشدها اليوم . . .
ولن توجد قط على سطح الأرض منطقة منعزلة تمام الانعزال يستطيع الإنسان فيها أن يعتبر نفسه خارجاً عن القيود التي تربط أبناء البشرية جميعا برباط التعاون والتكاتف . .
. . أما أنا ، فلست من علماء السياسة ، بل لست أريد أن أكون من علمائها . . ولكني أعتقد صادقا أنه لا توجد هناك سياسة عظيمة ما لم تكن مستندة إلى مثل أعلى عظيم . . .
فليعمل ساستنا على أن يخلقوا بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط روحاً من التعاون القوي يضم تحت رايته الشعوب كلها ، سواء كانت ذات أصل روماني قديم أو عربي مجيد . . .
ففي هذا التعاون قد وضعنا آمالنا في مستقبل الحضارة الإنسانية . . .
( تم البحث )

