-٢-
...ثم إن شعر الملاحم في العصور الوسطى ، وهو يعتبر من ارفع مظاهر الأدب ، ظل يتخذ من حروب أهل الغرب مع العرب موضوعاته المفضلة منذ أن ألفت ملحمة "رولاند" Chanson De Roland (وهي أقدم الملاحم الفرنسية) إلى ان نظمت قصيدة " السيد " El poema de mio cid الإسبانية المشهورة .
والشاعر في سرده لوقائع هذه الحروب لم يستطع ، برغم اتساع خياله ، أن يتجنب الإشارة إلى عادات المسلمين وتقاليدهم ونظمهم الاجتماعية . وقد يكون كلامه في هذا المجال غامضا في بعض الأحيان ، ولكنه في الغالب يبلغ حدا لا بأس به من الدقة والوضوح .
وهناك مسألة أخرى يهمنا بحثها : وهي مسألة وجود آثار شرقية في تكوين موضوعات القصائد الخماسية من الشعر العربي . .
ولا يستطيع أحد أن ينكر أن مجموعة من الموضوعات ذات الأصل العربي الاكيد قد تسربت في نهاية القرن الثاني عشر البلاد إلى الشعر الحماسي في أوربا الغريبة ، ونفذت إلى الأوساط الأدبية في إيطاليا وفرنسا وألمانيا .
لكنا نلاحظ أن التأثير هنا لم يكن من جانب الأدب العربي الفصيح بل كان الفضل فيه للأدب الشعبي شكلا وموضوعا .
فقصص وقائع الفرسان ومغامرات الأمراء - التي كانت أصل الخرافات الغربية الخاصة بصلاح الدين - تختلط بالأساطير التي تنشد في الأسواق حيث يلتقي الحابل بالنابل ، والمسيحي بالمسلم ، خلال أيام السلم أو الهدنة بين الطرفين المتحاربين . كذلك الأساطير الرائعة التى كانت تحكى في بعض البلاد المجاورة لإسبانيا أو في الشرق اللاتيني ، تراها تمتزج بغراميات المعتمد بن عباد في أشبيلية وبمغامرات السندباد البحري في بحار الهند ، أو بأحاديث الخليفة الحكم في قرطبة .
وإننا لنقرأ أيضا في ملحمة جالران دي بريتاني "Qaieran de Bretagne" عن اميرة شابة فرض عليها معلموها في البلاط حفظ الأغاني العربية إلى جانب القصائد الفرنسية .
وفي الشرق اللاتيني نجد ملحمة عنوانها (قصة المساكين) - chanson des cbetifs - ألفها شاعر من التروبادور الفرنسيين عاش في سوريا . وهي تصور أوضح تصوير التأثير التبادل بين العالم المسيحي والعالم العربي ، فأبطالها جماعة من الفرسان الصلبيين أسرهم أمير عربي ، واستعان بهم في محاربة السلطان وقد رجموا بعد مغامرات متعددة إلى معسكر قومهم .
وقصة القائد عمائويل " stratege Emanuel" وهي فصل من ملحمة إفريقية - تدور حول موضوع مماثل ، أثاره ما كان قائما بين بيزنطة والعرب من حروب ؟ وتلك الحروب ، كما نري ، لم تكن لتحول دون تسرب التأثيرات الأدبية من معسكر إلى آخر ، برغم العداوة بين القوتين المتنافستين . .
ولننظر الآن إلى جانب آخر من موضوعنا ، جانب المسيحيين من أهل الشرق :
لقد تكونت في فرنسا ، في القرن الثاني عشر ، مجموعة من الحكايات تدور حول معجزات السيدة العذراء ، وكان للآداب الإسبانية والإيطالية أثر كبير في تكوينها . . وأتى بعض الباحثين في العصر الحديث فأثبتوا أن تلك المجموعة من الحكايات قد انتقلت إلي البلاد السورية التي فتحها الصلبيون ، فترجمت من الفرنسية إلى العربية في بداية القرن الثالث عشر .
وهكذا دخلت الأحاريث المقبلة من فرنسا وإسبانيا
وإيطاليا في آداب المسيحيين العرب من أهل سوريا وفلسطين ومصر . . ووصلت أخيرا حتى بلاد الحبشة البعيدة ؛ فنحن نجد أن قصص حجاج شارتر وشنت باقب وروما قد ترجمت إلي لغة الأحباش في عهد النجاشي داويت الأول er Dawit ١
وكان هناك تيار آخر للتأثير من الشرق المسيحي إلى الغرب . فمن المعروف اليوم أن أيقونة السيدة العذراء التي كانت محفوظة في صيدانية (وهي مكان دير قريب من دمشق) قد نقلها فرسان المعبد - Temptiers - الصلبيون إلى أوربا . وهؤلاء الفرسان كانوا يراقبون وقود الحجاج في سوريا ، ويحرسونهم من قطاع الطرق ، وكانوا يؤمنون بأن لأيقونة عذراء صيدانية معجزات عظيمة . فاذاعوا أساطيرها العربية الأصل بين أهل أوربا ، وترجمت تلك الروايات إلى اللاتينية والفرنسية والإيطالية وغيرها من اللغات؛ ونلاحظ أن في هذه الترجمات حكايات كثيرة عن حجاج مسلمين أتوا الدير يتوسلون بأيقونته فأنقذتهم مما كانوا يشكون منه . مثال ذلك ما يروي عن السلطان المسلم الأعمى الذي ارتد إليه بصره بفضل الزيت المقدس المأخوذ من هذا الدير ، وقد وضعت هذه القصة في قصيدة باللغة الفرنسية .
من هذا نستطيع أن نقرر أن الحال فيما يتعلق بالمسيحيين العرب وعلاقتهم بالغرب ، كان حال تأثير متبادل قوي ، مثلهم في ذلك مثل العرب المسلمين تماما . .
والتبادل بين الغرب والشرق لم يقتصر فقط على نطاق الأدب . فإن أعظم أثر بقي لنا من آثار فن الرسم العربي في القرون الوسطى نجده في زخارف " كنيسة القصر caplla palatina" بمدينة "يلرم" .
وقد درست هذه الزخارف ونشرت أخيرا . وهي ذات أهمية جوهرية بالنسبة لتاريخ فن الرسم .
إنها تعرض لنا ، ضمن ما تعرض ، مجموعة من صور الحياة في قصور مختلف الأمراء ، ومن بينهم أحد الأمراء الشرقيين . وقد ثبت أن موضوعات هذه المجموعة ترجع إلى أصل فارسي . ولكننا لا نعدم أن نجد بين رسومات يلزم صورا ذات طابع واقعي أوحت بها مظاهر الحياة المحلية : مثال ذلك كثرة لاعي العود بين سمار الأمراء ؛ وتلك خاصة صريحة لذلك العصر في هذه البلاد .
وتدعونا عوامل قوية إلى الاعتقاد بان زخارف بلرم
قد صنعها فنانون من المسلمين جاءوا من مقاطعة الرها " Edesse"بآسيا الصغري .
ومجموعة الصور ذات الأصل الفارسي ، التي ذكرناها ، تبين لنا في جلاء كيف كانت العلاقات بين العالمين العربي والغربي : فهذه الصور التي توجد في كنيسة ملوك بالرم من النورمنديين ولد "Normands" تمثل حياة امراء الشرق المترفين المنعمين ، وقد أوحى بها التفكير والخيال الشرقيان ، اللذان انتقلا عن طريق صقلية إلى إيطاليا ثم إلى أوربا كلها . .
وأريد أن أنبه القارئ إلى خطأ قد يقع فيه بعد قراءة هذا الحديث : وهو ان يعتقد أن الناس قد عاشوا في هذا العصر وفي هذه المناطق التى تتحدث عنها ، في حالة من التسامح الديني العام ، وأن الصراع والتنافس في المسائل الدينية والفكرية قد أصبحا محض ذكريات .
لا ! لم تكن الحال كذلك
فقد وجد هناك صراع قوي متواصل ؛ ولكن ذلك الصراع لم يحل دون تنقل الأفكار والفنون والعلوم وبعبارة أخرى : الثقافات الإنسانية - خلال الحدود من معسكر إلى آخر ؛ فيتهل كل فريق من الموارد القوية الحصبة التي جعلت من التنافس بين قوتين متقابلتين عاملا عظيم الأثر من عوامل تقدم الحضارة الإنسانية وارتقائها .
ويمثل هذا المعني ، وهو أسمى المعاني على الإطلاق، تستطيع أن نقول إن الازدهار الرائع للحضارة الغربية، بين القرن الثاني عشر والقرن الرابع عشر . كان نتيجة للوحدة الثقافية بين شعوب البحر الأبيض المتوسط .
فهذه الوحدة تظهر واضحة ، حتى أثناء الحروب التي كانت المسيحية تصارع فيها الإسلام ، بل هي قد استفادت أحيانا من هذه الحروب .
فوراء أفق الوقائع والمعارك الدامية كان تعاون بني الإنسان يجري نشيطا يمهد للمستقبل . .
وإن أوربا الغربية ، بعد أن تلقت من الشرق كل تلك الأشياء التي عملت على السير بها قدما ، قد استطاعت بفضل المجهود الطويل الشاق الذي بذلته اجيال من المفكرين والفنانين أن ترفع حضارة الإنسانية بضع درجات نحو الكمال . .
(للبحث بقية)

