الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 628الرجوع إلى "الثقافة"

العرب ووحدة البحر الأبيض

Share

- ١ -

إن الحالة الحاضرة للسياسة العالمية سوف تبدو دورا شائقا من أدوار تاريخ إنسانيتنا الشقية إذا لقيت من بين المؤرخين من ينظر إليها في جرأة نظرة الباحث المجرد من الميول ، كما لو كان يدرس عصرا من عصور التاريخ القديم .

لقد كانت سنة ١٩١٤ خاتمة مرحلة عظيمة من مراحل التاريخ . وها نحن الآن نشاهد الاضطرابات التى تؤذن ببداية مرحلة جديدة ، بل نشارك - آسفين - في هذه الاضطرابات ؛ فالعالم كله مجال لها ، والتاريخ لم يشهد أزمة كأزمتنا الحاضرة منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية ، ومنذ الأزمة التي أعقبت عهد النهضة الأوربية المجيد .

فهل نستطيع بعد ذلك أن نقول إن تلك الأحداث الخطيرة قد وجدت في عصرنا الحاضر رجالا يستطيعون الوقوف في وجه الازمة القوية ؟ . فاما فيما يتعلق بالمستقبل ،

فعلينا أن نكون متفائلين ، وأن نأمل منه خيرا . وأما فيما يتعلق بالماضي ، فإنى قد شهدت شخصيا خلال السنين الأخيرة بعض الاجتماعات والمؤتمرات الدولية كان الغرض منها تقرير مصير اللايين من بني الإنسان ، والحق أقول : لقد هيئ لي في تلك المناسبات - واسمحوا لي أن أستشهد بالشعر العربي - أن " السياسة " كانت تقول للحكمة هذا البيت الرائع الذي أنشده الشاعر العربي صاحبته :

" وكثير لدي منك القليل . . "

فيجب إذا على الكتاب جميعا أن لا يخونوا الحقيقة ، وان يساهموا بكل تجاربهم ، وبكل قواهم الفكرية ، في إقامة عدالة جديدة وسط سلام جديد ، على أنقاض الأزمة التاريخية التي تعذب إنسانيتنا المجهدة ، وفي أعقاب الشقاء الذي جلبه ذلك التطاحن الأليم .

وإني هنا انتقل بالبحث خلال الزمان والمكان لأدرس أشياء تتعلق بالقرون الوسطى . لكن الواقع أننا في قرننا

العشرين ، قرن الذرة ، في حاجة إلى تعلم الكثير من أجدادنا الذين عاشوا في ذلك العصر البعيد . وأسارع إلى القول بأني لا أدعوكم إلى بعض المناظر الخيالية من حياة هذه القرون ، ولكني سوف أخذ أساسا لبحثي الواقعي حالة تاريخية مماثلة لحالتنا الحاضرة ، قد تكون مفتاحا لفهم بعض جوانب المسائل التي تهمنا في حياتنا اليوم ، والتي تريد - في شيء من الغرور - أن تصل إلى تفسير وحل لها . .

في ذاك العصر ، كان يقوم على ضفاف البحر الأبيض المتوسط عالمان متقابلان متنافسان .

فهل انعدمت الصلة انعداما كليا بين حضارتي هذين العالمين ، الغربى والإسلامي ، المتطاحنين في ميادين السياسة والدين والنظم الاجتماعية ؟ . . وهل قام قط بين الشرق العربي والغرب المسيحي في العصر الوسيط حاجز منيع . ولا أقول ستار حديدي ؟ .

إن بعض الأفكار الشائعة يصعب على الناس التخلص منها ، بل قد قدر لها في بعض الأحيان أن تبعث من جديد ، برغم أن العلم قد نسخها وقضى عليها منذ أزمنة طويلة ؛ ولقد تحدث أقوام ، وما زالوا يتحدثون ، عن لون من النفور العميق فرق بين العالمين المتنافسين ، وتمنع التأثيرات الفكرية والتبادل الثقافي الخصب . ولكننا نستطيع اليوم أن تؤكد - على العكس من ذلك - وجود تيارات للتبادل الأدبى والعلمى والفني بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي في العصر الوسيط ؛ وأن هذا التبادل ساهم مساهمة أصيلة في تطور الحضارة الأوربية .

وكلنا نعلم الأثر الذي كان للفلسفة العربية ، ولا سيما فلسفتي ابن سينا وابن رشد ، في الحركة الفكرية الغربية .

ولكن من ناحية اخري ، يجب أن لا تقع في الخطأ العكسي ، وهو أن نتخيل أن الفلسفة العربية جاءت وكأنها إنقاذ إلاهي تدارك أولئك الغربيين المتأخرين ؛ فقد كان الفكر الأوربي قد مهد لتطوره بعمل طويل متصل . وكان قد فتح لنفسه بمجهوده الخاص طرقا كثيرة مختلفة للتقدم . ولن أذكر في هذا المقام سوى التيار الفكري الأوغسطيني وأسماء جان سكوت ، وأوريجانس وسانت أنسلم

الأوستي ، وبطرس ابلار . أي أن الفلسفة العربية لم تلق في الغرب حالة من الخمول الفكري أو انعدام روح البحث العلمي ؛ ومن الأوهام الشائعة القول بأن العصور الوسطى كانت تمتاز علي الأخص بالتمسك بالقديم ورفض البحث في الموضوعات الجديدة . .

لكن الذي لاشك فيه هو أن ظهور فلسفة أرسطو في الغرب عن طريق شراح العرب وفلاسفتهم كان الأساس الأول للثورة الفكرية في هذا العصر . ونحن نعلم اليوم أن المفكرين المعاصر بن لهذا التأثير العربي قد قابلوه بكل ترحيب ، ومنهم رجال من امثال جيوم دوفرني ، وروجر بيكون .

كان الفكر العربي إذا يتسرب إلى أوساط الطبقات الحاكمة في مستهل القرن الثالث عشر ، كما كان يتسرب إلى المدارس والجامعات في ممالك الغرب المختلفة . فنحن نجده في بلاط أمراء بلرم ، وفي جامعة السوربون ، وفي بولونيا ، وفي أو كسفورد ، وهو يصل إلى هذه الأوساط على شكل قوة فعالة ، ويمتد أثره خلال قرنين من الزمان حتى عصر النهضة ، أو عصر الصراع بين أنصار الفلسفة القديمة وانصار ابن رشد في " بادوا " في القرن الخامس عشر .

وقد أثبتت بعض الأبحاث الأخيرة التي ألفت في موضوع نهاية العالم وأحوال يوم القيامة كما ترد عند المسلمين والنصاري وفي الغارية بيتها - وهو موضوع شائك من الناحية الدينية - أن أهل أوربا من قراء الفلسفة الجديدة في أوكسفورد وباريس ، كانوا يفسرون الآراء الإسلامية عن الحياة الأخرى ، على نحو يظهر التناقض بين آراء فلاسفة العرب والتصورات الشائعة في معتقدات العامة من المسلمين . فكان يقال في الغرب إن جنة ابن سينا أو ابن رشد ليست هي مجموع اللذات المادية التي يطلق عليها العامة اسما شاملا هو " جنة محمد " . وقد ذهب بعض المفكرين امثال جيوم دوقرني - مطران باريس - إلى إظهار شيء من الجوانب الحسنة في النبي محمد نفسه ، ورجحوا أن الخرافات التي أطلقت عنه قد دست عليه في المخطوطات بسبب الإهمال أو الجهل . كما أننا نجد في بداية القرن الثالث عشر فيلسوفا ، يظن أنه من أصل صقلي ، يتحدث عن محمد بإخلاص ويضع اسمه إلي جانب اسمى المسيح وموسى .

فهل بعد هذا يتحدثون عن الحواجز المنيعة وعن حالة النفوز بين العالمين ، الشرقى والغربي ؟ . . إن الحالة علي العكس من ذلك ، حالة تأثير متبادل قوي خطير . .

ومن ناحية اخري قد أثبتت الأبحاث الحديثة كيف أن المعلومات التي كانت تصل إلى الغرب ، عن طريق إسبانيا خاصة ، فيما يتعلق بالأفكار الإسلامية عن الحياة الأخرى . كانت تنتشر انتشارا عظيما ، بل كانت تترجم احيانا إلي

لغات عديدة وكذلك كان الحال مثلا مع كتاب " معراج محمد ( الذي وجدناه في اللغات الأسبانية ) القشتالية ( والفرنسية واللاتينية ، ومع الجزء الرابع من الكتاب المسمى  le omtil  لرايموندوس لوليوض ) وجدناه في اللغات الكتلانية واللاتينية والأسبانية ، وفي اللغة الفرنسية تحت عنوان جديد هو " شريعة المسلم " ( ومع كتاب " القوانين والشريعة عند المسلمين " لجيوم الطرابلسي ) باللغتين الفرنسية واللاتينية ( ، ومع غيرها من الكتب

إن الأفكار التي تضمنتها هذه المؤلفات فيما يتعلق بالجنة والنار عند المسلمين وبمعراج النبي محمد ) ص ( إلي السماء ، قد تسربت حتى إقليم توسكانيا في إيطاليا حيث عاش الشاعر دانتي ، فأثرت في عبقريته ، وفي تصوره الشاعري للكوميديا الإلهية ، سواء كان هذا التأثير مباشرا أو غير مباشر

والكلام عن الشعر يدفعنا إلي الكلام عن مجموعة اخري من المسائل تتعلق بالأدب والفن .

ولنتحدث أولا في ميدان الشعر الغنائي lepioue : فمنذ عصر الشاعري جيوم دي بواليه إلى نهاية القرن الثاني عشر نلاحظ أن هذا الضرب من الشعر يزدهر في إقليم البروقانس الجنوب الغربي من فرنسا ، ويفيض منها على العالم الغربي كله . وليس الحال هنا حال موجة من موجات الأدب الشعبي البحت ، بل هو على الأرجح حال فن رفيع . كامل للمقومات ، نشأ في بيئة مصقولة الإحساس عذرية العاطفة

فهل تكون هذا الضرب من الأدب الزاهر تكونا  ذاتيا في الحقول والرياض التي عف بضفاف نهر الدورانس ؟ . . إن أبحاث خوليان ربيرا قد أثبتت منذ سنة ١٩١٢ أن أوزان الشعر البروقانسي قد تأثرت تأثرا مباشرا بالشعر

العربي الأندلسي . ويهمنا أن نلاحظ أن الشعر الغنائي العربي الأندلسي الذي نتحدث عنه كان موجودا في محيط شعبي خارج عن محيط الأدب التقليدي الفصيح .

فالتطور من الزجل الأندلسي إلي مقطتعات أهل البروقانس قد تم إذا عن طريق العامة من الشعب ، لا عن طريق التأثير بين أدبين راقيين فنيين . وإذا نحن خرجنا من دائرة الوزن والنغم ، فإنه يصعب علينا - على الأقل بعد أبحاث متنديث بيدال ونيكل وهنري بيرس  وغيرهم - أن نرفض مبدأ استقلال الأدب الغنائي عند أهل البروفانس في فكرته وبيئته - عن الأفكار والبيئات المشابهة لها في قصور إسبانيا ، ثم في بلاط أمراء صقلية والشرق اللاتيني ، حيث اختلط العرب والغربيون برغم تنافسهم .

وليس أدل على ذلك الاختلاط من تلك اللوحة التي تجدها في مخطوط " أغاني القديسة مريم " بساتا ماريا الذي صنفه الملك ألفونس - حكيم قشتالة - والتي تمثل راوية مسيحيا وشاعرا عربيا ؛ بينما نجد من ناحية اخرى لوحة في مخطوط لبير ديبولي تصور ملك صقلية ، رجاد النور ماندي ، على سرير الموت ، وإلى جانبه عالم من علماء الفلك العرب مع طبيب حكيم ، عربي الأصل هو الآخر .

) للبحث بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية