من القوانين الشائعة في علم الاقتصاد السياسي القانون المعروف بقانون العرض والطلب . وهو الميزان الذي تقدر به اثمنان الأشياء ، وذلك بوضع كميه الأشياء المعروضة - او السلع كما تسمى في عرف علم الاقتصاد في كفة والمطلوب منها في الكفة الآخر ، ثم الموازنة بين الكفتين . فإن كانت الرغبة في السلع شديدة ، والتهافت عليها عظمها زادت قيمتها وارتفعت أسعارها . وإذا كانت الكمية المعروضة كبيرة والرغبة فيها قليلة قلت قيمتها وانخفضت اسعارها ، ولو كانت عظيمة الفائدة في ذاتها او لو كانت تكاليف عملها باهظة . واقرب مثال لذالك القطن المصري ، فإن زاد المعروض منه على حاجة الأسواق إليه انخفض سعمره ، على
غير ما هي الحال إذا قل المعروض منه واشتدت الحاجة إليه ؛ حتى لقد روي بعضهم ان العبيد من العمال في اسبارطة لما زاد عددهم ورخص ثمنهم رخص للأغنياء من الشبان او للشبان من الاغنياء ان يقتلوا العزل منهم في لهوهم ورياضتهم ، حتى نقص عددهم فارتفعت اسعارهم . وما إتلاف محصول البن في البرازيل او إحراق القطن في اميركا إلا مجاراة لهذه القاعدة ؛ ومن هذا النوع شراء حكومتنا قطننا منذ بضع سنوات وخزنه ، لتقليل المعروض منه لزيادة سعره
ومما وصل إليه العلم الحديث خزن بعض الفواكه والخضراوات والبقول بحفظها في علب محكمة لحين الحاجة
إليها ، وخزن اللحم والسمك بالتبريد ونقلهما من بلاد إلى بلاد ؛ وطريقة الحفظ هذه وإن عادت بفوائد عظيمة كحفظها لحين الحاجة إليها في غير أوقاتها أو لنقلها من بلاد تكثر فيها هذه الأشياء عن حاجة أهلها إليها لبلاد اخرى بعيدة تحتاج إليها لقلتها فيها ، فقد يستغلها بعضهم استغلالا غير مشروع يخزنها وتقليل العروض منها بطريقة الاحتكار لرفع أثمانها
ومن الغريب أن الهيئات الطبية في أغلب البلاد التي كثر فيها عدد الأطباء تري تمشيا مع قانون العرض والطلب أن تتخذ الوسائل لتقليل عدد المتخرجين من المدارس الطبية التي في تلك البلاد . وكانهم - سامحهم الله - جعلوا الأطباء كالسلع التي تعرض في الأسواق المختلفة ، إذا زاد المعروض منها عن المطلوب قلت قيمته فالقوم يزعمون أن الأطباء إذا زاد عددهم قلت قيمتهم . ولو أن هذه الهيات الطبية فطنت للأمر وربأت بنفسها أن تنحط بالأطباء إلي هذا الدرك لكان خيرا لها ؛ ذلك لأن هذه الهيئات بمحاولتها تطبيق هذه القاعدة الاقتصادية على أفرادها تحرم البلاد من العدو الكافي من الأطباء لتحسين الصحة العامة ، وتحرم المرضى من العدد الكافي من الأطباء للقيام بشؤون العلاج الشافي ، وتحرم الأطباء أنفسهم أن يعيشوا عيشة راضية بالحصول على الأرزاق الكافية لسد حاجاتهم الاجتماعية . وقد مر بك في الكلمة الفائتة كيف أن الولايات المتحدة تحتاج إلى ضعف عدد من فيها من الأطباء ، على كثرتهم هناك .
هذا إلي أن صناعة الطب تختلف عن سائر الصناعات . في كثير من المصانع استخدمت الالات الحديثة ، البخارية منها والكهربائية ، وقد استغني بها القوم عن كثير من العقول البشرية والأيدي العاملة ؛ مع انهم في الوقت نفسه قد زادوا بها في مصانعهم " الانتاج " وقلت حاجتهم
إلى العمال . ولا كذلك الطب لأن شتى الأجهزة الحديثة المستعملة في الأعمال الطبية لا تغني عن الأطباء ؛ بل هي على النقيض تقتضي كثرتهم للتوفر على استعمالها . فأجهزة الاشعة المجهولة ، وهي اشعة رنتجن لابد من طبيب متوفر إخصائي عليها ، والأجهزة الكهربائية المختلفة كالتي ترسم بها ضربات القلب لابد لها من طبيب متوفر عليها أيضا .
قد يكون للهيئات الطبية في مثل الولايات المتحدة بعض الحق أو بعض العذر إذا هم أولو الشأن عندهم أن يقللوا عدد الأطباء ، وان يضيقوا دائرة التعليم الطبي على طالبية لكثرة الأطباء في البلاد ، ولكثرة المستشفيات والمصحات والمستوصفات ، وارتفاع المستوي الصحي ارتفاعا يغبطون عليه ؛ ولكن ما عذرنا نحن المصريين إذا حذونا حذوهم ، ولم نبلغ شأوهم في أي شئ ؟ فالأطباء عندنا قليلون ، والمستشفات والمصحات والمستوصفات عندنا قليلة بالنسبة للمرضي ؛ والأمراض منتشرة عندنا انتشارا عظيما ، وبعضها مستوطن يكاد يقضي على الصحة العامة قضاء مبرما . فهذه البلهارسية والانكلستوما والمالاريا والرمد قد طاب لها لسوء الحظ المقام في مصر ، وقلما ينجو منها إلا القليل من الفلاحين ، وهم الأغلبية الساحقة من المصريين الذين عليهم مدار الرخاء والرفاهية في مصر ، فهم عماد ثروتها ، لأنهم الأيدي العاملة المنتجة الجديرة بكل عطف وعناية ، حفظا للصحة العامة وحرصا على الثروة العامة .
وما أدري كيف يصح بعد ذلك أن نطبق عندنا على الأطباء مبدأ العرض والطلب ، بل كيف يصح ان نجاري الهيئات الطبية في الخارج في العمل على التقليل من الأطباء ، وتضييق دائرة التعليم الطبي على راغبيه ، ومصر أحوج البلاد إلي كثرة الأطباء ، وكثرة المستشفيات
وكثرة المصحات والمستوصفات .
ولقد والله اوشك الشيطان أن يستدرجني للترحم على سالف عهدي بالتلمذة يوم كان يتنافس كل من الدكتور كيتنج ناظر مدرسة الطب ، والمسترر اليوت ناظر القسم العالي في جذبي انا وبعض زملائي إلى مدرسته ، إذ كان يجرنا الدكتور كيتنج إلى مدرسته بالسعي إلى إدخالنا مجانا ، وقد كنا أول فرقة دفعت المصروفات في مدرسة الطب ؛ بينما كان يجرنا المستر اليوت بالمكافأة الشهرية التى كانت تدفع للطلبة في ذلك الوقت ، وبالسعي لارسالنا في بعثة إلى انكلترا بعد إتمام الدراسة ، وبغير ذلك .
وما كانت مصر يوم كان يسعي كلا الناظرين إلي الاكثار من طلبة مدرسته بأحوج إلى الأطباء منها الآن ؛ ذلك لان الطبيب في ذلك الوقت كان يعرف شيئا عن كل شئ في الطب ، ويقوم بعلاج مختلف العلل والأمراض .
أما الآن فقد انتشر التوفر الاختصاص في الطب ، واصبح الطبيب في اكثر احواله يعرف كل شئ عن شئ وكلما مرت الأيام وتقدم الطب زادت فروعه ؛ فهناك طبيب الأمراض الباطنية ، وطبيب الأمراض الجراحية ، وطبيب الأمراض الزهرية ، وطبيب الأمراض الجلدية ، وطبيب أمراض العيون ، وطبيب امراض النساء ، والطبيب المولد ، وطبيب التخدير ، وطبيب الأشعة ، وطبيب الآبحاث البكتريولوجية والباثولوجية . بل أصبح الفرع الواحد ينقسم إلى فروع اخرى ؛ فالامراض الباطنية تنقسم إلى الأمراض العصبية ، وأمراض الصدر ، وأمراض القلب ، وأمراض المناطق الحارة ، إلى غير ذلك ؟ وكذلك الامراض الجراحية أصبحت تنقسم إلي فروع كثيرة ، كجراحة العظام ، وجراحة المجاري البولية ، وجراحة الصدر ، وجراحة البطن ، وجراحة الامراض العصبية ؛ واصبح
للأمراض العقلية متوفرون عليها ، ولمسائل الصحة العامة كذلك متوفرون عليها .
أضف إلي ذلك أن الجمهور في العهد السالف كان لا يلجأ إلى العلاج إلا نادرا ومتأخرا ، وكان كثير ما يكتفى باستشارة الدجالين والحلاقين ، على غير ما هي الحال الآن ، إذ أصبح الجمهور يدرك فائدة المبادرة بالعلاج ، فاشتد الاقبال على الأطباء ، فمن الخير لمصر أن يفتح اولو الشأن باب كلية الطب على مصراعيه ويعملوا على جعل المستشفيات الكبيرة تعليمية ، ثم تأسيس كلية طب اخري اما ما يخشاه اولو الامر من ازدحام الأطباء بعد التخرج على الوظائف الحكومية - إن شجعوا التعليم الطبي كما أري - فمن الأوهام التي سأشرحها في كلماتي الآتية إن شاء الله
