ظهر الإسلام فى قريش ، فلم يمض وقت طويل حىي بسط سلطانه الدينى والسياسى على قبائل وشعوب الجزيرة العربية بل على ممالك أخرى فى القارات الأسيوية والأفريقية والأوربية وقد رافقت اللهجة القرشية الإسلام فى كل خطواته حتى تمكنت هي الأخرى من أن تصبح لغة الإسلام الدينية والأدبية والسياسية بعد أن كانت لهجة كغيرها من اللهجات العربية . وتمكنت بفضل مكانتها الجديدة من القضاء على اللهجات الأخرى والبقية الباقية من اللغات السامية التى كانت حية حتى ذلك الزمن . طبيعى أن يتخذ الإسلام ، بعد أن جعل المسلمين أخوة ، لغة واحدة فيتجنب بذلك ما عساه أن يحدث من انقسام فى صفوفه بسبب تعدد لغات معتنقية ، ويضمن تبليع رسالته على وجهها الأكمل . ولم لا تكون للجزيرة لغة واحدة وهى من جنس واحد وأخذت تدين بدين واحد وتنظر إلى الحياة نظرة واحدة ؟ هذا طبيعى معقول فى نظر الرجل الدينى أو السياسى . لكن اللغوى يخالفهما تماما لأنه يرى فى القضاء على اللهجات واللغات السامية الأخرى قضاء على ثروة أدبية ولغوية لا تعوض . اختفت هذه اللغات وتلك اللهجات من على المسرح الدنيوى وأنزوت فى بعض الأديرة والكنائس وبعض المعابد الأخرى . كما أن بعضها قنع بأن يكون لغة تخاطب وكفى . ومع انكماش هذه اللهجات وتلك اللغات اختفت قواعدها ، وأصبحت اللهجة القرشية لا تجد حرجا فى أن تصبح قواعدها قواعد اللغة العربية عامة ، ولو أنصفنا لأطلقنا عليها قواعد اللغة القرشية .
وكما أن القضاء على لغات الشعوب العربية ولهجات قبائلها كان ضرورة لابد منها ، ووسيلة من وسائل تدعيم الإسلام والرابطة العربية أو الاسلامية ، كذلك القضاء
على تاريخ الجزيرة قبل الإسلام لأنه أصبح فى رأى بعض المسلمين ، ليس من صالح العربى اليمنى أن يفكر فى تاريخ سبأ ومعين وغير سبأ ومعين من الدول العربية الجنوبية التى قامت فى العصور السالفة وكانت لها حضارة ومدنية ودين . كذلك الحال مع العراقى والشامى حيث قامت دولة البابليين والأشوريين والاراميين والكنعانيين وغيرهم من الذين ساهموا بقسط وافر فى تطور الفكر البشرى وترقيته .
ومن كان يضمن لبعض المسلمين أن تفكير اليمنى أو العراقى أو الشامى أو الحجازى مثلا فى ماضيه لن يشغله عن الاسلام أو يلهيه عن الفتوحات وغيرها من الأمور التى كان يقصد بها صالح المسلمين العام ؟ لذلك أصر بعض هذا النفر المتعصب على محاربة عصر ماقبل الاسلام والحط من شأنه . لكن هذه الصورة التى صورها بعض مؤرخى المسلمين عن العصر الجاهلى لا تتفق وما جاء فى القرآن الكريم والكتب المقدسة الأخرى التى تتحدث عن ملك زاهر فى الجنوب ، وحضارة فى الشمال ومدنية فى الشرق ، وتجارة رائجة فى الغرب . وهل كان فى الأمكان إنزال القرآن على النبى القرشى لو كان القرشيون جاهليين ؟ وما أنزل القرآن ليكون لغزاً بل آية فنية جميلة لن يدرك قيمتها إلا الذين أوتوا سعة فى العلم وغنى فى الذوق . وهل يدرك البلاغة غير البلغاء ، ويتذوق الفصاحة غير الفصحاء ؟ ومتى كان الشعب الذى يعنى بلغته هذه العناية التى حاول القرآن ، وقد أفلح ، التأثير فيه عن طريقها ، بتخبط فى حياة الجاهلية ؟ والحقيقة أن تاريخ بلاد العرب فى العصر الجاهلى حافل بالأحداث التاريخية والظواهر الاجتماعية التى تجعل دراسته فرضا على كل مهتم بدراسة التاريخ العربى ، وإنه لمن الغبن أن نسقط من هذا التاريخ عصرا يبلغ من العمر نحو خمسة آلاف سنة قامت فيه دول وازدهرت حضارات ومدنيات كشفت لنا عنها القناع النقوش السامية واللغات السامية ، أو لو شئت فقل العربية التى عثر عليها
فى جنوب الجزيرة وشمالها ، شرقها وغربها والتى تتنبئا عن ملوك معين وسبأ وذى ريدان وحضرموت وقطبان ، كما يحدثنا الجغرافى العربى أبو محمد الحسن بن احمد بن يعقوب الهمدانى المتوفى فى صنعاء عام ٩٤٥ م فى الجزء الثامن من كتابه (( الاكليل )) بالشئ الكثير عن أعلام الحضارة العربية الجنوبية التى ترفرف فوق قصور اليمن وأبنيتها . ولنترك الجنوب ونصعد الى الشمال الشرقى حتى نصل إلى أرض العراق ، حيث تقرأ فى آثار البابليين والأشوريين الشيء الكثير عن البلاد وسكانها ، تاريخها وملوكها ، محاكمها وإدارتها ، حرفها وفنونها ، وكل ما يخطر على بالنا اليوم إذا اردنا أن نؤرخ أمة ما من الأمم الحية ، ثم نتجه غربا ووجهتنا البحر الأبيض المتوسط لتتحدث إلى الاراميين والكنعانين ، الفينيقين والعبريين ، وقد ترك كل شعب من هذه الشعوب آثاراً شغلت وتشغل الكثيرين من العلماء خاصة أولئك الذين يبحثون فى الكتاب المقدس ويعنون به.
وإذا انحدرنا من هناك إلى بادية الشام وسرنا فى شمال نجد أو الحجاز وجدنا نوعا من الآثار والكتابات يتفق معظمه مع بعض ما عثر عليه فى جنوب الجزيرة ، أعنى اليمنية لغة وخطاً ؛ وتعليل ذلك أن كثيرين من سكان اليمن كانوا يحترفون التجارة وكانوا يصرفون بعض ما تنتجه بلادهم وبعض البلاد الشرقية الأخرى فى أسواق جلها فى شمال الجزيرة ، وفى الأجزاء الواقعة على شاطئ البحر الابيض المتوسط ، وفى دمشق يتصل هذا الخط التجارى الذى يخرج من اليمن مارا بمكه والمدينة متجها شمالا إلى الشام شرقا ، أو يعبر البحر الأحمر إلى مصر غربا ، بالخط التجارى الخارج من دمشق الى آسيا الصغرى فأوربا . كان الشعب العربى الجنوبى شعباً تجاريا تربط بلاده بالعالم الخارجى طرق مواصلات متعددة منها البحرى ومنها البرى ، فهو إذاً فى حاجة إلى تأمين مواصلاته ، فأنشأ مخافر على طول
الطرق التى كانت تجتاز بلاد العرب من الجنوب إلى الشمال ، ولم يمض زمن طويل حتى كونت هذه المخافر أو تكونت حولها جاليات يمنية لغة وكتابة ودينا ، وكانت هذه الجاليات بطبيعة الحال علي اتصال تام بالنجديين والحجازيين من القبائل التى كانت تخترق قطر القوافل أراضيها ، وقد قرب هذا الاختلاط ، بين العرب الجنوبيين والشماليين ، اللهجتين الجنوبية والشمالية إلى بعضها . وقد عثر فى وسط الجزيرة وشمالها وفى بادية الشام وشبه جزيرة طور سيناء على كثير من الكتابات والآثار الجنوبية والشمالية التى يرجع بعضها إلى ماقبل الميلاد ، والبعض الآخر نقش أو شيد فى أزمنة مختلفة أحدثها يرجع الى نفس العام الذى ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأهم المدن والأماكن التى عثر فيها على هذه الكتابات هى تلك الواقعة فى طرق القوافل مثل ( الملا ) و ( الحجر ) أو ( مدائن صالح ) حيث اهتدى المستشرقون إلى كثير من الكتابات الجنوبية ،
وفى نفس منطقة العلا اكتشف بعض العلماء كتابات أخرى تنتمى إلى قبيلة أو شعب كان يسمى لحيان ، وتعتبر لغته لهجة عربية شمالية رغما من أنها مكتوبة بخط جنوبى ، ويرجح أن يرجع تاريخ هذه الكتابات اللحيانية إلى ما بين القرنين الخامس والسادس ق . م ، وغير اللحيانية توجد فى وسط الجزيرة وشمالها الغربى كتابات كثيرة جدا اتفق على تسميتها بالكتابات الثمودية اعتقادا أنها لغة القوم الذين أطلق عليهم القرآن الكريم ثمود . أما خط هذه الكتابات العربية الشمالية فشمالى أيضاً . وقريبة من الثمودية الكتابات المعروفة بالصفوية نسبة إلى جبل الصفا الواقع جنوب شرقى دمشق ، حيث وجدت تلك الكتابات الشمالية خطا ولغة ، وهى من أقرب اللهجات العربية الشمالية إلى اللغة الحجازية ومن بين الكتابات التى وجدت فيها ما يرجع تاريخه إلى عام ٣٢٨ م كنقش النمارا ( جنوب شرقى دمشق ) وهو نعش
أمرئ القيس بن عمرو مالك جميع العرب ، ومنها ما يؤرخ بعام ٥١٢ م . كنقش زيد ( جنوب شرقى حلب ) أو بعام ٥٦٨ م كنقش حران ( جنوب دمشق ) .
والآن بعد هذا العرض القصير للعصر الجاهلى أحب أن أسوق النتيجة التى أريد الوصول إليها فأقول إنه سبق لى أن ذكرت فى صدر هذا المقال أنه لفائدة الاسلام ولصالح المسلمين العام قضى على كثير من لهجات الجزيرة ولغاتها ، كما أهمل تاريخ الجاهلية قصدا وعمدا ، لكن اليوم بعد أن بذل رجال اللغات السامية مجهود الجبابرة ، استطاعوا إعادة الهيكل الذى تداعى إلى أصله ، وأصبح من اليسير علي اللغوى - إذا استعان بهذه الكتابات التى حفظتها لنا النقوش ، ما عرف منها وما سيعرف ، وبكتب النحو والقراءات وما إليها من المصادر التى عنيت باللغة ، وباللهجات العربية قديمها وحديثها - أن يجمع المواد اللازمة التى تصلح لوضع تاريخ شامل للنحو العربى ، فنعرف مبدأ العرب فى التذكير والتأنيت ، وجموع القلة والكثرة ، ومخالفة المدد للمدود من ثلاثة إلى تسعة ، والفصل فى الخلاف القائم بين الخليل والمبرد وسيبويه بشأن أداة التعريف ، والمسائل الأخرى التى يجب أن تبذل فى سبيل فهمها البحوث الكثيرة والدراسات اللغوية المقارنة ، وبمثل هذه المجهودات تصبح دراساتنا اللغوية متثمرة ونوفق فى تكوين نشء جديد يكون منه الباحث المنقب واللغوى المدققق ، وقد تحسن كلية الآداب صنعا لو ساهمت فى هذه البحوث العلمية التى غمر بها الغرب جزيرة العربية فأخرجت من أعماق بحارها الرملية الكثير من الدرر الثمينة التى تركها لنا آباؤنا وأجدادنا ، وخاصة إذا علمت كليتنا أن الجزيرة أدركت ما وراء البحوث العلمية الغربية من أغراض استعمارية فقبضت عنها يدها وباعدت بينها وبينها لعلمها أن فيها الشعلة المقدسة التى لن تنطفئ جذوتها ، هذه الشعلة التى سيرت الجيوش إلى اطراف الجزيرة وغيرها فطهرتها من الأجناس الأجنبية التى لوثتها
أو الحكومات العربية التى شاخت فورثها ، وتلك هي سنة التاريخ العربى فى مختلف عصوره . وقد أدركت الدول الاستعمارية ما فى قلبها من قوة لابد وأن تنبعث يوما ما فتسير الجيوش التى انترعت العراق من الثومريين وحررت الجزيرة أيام الخلفاء الراشدين ، فضربت حوله سياجا قويا من ناحية وأرسلت بعض مستشرقيها الذين شغفوا بالإسلام حتى اعتنقوه ليكونوا عيون بلادهم الساهرة التى تطلعها على كل صغيرة أو كبيرة قبل أن يستفحل الخطر وتقع الكارثة من ناحية أخرى ؛ لكن هذا القلب الذى مازال إلى اليوم تقريباً موصدا فى وجه غير المسلمين سينفتح أمام كليتنا لو عنيت به وأرسلت إليه بعض رسلها ، وأنا زعيم لها بأنها ستوفق توفيقا لم يكتب لغيرها من قبل ، وستعود ثمار هذا التوفيق لا على اللغة العربية فحسب بل علي العالم العربى كله من الناحية السياسية والاجتماعية . أما المؤرخ العربى فليس له بعد اليوم عذر . فقد مهد له الإخصائيون من رجال الساميات الطرق التى يحسن السير فيها للاحاطة بتاريخ الجزيرة من أقدم عصوره إلى يومنا هذا ؟ فإن فعل وإنه لفاعل فعسى الله أن يقرب اليوم الذى يقول فيه العربى ( هاؤم اقرأوا كتابيه )
